عاجل
الأربعاء 8 ديسمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

د. علي موسى الموسوي يكتب: عراق التسامح والمحبة

د. علي موسى الموسوي
د. علي موسى الموسوي

أجرى معي الشاعر والإعلامي المالي، عبد الله درامي، حواراً منذ أيام بدأه بسؤال عن ماذا تعني ثقافة التعايش، فقلت إنها كل الصفات والقيم الأخلاقية التي تمكن الإنسان من التعايش مع غيره، رغم الاختلافات على مستوى الآراء أو المذاهب أو المعتقدات، وهي تحيلنا إلى التسامح، وهو أن تؤمن بحق الآخر في التعبير عن آرائه وقناعاته حتى إن خالفت قناعاتك وآراءك، وأن تحترم رأي الآخر ومعتقده على اعتبار أنه يمثل جانباً من جوانب الحقيقة، وهذا جزء من واجبك الأخلاقي. 



وبثقافة التسامح يمكننا مواجهة التراجع الملحوظ في قدرة الأنا على قبول الآخر، وكف ثقافة الوصاية الدينية والعقدية والفكرية والأخلاقية على الآخرين، إنها دعوة لإشاعة الأخوة الإنسانية من أجل الحد من الصراعات والنزاعات، فمن حق الإنسان في نهاية الأمر أن يعيش في أمن وسلام. 

ومرد ذلك أن التسامح فضيلة مرتبطة بالجهد المبذول لخلق فضاء من الآلفة والقبول للآخر، وفي حالة إذا ما عجزت الذات عن قبول الآخر فعلى الأقل تناقشه وفق أسس أخلاقية تحول دون شيوع الكراهية والعنصرية والاضطهاد. 

وظاهرة التنافر المتنامية بين العالمين الغربي والإسلامي يقف خلفها متشددون غربيون وأشباههم في بلاد المسلمين، وعلينا أن نقر بأن الصراع أو التدافع بلغة القرآن الكريم سنة من سنن الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين).

لكن الخطير أن الصراع والتدافع لم يعد لأجل التنافسية البناءة التكاملية التي تساهم في إعمار الأرض وفي النهوض بالحياة العامة للإنسان، بل أصبحت ثقافة للإقصاء والكراهية ونبذ الآخر، كما لو كانت المحرك الأساسي للسلوك الإنساني. 

والتنافر كان من تداعياته الأحداث الإرهابية التي ارتكبت باسم الدين أو باسم العرق، إلى جانب هيمنة لغة المصالح السياسية والاقتصادية وتوظيف الدين والانتماء كسلاح لتأجيج الصراعات، وظهر ما يعرف بأيديولوجية "الإسلاموفوبيا" و"الغرب الكافر"، وغيرها من الأيديولوجيات التي مست سلامة المجتمع الدولي. 

لهذا نحن مدعوون لإحياء سنة التراحم بين البشر من خلال الإنصات لصوت الفطرة السليمة النقية، التي تتوافق ومبدأ الرحمة الذي قامت عليه كل الأديان، فالله سبحانه وتعالى كتب على نفسه الرحمة.

ثم إن صلاح البشرية رهين بشيوع قيم السلام وبإحلال ثقافة التعايش والحب، عوضاً عن ثقافة القتل والاضطهاد، يقول عز وجل: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة).

وفي الوثيقة النبوية بالمدينة المنورة نداء شامل إلى شراكة منطقية تحفظ للجميع حقوقهم، والمتطرف لا يقاطع التراث الديني، وإنما يوظفه لتبرير مواقفه. 

والمفارقة هنا أن الجماعات المتشددة التي تراهن على الشباب، ترفع شعار بعث دولة النبوة، وأن دستورها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لكن حرصهم على تبرير نزعتهم العدوانية أسقطتهم في فشل ذريع عجزوا معه عن الكشف عن إنسانية التجربة النبوية التي وصلت السياسة بمبادئ الإسلام السمحة.

والتحريض على العنف والكراهية لا يمثل الإسلام بحال من الأحوال، يقول سبحانه وتعالى في سورة الأنعام (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبون الله عدوا بغير علم)، وفي الحديث رواه أبو داود بسند صحيح يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه بغير طيب نفس أنا حجيجه يوم القيامة. 

ومن ثم فلا مجال للاعتداء على الآخر باسم الدين، الكل تحت رحمة الله، يقول سبحانه وتعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً).

إنه قانون إلهي، التنوع والتعدد لأجل البناء الحضاري، كما أن التدافع  بين القوى والأيديولوجيات شرط من شروط قيام الحضارة الإنسانية، ولهذا مطلوب منا أن نضاعف الجهود لأجل تنزيل قيم الخير وقبول الآخر، لأنها وحدها الكفيلة بمساعدتنا على صون وحماية كرامة الإنسان.

وفي موطني العراق يتعرض البلد ولا يزال لإبادة حضارية، بلدي حمل الحضارة لكل الأمة العربية- الإسلامية، ليكون اليوم خارج المنظومة الحضارية. 

العراق يحتضر ويأبى الاستسلام، بل لا يزال في كل محنة يذكر العالم بأنه مركز الثقافة والحضارة والتاريخ شاهد، لقد تناوبت عليه كل أشكال التطرف: الطائفية البغيضة، داعش وجنونها الدموي، لكنك تلمح في كل مكان الفلسفة والعلم والثقافة في أرقى تجلياتها، تلمح نخوة العراقي الممزوجة بقيم التسامح والحب والانفتاح على الآخر.