عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

خريف السيد أحمد..

رسم: احمد سميح
رسم: احمد سميح

آلو يا عادل.. أيوه يا ابنى.. رُد يا بنى آدم..



بصوت أجش لا تخطئه الآذان غنىّ بالحدّة والصرامة يتخللة ثلاث كلمات لأ لأ لأ.. مش هاخد الإعلان فى الصفحة التانية.. قفلنا العدد كله.. قلت لك لأ.. مع السلامة..

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

 مع صوت ارتطام سمّاعة التليفون مُعلنة انتهاء المحادثة التلفونية المقتضبة أصبح وجهه كوهج اللهيب.. ينفخ زفرات متتالية ثم يعاود البحث عن شىء فقدَه.. مترجلا فى صالة التحرير جيئًا وذهابًا، وسرعان ما أخرج علبة الدخان من جيبه وعبأ برمادها المكان الذي يعج بالمحررين والعمال ورؤساء وردية الطبعة الثانية وهو يقول "ياربى شغلانة تقصّر العمر".

ثم يعاود فحص الوجوه؛ ليتأكد أن كل محرّر منغمس  فى عمله، ولا يُحرك ساكنًا، أو يلتفت حوله، يوم نكب أن فعل أحدهم غير ذلك، يحول للتحقيق ويخصم من راتبه الزهيد، ويكتب فيه تقرير سب ولعن وتصبح سمعته الصحفية فى التراب.

فالمعروف عن السيد احمد عبد الوهاب أنه مدير تحرير صارم لا يعرف غير الضبط والربط ولا يبالى بفلان أحد أقارب  الوزير، ولا يهتم بعلان معرفة رئيس التحرير، لا يألو جهدًا عن تأديب المخطئ أو يخشى فى الحق لومة لائم.

على مدار 40عامًا تنقّل أحمد  عبد الوهاب وشهرتة "الدوغرى" من فرط  جديته بين صفحات التحرير فى الصحف المحلية والدولية حتى حصل على ترقيات كبيرة فى كل منها. 

وصدر على يده أكثر من ٥٠ ألف عدد يومى فى ١٢مطبوعة فى مصر وخارجها، وأصبح اسمه لامعًا فى عالم الصحافة الذي عشقه منذ الصغر ولم يستبدله بأى حب، حتى الزواج.

السيد أحمد نسى أن يتزوج، فالصحافة لاهية يردد دائمًا على لسانة ويحذّر صغار المحررين: 

أوعو تنسوا فى الصحافة نفسكم، اشتغلوا واتجوّزوا وعيشوا حياتكم..

ينصحهم وفى قلبة حسرة بعد ان مضى قطار العمر بة دون ونيس أو جليس كما فشلت محاولاتة وهو على مقربة الستين أن يجد عروس تتحمل عجوز لا يملك من حطام الدنيا سوى حفنة أوراق مطبوعة تعبأ مكتبه المتهالك فى بيت صغير متواضع بحى العباسية ورثه عن عائلته.

رصيده فى البنك يكفى بالكاد ما تبقى من عمره ليعيش مستورًا، بعد أن سدد ديون زوج شقيقته بـ"تحويشة" العمر التي عاد بها من دول الخليج نظير عمله فى صحفها.

يلهى حاله بعد نهاية يومه الذي يبدأ مع أذان الظهر وينتهى بحلول الثامنة مساءً بين الجلوس على مقهى قريب من بيته وسط أبناء الجيران وأصدقاء العمر المنقضى أو تناول كوب الشاى فى شرفة منزله وهو يستمع إلى أغنيات محمد عبد الوهاب وأمّ كلثوم، فالسيد أحمد لا يعترف بمطربى هذا الجيل ويعتبرهم صداعًا وأغنياتهم لا مذاق لها ولا طائل منها.

بين الرفاق منعم ، زميل الدراسة فى الابتدائية والثانوية، والجامعة، تخرّجا فى كلية الآداب قسم الصحافة، لكنة قرّر أن يعمل فى تجارة والده فى حى شبرا، وأصبح مليونيرًا فى بضع سنوات من التخرّج وتزوّج مرتين، إحداهما من شابة تصغرة 25 عامًا.

كان يتذكر معه أيام الصبا والشباب، ويلعن اليوم الذي أحب فيه الكتابه، لكن منعم يذكره دائمًا أنه مبدع وكان لافتًا للأنظار فى الجامعة. 

- فاكر لما كنت بتطلع الأول على الدفعة؟ طيب فاكر البت هالة.. كانت جميلة وكل الدفعة تحبها، إزاى لم تلفت نظرك!.

البت هالة اتجوّزت راجل مقتدر وعايشة فى ألمانيا وعندها أحفاد دلوقت..

تنهيدة طويلة وهو يستمع إلى كلمات صديقة منعم التي كالرصاص، يذكره أنه أحبها لكنه أحب الصحافة أكثر وقرّر أن يتدرّب فى جريدة مرموقة ويحصل على تقدير امتياز، وفعل ذلك..

بعض الذكريات لا تروق للسيد أحمد؛ خصوصًا الجوائز والشهادات التقديرية المُعلقة فى مكتبه وغرفة نومه، والتي طالتها يد أحفاد شقيقته الوحيدة فى زيارتهم له فى مطلع كل شهر للاطمئنان على أحواله..

لم يسلم حتى من عبث الصغار فى قدره، بعض الوقت يشرد فى حاله، ثم ينقطع شروده برسائل تليفونية باهتة من بقايا أقارب الأهل الذين رحلوا معظمها لقضاء حاجات أكثر من صلة الرحم وحين يضحك له الزمان يراسلونه بتهانى مُعلبة فى الأعياد والمناسبات.

يوم قصير يطول بالوحدة والتفكير، ينام بعدها كالمغشى عليه من الإرهاق ليستيقظ على جرس المنبه يخبره أن الساعة التاسعة صباحًا وأن يومه كان حلمًا ثقيلا وأنه جاوز الـ ٦٥ من العمر دون أسرة أو ونيس وأن المطبوعة التي كان يعمل بها اختفت من السوق، يحل محلها موقع إلكترونى يهتم بأخبار الفن والمقتطفات الخفيفة بحثا عن نسب المُشاهَدَة العالية..

فتيقن السيد أحمد الصحفى أن الخريف على وشك الوصول.. وأن زمنه مضى.

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز