عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

قصة الحروف

رسم: ابراهيم عبدالملاك
رسم: ابراهيم عبدالملاك

هَبْطتُ مِن رَحمِ مَنْ حَملَتـْنِى مِنَ الأَشهُرِ تِسع،



تَلقَفتـنِى يَدا الدُنيا، التي كُنتُ أَحسبُها سَهلةً بَـيْدَ أَنى صُدِمـتُ فِيما بَعد بِأنهَا السَّهلُ المُمتنع!

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

كَبِرتُ مَعَ الأيامِ وَهى تَعدو سَريعًا.. وَتزاَحمتْ الأحـداثُ فِى دُنيَاى الصَغيِرة.

وَعَقلِى لَمْ يَعدْ يَقوَ عَلَى استِيعابِ كَـم الأحداثِ المُنهَالة عَلِيهِ وَكَـأَنهَا فِى سِباقٍ مَعَ الزمَانِ !

ذَاكَ الذي يَنبضُ بَينَ جَـانِبِى لَـم يَعُد يَتحمّل كم الحُزن بِدَاخِله.. وَالخَيباتُ تَراكمت، مُتشبثةً بِجِـدارِه،

حتى الدُنيَا بِسَوادِهَـا المُهلِك أَجثَمتْ عَليهِ !

ثُم مَاذا عَنْ عَـاتِقِى؛ ذَاكَ الذِى تَحمّلَ الكثيرَ فَأكثر، فَـقط لأنهُ يَنشُدُ البقاءَ مُتمَاسكًا .

لِسانِى طَفقَ يُتمتم: "كُـنتُ أَسيرُ وَحَدِى فِى طَريقِ دُنيِاى..صَافنةً فِى مَلكوتِ ربى، أسألهُ الَـرحمةَ..

قبول التَوبةِ ..إِنَارة خَـلايا عَقلِى لِتَتَقبلَ أَحرُف كَلِمة "أَمـل" وَعَلَـى حِينِ غرة سَـقطْتُ سَـهوًا فِى بُؤرةٍ عَمِـيقةٍ، الظلامُ كَانَ يَلفُـهَا مِن كُل حَدبٍ وَصَوبٍ، فَركتُ عَيَنَىْ بِقوةٍ لَـعَلّى أَلمحُ شَذرةَ ضَوءٍ وَلَو خافتة ..

- دَعنِى أُطلعكَ عَلى إحدى خبايا رُوحى،

أَنَـا لا أَخشَى الظَلامَ، وَلَكنْ أَخشى أن تَزدادَ عَتمة قَلبِى أكثر!.

بَدأَتْ عَينَاى تَلتقطان شَذرات ضَوءٍ خَافتةٍ، وَميِضُها شيئًا فَـشَيئًا يَزدادُ،

وَنَظرة مِنّى شَملتْ جُدرانَ البُؤرة كانت كَفيلة

لأجِدَ حُروفًا لَـم يَتَعرّفَ عَلِيها عَقلِى فِى بَادئ الأمرِ، وَلَكنهُ سُرعانَ مَا تَعرّفَ عَليها ..

فَصَمت هُنيهة فَأَلجمتهُ الصَـدمةَ !فَلُغةُ الضَادِ البَهية قَـد تَم نَقشُ أَحرُفِهَا بِعِنايةٍ فَائقةٍ عَلَى الجُدرانِ ..بِـطَريقةٍ التمعَ لَها بُؤبُؤا عَيِنَىْ.

لَـمْ أَسْتطع مَنعَ أَنَاملِى مِن أن تَستشعرَ رَونقَ تَلمس تِلكَ النُقوش الذهبية الغَائرة عَلَى الجُدران .

لَـمْ أَشعُر بِثَغرى هَذا الذِى تَفتحَ فِى انبهارٍ بِهَذا البَريِق اللامعِ الذي خَطفَ أنفاسِى.

أَنفِى التَقط عَبق مُسكرة رائحتهُ ..عَبق قَط لَمْ أَعهدهُ،

لَـمْ أَستَطع كَبحَ جِماح فُضولِى مِن تَتبُّعِ مَصدره .

وحَانتْ مِنِّى التفاتة لأجدَ أُنثَى مَليحة المَعالمِ، فِى رِداءٍ أَبيِض خَلابٍ ..تَقاسيمُ وَجهِهَا بَيضاء، وَسُحقًا فَـالنُقوش تعلو مَلامحَ وَجهِهَا، وَلِسَانِى قاطعَ استرسالِى شَاهقًا :

" يَا إللهى"

شَعرتُ بِقَلبِى يَكادُ أن يَنخلِعَ مِن مَكانِه، فَـالمَوقف بِرُمته مهيب..عَظيم .

تَسلل لأذنِى صَوتٌ أُنثوى دَغدغَ حَواسى: "أَملكِى أنا.. أهوى حُروفِى..  خُطى خَبَايا نَفسِكِ بِـنِقاطِ كَلِمَاتِ" .

انفرجَ بؤبؤاى فِى صَدمةٍ، تَلقفتها هِى بِـابْتسامةِ بَشوشةِ، تَسللَ أثرُهَا فِى نَفسِى فَتَيبسَت خَلايَا جَسدِى .شَفتاهَا هَمستا: أَنَا الَضادُ العَربيةُ، جِئتُ لأطمئِن قَلْبكِ أَن نَجاتكِ حَتمًا سَتَنْبثقُ مِن ثَنايا وُريقاتِكِ؛ التِى بَعدما تَفحصتها أكتشفتُ شَغفكِ بِكلماتِى.. فَـأحرُفِها.. فَـنِقاطِها  .

صورٌ عِدةٌ تتداخلُ مع بَعضِها، وَأَصواتٌ عِدة مُتداَخلة تَطرُقُ بَابَ أُذنِى بِقوةٍ، شَهقتُ شَهقةً زَلزلتْ كيانِى وَرُحتُ ألْتَفتُ يُمنًة وَيُسرةً، لأجدنِى فِى فِراشى. وَنظرةً مُتفحصةً مِنّى لِلْجُدرانِ مَنحتْ الحق لِـلغروبِ بِـأن يُسكب مَاءَه البَارد فَوقَ رَأسى لأستفيقَ،

فَـأنا أَحلُـم!.

لَكِن دَعنِى أُخبرُكَ أن حُلمِى جَميل .. ذُو رَونقٍ مُختلف.. خَاص هَذهِ المرّة ..غَيرَ شَكْلٍ .

ثَانيةُ أُولى فَـالثانية كُنت قد قفزتُ مِن فراشى، وبِقلمى وَكُنتُ أَخط بَينَ دَفتَىْ دَفترِى حُلمِى المهيب..

وَعـقلِى سَقطَ فِى بوتقةِ غَرامِ العبثِ  بِالأحرُفِ .

وَلَكم هَوى قَلبِى التَلاعُب بِكَلِماتِ الضادِ العَظيمةِ، تِلكَ الأخيرة ذَاتَ الوقارِ الذِى يَتغنجُ أمامكَ بِـطَريقةٍ تَسلبُكَ لُبكَ ..انفرجتْ شَفتاى المُكتنزتانِ تَكشفُ عَن بَياضِ أَسْنَانِى فِى ضحكةٍ،

قَفزتْ مِن شَغافْ قَلبِى، لم تزُرنى مُنذ زمنٍ طويلٍ. 

وَلَمستُ امْتِنانَ رَوحِى الحالمةِ  لِحُلمِى،الرائعةِ أحداثُه..

أَمّـا أَنا فَهَمستُ بِامتنانِ صادقٍ: "مُمـتنةً أنا لِماضٍ أليمٍ إانبثقَ مِنهُ شَغفِى بِشىءٍ فَريدٍ مِن نَوعِه" .

وَيَدى طَفقت  تُسطرُ حَنايا صَدرِى بِكَلِماتِ الضَادِ الحَنونةِ..

وَابتسامة صَبية مُمتنة حَامت فَوقَ مَلامحِى ..

وَالنهايةُ مَفتوحةُ أبوابها .. حيثُ يُعد حُلمى العجيب ذاكَ؛ مُجرد البداية!.

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز