عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الكتاب الذهبي
البنك الأهلي

غـربــــــــــة

رسم: هبة عنايت
رسم: هبة عنايت

كان طفلًا مميزًا ليس كغيره هادئ، حكيم، وشديد الذكاء، كان هدوؤه صخبًا فى داخله، كان يفكر فى كل شىء وأى شىء، وكان الأب منهمكًا فى عمله خارج البلاد يعود إلى الوطن شهرًا واحدًا كل ثلاثة أعوام، وكان لا يعود إلى البيت إلا منهكًا ولا يتواجد فيه إلا نائمًا لذا لم يعرف عادل معنى الأب ودوره فى الأسرة من خلال أسرته؛ بل علمه من خلال أقرانه كما كان يتابع بشغف حكايات زملائه فى المَدرسة مع آبائهم، والأوقات اللطيفة التي يقضونها سويًا والهدايا العديدة التي يتلقونها منهم بمناسبة ومن غير مناسبة والتي فى أغلبها هدايا بسيطة لكن السعادة التي تتركها فى نفوس الصغار أكبر من أن توصف.



وفى إحدى إجازات الأب التي جاءت بالتزامن مع إجازة عادل بعد أول عام دراسى له أراد يومًا ببراءة الأطفال أن يلعب دوره كطفل وأن يتقرب من أبيه الذي يحبه أكثر من نفسه ويلهو بلطف بجانبه وهو نائم لإيقاظه صباحًا بمرح الطفل كما يفعل أقرانه بالمدرسة مع آبائهم؛ ليفاجَأ برد فعل الأب الذي نهره وعنّفه بشدة. ولم يعلم عادل حتى الآن ما الذي أغضب الأب لهذا الحد، لكنه يعلم جيدًا شعوره آنذاك ولا يزال يذكره بكل تفاصيله شعور الخيبة والندم ممتزجان ويا مرارة هذا المزيج.

نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021
نقلًا من الكتاب الذهبي عدد يوليو 2021

 

وفى إجازة الأب التالية ذهب عادل لغرفة والده وطرَق الباب وعندما دخل ووقف أمامه مبتسمًا فرحًا قال له:

لو سمحت يا بابا عايز 50 جنيه أشترى كتاب و 100 جنيه فلوس الدرس.

وكانت الابتسامة تتلاشى مع كل كلمة تخرج من بين شفتيه حتى زالت تمامًا أمام وجه الأب العابس وصوته وهو ينهره ويقول:

 قول لماما، وأنا مالى بالحاجات دى. 

كان حضن الأب الدافئ الذي كان يحلم به ويتمناه فى طفولته المبكرة قد صار سرابًا منذ زمن وكان كل أمله فى الحياة فى تلك الليلة هو حديث مطوّل أو حتى قصير بين الأب وابنه، وأن تلمس يداه 50 جنيهًا فارقت للتو دفء راحة كف أبيه، لكن شعور الخيبة والندم الممتزجان عاد ليقتل محاولات عادل البائسة فاستسلم للأمر الواقع وعاش يتيمًا.

وبعد مرور أعوام لم يهتم عادل، بعدها استيقظ الأب بعد فترة أسابيع قضاها فى النوم الذي تقطعه بضع ساعات للأكل. استيقظ وكله حماس ليمارس دوره كأب وزوج ورب أسرة بعدما اكتفى بما كوّن من ثروة وقرّر التقاعد.

  استيقظ ليجد نفسه غريبًا لا أحد يحبه، لا أحد يعرفه ولا هو يعرف أيًا منهم، ثار على تلك الحقيقة المُرّة التي اكتشفها للتو فصار يغضب وينهر من أجل إنهاء هذا الشعور البغيض بداخله، وكلما كان يغضب كانت تتسع المسافة بين الطرفين، وكلما كان ينهر كانوا يتفادونه أكثر حتى صارت المسافة بينه وبينهم هوة كبيرة لا يدرك أحد مداها، وكانوا فى كثير من الأحيان ينفذون أوامره على غير رضًا منهم؛ فقط ليتفادوا غضبه وأذاه الذي كان يصل فى بعض الأحيان إلى حد الإيذاء الجسدى. وكل يوم على هذا المنوال منه ومنهم حتى تحطم آخر ما تبقى من تمثال الأب الذي قد صنعه وهو صغير مع كل هذا الكم من الشتائم والإساءات التي مع كل الأسف كانت موجّهة منه إليهم.

ومع مرور الوقت باءت كل محاولات الأب الغاضبة الصاخبة بالفشل وأُنهك  فراجع نفسه بصدق لأول مَرّة فى حياته ليكتشف خطأه ويعلم أنه يحصد ما زرعه  فقرّر التصالح، قرّر أن يكون أبًا لأول مَرّة فى حياته أن يعطف ويحنو ويجلس مع عادل جلسة أب وابنه كما كان يتمنى عادل على مَرّ السنين، وبالفعل طلب عادل وجلسا سويًا وبعد فترة صمت مرّت طويلة ومملة على عادل سأل الأب عن سبب غربته بينهم، وظل يطرح الأسئلة ويحكى بينما كان عادل منشغلًا بهاتفه الذكى ولم يسمع جل ما قاله حتى انتبه على صوته وهو يقول مَهما كان عظم ما فعلته دعنا نفتح صفحة جديدة.

لم يلتفت له عادل لكنه قال بصوت خافت ممزوج بالألم وقهر السنين: فات الأوان. 

واستكمل الأب:

كيف أصبحت هكذا؟ كنت طفلًا نبيلًا غاية فى الظرف والحكمة والحيوية، كنت تكن لى الكثير من الحب؛ أليس كذلك؟ أين ذهب ذاك الشخص؟ كيف تبدلت هكذا؟ 

وقف عادل وكسر صمته أخيرًا بقوله: ألا تدرى أين ذهب ذاك الطفل؟ انظر للدماء التي تقطر من بين يديك. 

وتركه ورحل. 

وفى الليلة نفسها جمعت الأم أبناءها لتخبرهم برغبتها فى الطلاق من والدهم فلم تعد تحتمل هذه الحياة ولن تقبل الإهانة بعد اليوم، والغريب أن الأبناء تلقوا الخبر بترحاب شديد على غير عادة الأبناء فى مثل هذه المواقف، وتم الطلاق ومن بعده عاشت الأم وسط أبنائها وأحبائها معتزة بما تبقى من كرامتها التي كادت أن تطحن فى زيجة أفنت فيها عمرها فقط من أجل أبنائها.

أمّا الأبُ فقد عاش وحيدًا مع أن أبنائه  كانوا يتبادلون زيارته ويتابعون حالته الصحية مع أطبائه وكان يجدهم كلما احتاجهم، لكن كل هذا كان من باب الواجب وفقط دون أى ذَرّة حُب أو مشاعر منهم. وبالرغم من الثروة الكبيرة التي كان يمتلكها فقد قضى ما بقى من عمره حزينًا نادمًا حتى وفاته. 

وفى عزائه لم يبكه أحدٌ، وكذلك لم يقصّر معه أحدٌ حتى عادل قام بواجبه على أكمل وجه فيما يخص مراسم الجنازة والدفن والعزاء وتخصيص أموال طائلة من ثروته للصدقات الجارية باسمه بعد ما حرم على نفسه ميراثه منه بالكامل. ومع أنه لم يحزن عليه قَط لكن حزنه على عدم حزنه عليه كان كبيرًا، وقلبه النابض بالحب والكره معًا لأبيه كان يعتصر ألمًا، ووخزة الضمير ظلت تطارده بين الحين والآخر، فقد كان يتمنى أن تجرى الأمور على عكس ما جرت من البداية وأن تأتى الأشياء فى عز الاحتياج الجارف إليها لا بعد فوات الأوان؛ لذا لم يسامحه أبدًا كما لم يسامح من ابتدع فكرة غربة رب الأسرة فى عمله داخل البلاد أو خارجها وغربة كل فرد فى الأسرة داخل نفسه.

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز