عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

هدنة أحادية الجانب

رسم: عبدالمنعم البطاوى
رسم: عبدالمنعم البطاوى

 لا أحد هنا.. أحيانًا أحب هكذا أن أبقى وحدى دون عيون تتفحص وعقول تتربص وآذان تفنّد وأسئلة تجلد.. لا أحد سواى، أحتضن نواياى وأُكنها فى صدرى وأحفظها عن ظهر قلب ولا أحيد عنها ولكننى لا أنتوى إعلانها، أومن بنبلها ولكن لا أجيد شرحها. تعبت من تلك المواقف التي أعجز فيها عن التفسير. تعبت حقًا من عقول لديها لكل هفوة حكاية ولكل حادث رواية، كأنهم يعرفون عنك ما لا تعرفه أنت عن نفسك. أتساءل من أين لهم بهذا الوقت، وماذا تركوا من شؤونهم ليفرغوا هكذا لشأن غيرهم؟!.



نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

لا يفهمون كلامك ثم يسيئون تفسير صمتك... إذن إنها الهدنة؛ حين تلوذ بنفسك، حين يمر أمامك كل شىء ولا تبدو كمَن يرى أى شىء، تسمع الافتراضات والتكهنات وتزهد الرد، تكتفى بابتسامة صامتة أو إيماءة هادئة تجاه الكثير مما كان يثير غضبك فى السابق، لا تكترث كثيرًا للظنون والأحكام ولا تتكبد عناء تكذيبها؛ خصوصًا حين يتضح لك أنها انطلقت لأمرٍ فى نفس قائلها لا فى نفسك أنت. ليست عزلة بل هدنة؛ هدنة تأخرت كثيرًا، تخرج منها شخص أقدر على التجاوز، أمهر فى التناسى، أغنى عن التبرير، أقوى من العراقيل وأذكى من صانعيها.

وهاأنا ذا قد تجاوزت محنتى وعبرت إلى حيث أردت وأحاول الإياب إلى الفردوس الذي تردى منه البشر بقلب سليم. إلى مرادى طالما لم أؤذِ مخلوقًا ولا أُغضب خالقى ولا أخادع نفسى.

كنت أخجل من كونى مُطلَّقة لأن بعض أهلى كانوا يشعروننى أن الهواء النافذ إلى رئتى شرف لا أستحقه ولو أن الأمر بأيديهم لمنعونى إياه؛ لأن بنظرهم لا شىء يبرر الانفصال عن دبلوماسى.. لا شىء؛ لا الكرامة وإن أُهدرت صفعًا وركلًا، ولا الخيانة وإن صارت عادةً شبه يومية، ولا الفساد طالما لم يفتضح. يتعامون عن ذلك كله ويتفحصونك بحاجب مرفوع بحثًا عن سبب خفى، يتركون الحُكم للعادة وإن ظلمت، يتناسون حُكم الله فى مثل هذا ويُخرجون الدين من جعبتهم فقط وقتما أرادوا، ولا يدركون مدى نقص علمهم وسطوة أهوائهم.

فى البداية كاد يقتلنى الألم من نظرة البعض لى كفضيحة محتملة وأنا التي لم أرد سوى أن أمضى فى طريقى وأستكمل طموحى، وأتقى الشبهات، وأفطم قلبى حتى يأذن الله... أمّا الآن فقد تماهت المحنة مع حكمة السنوات وصنعا منّى "أنا" أخرى أكثر نضجًا، فبِتُّ أرفض حُكم الموت الصادر عن غير القدر.

فمجتمع القشور الذي ابتلى به وجودى يحمل عقل طفل لم يتخط الخامسة؛ تبهره سترة الضابط وقبعة الطيار وتصبغان على أصحابهما البطولة والمميزات دون حد، دون أن يدرك الطفل أن خلف كل سترة شخصًا مختلفًا وتحت كل قبعة رأسًا مختلفًا. فكان يعاملنى الكثيرُ من المحيطين كأنما تمردت على الفردوس، وخرجت للعراء دون حماية، وكأنما تركت نفسى لقمَة سائغة للعابثين وعرضت لحمى فى الطرُقات لأصحاب الهوَى.

لم تأتنى الحكمة طيعة ولم أوهَب الصبر غافلة؛ فقد بقيت لسنوات فى ذلك التيه ولطالما أردت التبرير حتى أتى ذلك اليوم الذي جلست فيه مع زميلتى "الأرملة" فى ساعة صفاء؛ أرملةٌ هى ليس بقصتها ما يشينها؛ لا شجار، لا سباب، لا خيانة، مشيئة إلهية خالصة، أمرٌ إلهى لملَكِ الموت وفراق لا دخل لها فيه، فحكت لى بقلب مفتوح كيف يتجنبها جيرانها وهى التي لا تخرج سوى لجلب رزق أطفالها، وكيف تحاصرها نظرات الشك من أقرب أقربائها وكيف يراها البعض لقمة سائغة للعابثين وكأنما عرضت لحمها فى الطرُقات لأصحاب الهوَى.

فقررتُ منذ ذلك الوقت أن آوى بين الحين والآخر لهدنة تعصمنى من الناس، على أن أعيش تحت القصف دون أن يصيبنى ودون حتى أن أشعر به؛ لأننى لا أملك إيقافَ حرب تدور رحاها فى عقول غيرى، ودون ما يكفى من المنطق.  

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز