عاجل
الجمعة 3 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

انتشار الإسلام في السودان الأوسط

د. إبراهيم محمد مرجونة
د. إبراهيم محمد مرجونة

تؤكّد المُعطيات التاريخية أنّ أوّل اتّصال للإسلام بالسودان الأوسط كان في القرن الأوّل الهجري، حيث يذكر ابن عبد الحكم (ق3ه) والبكري (ق5ه)، أنّ عقبة بن نافع في سياق فتوحاته المغربية سار سنة 46ه/ 666م حتى افتتح ودّان، ثمّ واصل سيره إلى فزّان وافتتحها.



 

وواصل السير باتجاه الجنوب حتى وصل إلى قصبة كوار (في الشمال الشرقي لجمهورية النيجر)، فحاصرها شهرًا ولم يفلح في اختراقها، فمضى إلى قصور كوار فافتتحها حتى انتهى إلى أقصاها.

 

 

وبالرغم من أهمية هذه الحملة بوصفها أول اتصال بين الإسلام والسودان الأوسط، فإن من المحتمل أنّ مفعولها كان عابرًا جدّ لأنّها لم ينتج عنها انتشارٌ كبير للإسلام، لا على المستوى الشعبي ولا النخبوي.

 

 

ويُعتقد أنّ الإسلام بدأ يزحف إلى الجنوب في القرن الثاني الهجري، بعد استقرار بربر فزّان وكوار على الإسلام، لأنّ هؤلاء كانوا على علاقات تجارية ودبلوماسية جيّدة مع الحواضر الكبرى للسودان الأوسط، وبدأ التحوُّل إلى الإسلام في المنطقة الجنوبية للسودان الأوسط فرديّ، عن طريق الاتصال مع التجار المسلمين القادمين من الصحراء، مع بقاء المجتمع في عمومه غير مسلم، وحسب الشهادات التي أدلى بها البكري (ق5ه/ ق11م)، فإنّ المجتمع الكانمي الذي كان يسيطر على منطقة بحيرة تشاد، كان وثنيّا؛ إذْ يقول: "وبلد كانم أربعون مرحلة، وهم وراء صحراء بلاد زويلة، لا يكاد أحدٌ يصل إليهم، وهُم سودان مشركون".

 

 

ولا ينفي ذلك وجود أفراد معتنقين للإسلام، وقد أشار البكري نفسه إلى أنّ قومًا من الأمويين استوطنوا كانم عند محنتهم مع العبّاسيين، وهم "على زيّ العرب وأحوالها".

 

 

وبدأ الإسلام ينتشر ويتوسع وتزداد سرعة انتشاره في المنطقة مع تحوّل عرش مملكة كانم من الزغاوة إلى السيفيين، ويعدّ محمد بن جبل بن عبد الله (1085-1097م) أوّل ملك مسلم اعتلى عرش كانم، وكان معروفا قبل إسلامه باسم "حُمى" أو "هومه جيلمه"، وخلفه ابنه "دوناما بن هومه" على السلطة، وهو أوّل مَن حجّ من ملوك كانم، وقد اجتهد السيفيون في نشر الإسلام وتوطيد دعائمه، والتمكين له في منطقة بحيرة تشاد اجتهاد كبير، وإليهم يرجع الفضل في تعميمه على شرائح المجتمع الكانمي كافّة.

 

 

أمّا في بلاد الهوسا فإنّ دخول الإسلام إليها كان متأخرا نسبيّا؟، فأولى الشهادات التاريخية عن دخول الإسلام لهذه البلاد تؤرخه بمنتصف ق8ه/ ق14م، وذلك في عهد ياجي سركين كانو (1349-1385م)، عن طريق التجار الونغريين القادمين من مالي، وعلى الرغم من أنّ هذه أقدم إشارة لحضورٍ إسلاميّ في بلاد الهوسا، فإنّ بعض الباحثين يرون أنّ الإسلام وصل إليها قبل ق8ه/ ق14م لأنّ الأسرة الحاكمة لكانم اعتنقت الإسلام- كما سبقت الإشارة- منذ أواخر ق4ه/ ق11م، وقد كانت علاقة الهوسا مع كانم اقتصاديّا وسياسيّا وطيدة، يستحيل معها أن تبقى بلاد الهوسا بمعزلٍ عن الإسلام إلى غاية ق8ه/ ق14م.

 

 

وقد تعزّز الوجود الإسلامي في بلاد الهوسا بعد خضوع كثيرٍ من إماراتها لسيطرة السنغاي في عهد الملك أسكيا محمّد في ق10ه/ ق16م، كما أنّ كثيرًا من علماء تنبكتو وجنّي، وغيرها من الحواضر الغربية هاجروا إلى بلاد الهوسا بعد تعرّضهم للأذى والاضطّهاد والتضييق، سواء في فترة محنتهم مع سني علي بير، أو بعد السيطرة المراكشية على السنغاي، ومن أهمّ هؤلاء العلماء الذين كان لهم دور كبير في نشر الإسلام في بلاد الهوسا، أحمد بن عمر أقيت، جدّ العلامة أحمد بابا التنبكتي المشهور.

 

وبالرغم من وصول الإسلام إلى كثيرٍ من إمارات الهوسا بشكلٍ أو بآخر في ق8ه/ ق14م، فإنّ تأثيره بقي سطحيّا ومحصورا على نخبة معيّنة من التجّار والسياسيين، وعليه يمكن القول أنّ انتشار الإسلام في كلّ ربوع بلاد الهوسا، وعلى مستوى الشرائح الاجتماعية كافّة، إنّما كان في ق13ه/ ق19م على يد الخلافة الصوكوتية بقيادة المجاهد عثمان دن فوديو، وأخيه عبد الله، ومَن خلَفهما في الحكم، إلى سقوط الخلافة على يد الاستعمار البريطاني بداية القرن العشرين.  

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية 

رئيس قسم التاريخ – كلية الآداب