عاجل
الأربعاء 8 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

حكاية القيروان

د. إبراهيم محمد مرجونة
د. إبراهيم محمد مرجونة

 يحد مدينة "كيروان" أو القيروان التونسية، من الجهة الشماليّة مدينة سيلاتة، ومن الجنوب قفصة، ومن الشرق القصرين، ومن الغرب سوسة، ومن الشمال الغربي نابل، ومن الشمال الشرقيّ الكاف. 



وتبلغ المسافة التي تفصلها عن العاصمة التونسيّة تونس ما يقارب 160 كيلو متراً، وتعتبر موقع تراث عالميّاً تابع لـ "اليونيسكو".

 

وتجسد مدينة القيروان التونسية بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي، وتعد من أهم المدن الإسلامية بعد الكوفة والبصرة.

 

وتعد معالم القيروان جزءا من التراث العالمي المحمي من منظمة اليونسكو، وعلى رأسها الجامع الكبير أو جامع عقبة بن نافع وفسقيّة الأغالبة، والمدينة العتيقة، وسور القيروان، ومعالم دينيّة أخرى منها مسجد الأنصاري الذي بني قبل بناء جامع عقبة بن نافع الكبير.

 

وتزدان القيروان في المواسم والأعياد الإسلامية لتصبح قبلة الزوار والسياح من تونس والدول الإسلامية، ومحطة ترحال طالبي العلم ومطالعي صفحات التاريخ الحية، التي تشهد بعظمة الحضارة الإنسانية في أحد أهم فصولها بتونس.

 

ويحيي أهالي القيروان التونسية شهر الصيام وعاداته، فيعدون العولة قبله، ويخزنون التوابل والكسكسي بأنواعه، والمحمصة (حبيبات تحضر مثل الكسكسي من الدقيق، إلا أنها تكون أكبر حجماً) بأنواعها، ويجهزون أوانيهم النحاسية التي تحملها العرائس إلى بيوتهن كجهاز أساسي.

 

ويستقبل القيروانيون الشهر الكريم بضربات المدفع العثماني الذي لا يزال مستقراً في مكانه الأول، أعلى برج سور المدينة العتيقة العربي، فيطلق حشو البارود في سمائها معلناً وقت الإفطار والإمساك، رغم أن المدفع منع بمحافظات تونس كلها في فترة ما، استثنيت منها عاصمة الأغالبة.

 

وتعمر ساحات مدينة القيروان، وعلى رأسها ساحة أبي زمعة البلوي، وساحة أولاد فرحان وباب الجلادين بالزوار والمرتادين بعد الإفطار.

 

وللقيروان أكثر من طعم لذيذ ورائحة مبهجة في شهر الصيام، إذ تفوح من دكاكينها وبيوتها عطور الحلويات والأطباق القيروانية الشهية، وعلى رأسها "المقروض" القيرواني، سيّد أكلات رمضان الحلوة.

 

واقترن طعم المقروض الشهي بروائح البخور العبق في الأزقة العربية الضيقة بمدينة عقبة، وعلى غرارها كل "المدن العربي" (أغلب محافظات تونس إن لم تكن كلها تتوسطها مدن أسست على يد العرب الفاتحين في فترات زمنية متلاحقة) في تونس.

 

وبخلاف المقروض منتج القيروان الأصلي الذي تصدره للأسواق الأوروبية وعبر العالم، تعدّ العائلات القيروانية صنوفا أخرى من الحلويّات التقليدية على رأسها "الغريبة" و"الصمصة" التقليدية المعدة من العجائن، و"كعك الورقة" و"البقلاوة" و"القطايف" وهي حلويات مشرقية الأصل، وتعطرها بالزهور العطريّة التي تنتجها تونس وتصدرها لكبريات منازل العطور عبر العالم.

 

أما عن المحدثون وفقهاء : كانت التجارة في القيروان رابحة والسلع فيها متوافرة، ولذلك أمّها كبار التجار من المشرق والمغرب وكثير منهم من المحدّثين والفقهاء، فكان ذلك عاملاً مهمًّا في ازدهار الحياة العلمية بالقيروان.

 

وممّا أسهم في ثراء الحياة العلمية كون القيروان آنذاك هي العاصمة السياسية، ذلك أنّه كلما جاء أمير جديد اصطحب معه مجموعة من العلماء والأدباء، كما أن كثيراً من المحدثين والفقهاء وفدوا إلى العاصمة الإفريقية ضمن الجيوش القادمة من المشرق، التي استمر مجيئها إلى بعض منتصف القرن الثاني، بالإضافة إلى من كان يقصد الأمراء للمدح والتسلية من أهل الشعر والأدب.

 

القيروان اكتسبت نوعاً من الاحترام والتعظيم باعتبارها البلد الذي أسسه صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي آخر ما دخلوه الصحابة من بلاد المغرب. وقامت القيروان بدور كبير في فتح شمال إفريقيا كله والأندلس.

 

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية 

ورئيس قسم التاريخ- كلية الآداب