عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

الأقدار كلها خير ولو أحزنتك الحياة

رسم: هبة عنايت
رسم: هبة عنايت

استيقظ يحيى متأملًا، متفكرًا، متدبرًا، فى هذا الكون الفسيح من حوله، مُلتمسًا الهداية والمعرفة التي لا تكون إلا بتوفيق من رب العباد، فأطل كعادته من شرفة غرفته كى يشاهد جمال المناظر المحيطة خارج المنزل، فوجد حياة هادئة وعادية ولا يوجد فيها ما يلفت عينيه، فاستدار خلفه ليرى والدته تلامس وجهه، فابتسم؛ كأنه استرد سيئًا مفقودًا من حواسه، فهمست فى عقله؛ لتلاعبه، وبدأت تتواصل معه بحركات اليد، وهو يتواصل معها ويهرب منها وهى تلاعب ذاكرته كطفل لإخفاء إعاقته الذهنية والعقلية، فلغة العيون واضحة لدرجة أنه لم يكن هناك حاجة للحديث بينهما؛ لأن هدفها أن تقترب منه أكثر وأكثر لمعالجة تأخره العقلى والذهنى الذي أصيب به فى صغره، فصمه وبُكمه لم يكن أبدًا عائقًا بينه وبينها، ورضاها عنه كان إيجابيًا إلى أقصى الحدود، فكانت تفهم جيدًا أن هذا الابتلاء رحمة من الله ولكن والده لم يكن كهذا، فلغة التواصل بينهما منعدمة، فكان متذمرًا، وغاضبًا، وحزينًا أن هذا قدره، فالرضا منه سلبى لاعتقاده أن يحيى غبى، وكان هذا حجة لديه، ومبررًا لإظهار شكواه أمام زوجته قائلًا:



نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

- ماذا فعلت فى هذه الحياة لكى يعطينى طفل كهذا؟.

  أدرك يحيى أن والده يكرهه ولا يحبه، فحاول ألا يؤذيه وأغلق على نفسه الغرفة لكى يبكى على فقدان عاطفة موجودة ولكنها مرفوضة، وظل يحاول يوميًا الاستجابة لتمارين النطق وتدريبات السمع بعيدًا عنهم لكى لا يُشعرهم بإعاقته، ولكن والدته كانت تقتحم غرفته وتزيل حاجز الخوف وتبدأ بالتحدث معه بقلبها، الذي كلما يجدها يسعد ويطير ويشعر أن طفولته مكتملة، وكانت تقنع والده بأن عليه أن يتواصل معه ويحبه ويتحدث معه بقلبه، ولكنه كان حزينًا فى قرارة نفسه من إعاقة تجعله يرى غرفة يحيى كابوسًا، فحاول أن يتجنبها ويبتعد عنها لعدم قدرته على رؤية الأدوية التي يحصل عليها، فكان دائم الخروج لرؤية أصدقائه لكى يُعبر لهم عن شعوره بالضيق والحزن والبؤس بسبب صعوبات التعلم التي يعانى منها يحيى، وكان يتحدث دائمًا عن الألم النفسى الذي لا يستطيع إخفاءه، ولكنهم كانوا يقنعونه بأن ما فيه يحيى هو نعمة من الله يعطيها لعباده ليختبر صبرهم عن مدى تحمُّلهم للابتلاء. ولكن مع مرور الوقت، بدأت والدته تتحايل على والده بأن يأخذ يحيى للخروج لكى يشترى له لعبة حتى يحبه ويتعلق به، ومع توسل والدته أخذه للخروج. 

شعور يحيى كان غريبًا وهو يخرج مع والده من المنزل، فشاهد فى منتصف الطريق، وردة صفراء جميلة، فحاول أن يقطفها، ولكن والده صار عكس ما يريد وحاول أن يتواصل معه بلغة الإشارة، بأن محل لعب الأطفال اقترب، فكلما يشير له بيده، يقاوم يحيى رغبة والده للحصول على الوردة الصفراء، ولكن والده منعه من الحصول عليها، ودخلوا المحل، وحاول أن يختار له لعبة، ولكن يحيى اقترب من زهرية الورد الموجودة على واجهة المحل، وحاول أن يحصل عليها، ولكن والده حاول إقناعه بأنها ليست لعبة، وعندما يأس قام بتعنيفه، فبكى يحيى متألمًا من انعدام لغة التواصل بينهما، فخرج والده منزعجًا ومضطربًا، وعاد لمنزله محذرًا والدته بأن تكرّر معه هذا الأمر مرّة أخرى.

 

ودخل ينام ورأى حلمًا غريبًا، وجد نفسه أنه فى الشرفة التي يطل منها يحيى كل يوم، فشاهد العمارات محروقة، وأعمدة الإنارة معطلة ومائلة، والشوارع مكسرة، والسيارات مفحمة، والغبار منتشرًا فى جميع الجهات، ولكنه وجد الوردة الصفراء المضيئة التي أراد يحيى أن يقطفها فى منتصف الطريق سليمة وواضحة كضوء الشمس؛ كأنها إشارة لإحياء ضميره النائم، وتنبيه لعقله الغائب على أمور كثيرة يجهلها. فاستيقظ من النوم مندهشًا، يتحدث ويردد من تلقاء نفسه، بأن يحيى كان هدفه أن يعطيه الوردة ليبلغه رسالة بأنه يحبه ولكنه غير قادر على التعبير فقرّر أن يتغير تدريجيًا والاقتناع بأن ما فيه يحيى هو نعمة من الله. 

لاحظ يحيى بعد هذا الحلم أن هناك تغيرًا فى المعاملة بينه وبين والده، فلم يجده متذمرًا، غاضبًا، حزينًا كما كان فى السابق؛ بل هادئًا، مطمئنًا، راضيًا بقضاء الله وقدره، فبدأ يحيى يتواصل مع والده بحذر شديد إلى أن انتقل لأسلوب آخر من المعاملة جعلته يقتنع أن والده بدأ يفهم بأنه نعمة فى حياته، أهداه الله لإحياء مفاهيم كثيرة كانت غائبة عنه، منها أنه ابتلاه لكى يعود لرشده وصوابه، فوجده يشاهده ويسمعه خلف غرفته التي كان يتجنبها، ورأى أن حواسه لم تعد مرتبطة بوالدته فقط؛ بل ارتبطت بوالده أيضًا الذي ظل يشاركه فى جميع تفاصيل حياته اليومية، وكأن الهدف من التجربة هو أن يتعلم والده ويفهم جيدًا أن الأقدار كلها خير ولو أحزنتك الحياة.

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز