عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

الثُعبان بيدا وأمطارِ الذَهب

شعوب غرب افريقيا
شعوب غرب افريقيا

يعتقد السُكانُ في مملكة غانا القديمة على غرار غيرهم من شعوب في الغرب الإفريقي، أن الذهب من المعادن الثمينة ذات القداسة، كما يُعدُ في اعتقادهم الديني بأنه من الأملاك الخاصة بالآلهة والأرباب. 



وكذلـك فإنه من خلال ذات المنظور الأيديولوجي المتأصل لدى الشعوب والقبائل في منطقة غرب إفريقيا، فإن الذهب يُعتبر الأخ الأصغر للنحاس، ومن المرجح أنه نظرًا لوفرة الذهب أكثر من غيره من المعادن في بلادهم، كانوا يجعلونه رغم قيمته في مرتبة أدنى من النحاس. 

 

 

بينما تؤمن بعضُ القبائل الأخرى في غرب إفريقيا بأن الذهب يبدو في صورة ميثولوجية أخرى، فيُمثَل في هيئة كائن حي، ويُعتقد أن حيوانًا وحشيًا يسكن جوف الأرض يتغذى على الدماء، وهو يفرز مادة الذهب من جسده. 

 

 

ومن المعتقد أن تلك "الفكرة غير بعيدة عن ذات الفكرة الميثولوجية التي تصورهـا أُسطورة "الثُعبان المقدس بيدا وأمطار الذهب". 

 

 

ويبدو ذلـك التصور فريدًا من نوعه من حيث قدُرة الشعوب الإفريقية على ابتكار أنماط من التصورات الميثولوجية المتنوعة التي تتلاءم مع ثقافتهم، ورؤيتهم حول أصل الذهب، وارتباط ذلـك ببعض الحيوانات كـ"الثعبان المقدس" أو الحية، وهي "الكائنات الحامية" التي يعتقدون أنها السبب في ظهور المعدن النفيس (أي: الذهب) في جوف الأرض، ومن ثم فإنهم أظهروا لهـا مزيدًا من الاحترام والتقديس.

 

 

وتُعد حكاية "الثعبان المقدس (بيدا) وأمطار الذهب" من أشهر تلك الروايات الشعبية ذات الطابع الميثولوجي (الأسطوري) الواضح، والتي ذاعت في العديد من بلاد وممالك غرب إفريقيـا القديمة، ومن ثم فقد كان لها أثر شعبي واسع، لا سيما في تاريخ "مملكة غانة" القديمة، أكثر من غيرها من ممالك الغرب الإفريقي الأخرى. 

 

 

ويرجح أن تلك الرواية الشفاهية، أو الحكاية الأُسطورية، ترجع في الغالب زمنيًا إلى الحقبة الوثنية لمملكة غانة، وعلى هذا ترتبط بشكلٍ أو بآخر بالبدايات المُبكرة لتأسيس مملكة غانة قبل دخول الإسلام إلى هذه البلاد، فقد جعل سكان غـانة الوثنيون ثعبانًا يقال له "وجادو" (وَجَدو) Ouagadou حاميًا وحارسًا لبلادهم.

 

 

وقيل: كان اسم الثعبان المقدس: "بيدا" Bida، ولعل هذا الاسم الأخير هو الأكثر ذيوعًا في الروايات الإفريقية المحلية في غرب القارة السمراء، ويُشير اسم "بيدا" (وجادو) بـ"السوننكية" إلى إحدى الأرواح التي اتخذت شكل ثُعبان عملاق"، وهو ذات الثعبان الذي تتحدث عنه تلك الأسطورة التي نحن بصددهـا، وربما ترتبط الأُسطورة بإحدى الممالـك المحلية القديمة التي تأسست في آرضي غانة منذ القدم. 

 

 

ويذهب البعضُ إلى أنه من خلال تحليل روايات هذه الأسطورة المحلية، فإنها في الغالب لا تقوم على أساسٍ تاريخي، كما يرى البعض، وهو مما لا يتفقُ معه الباحثُ، حيث إن الأسطورة كان لهـا على الراجح أصلٌ تاريخي. 

 

 

وتذكر إحدى الروايات أن الثعبان (بيدا) كان ابنًا لأحد الزعماء المحليين، أنجبه أبوه من ابنة أحد الجان، وهو دونما ريب تصورٌ غريب، حيث تجعل الأسطورة أصل الثعبان مزيجًا من زواج بشري وجني. 

 

 

والثُعبان المقدس "بيدا" يكتبه السكان المحليون بـ"لغة البامبارا "Bambara و"المالنكي" Malinke باسم (باجانا) Bagana، وكذلـك يطلق عليه (باكونو) Bakunu. 

 

 

ويرى الباحثُ أنه ربما يوجد ربطٌ بشكلٍ أو بآخر بين اسم الثعبان "وجادو" Ouagadou واسم "وجادوجو" Ouagadougou. 

 

 

كما يحمل الثُعبان اسم المملكة المحلية الصغيرة التي اشتُهرت بـ"مملكة وجادو" (أو وجَدو) Royaume de Ouagadou. 

 

 

وبحسب بعض الروايات المحلية، فإن اسم الثُعبان المقدس "بيدا"Bida أو (وجادو) يعني باللغة المحلية: (الأرض ذات القطعان الكبيرة)، وقد يُشير ذلـك فيما يرى الباحثُ، إلى ضخامة ذلـك الثعبان. 

 

 

ويُشير البعضُ إلى أن متون تلك الأسطورة (الثعبان بيدا) كانت عديدة، ومتنوعة، وأنهـا قد تصل لحوالي سبع عشرة رواية. 

 

 

وقد كان لمدينة كومبي أو كومبي صالح، التي تقع الآن في أراضي دولة موريتانيا، ظهور واضح في روايات وحكايات التراث الشفاهي الغاني القديم، لا سيما أنها كانت العاصمة القديمة لهذه المملكة، وربما كانت مدينة الملك التي أشار إليها البكري في روايته المعروفة. 

 

 

وتذكر إحدى روايات التراث الشفاهي أن المؤسس الأول لمدينة "كومبي صالح" Kumbi، وهي عاصمة غانة القديمة، كان قد وصل إلى ذات الموضع الذي أقيمت عليه تلك المدينة، حيث كانت توجد بها بئرٌ ثم دخل إلى أحد المواضع وكان معه حارس خاص لهذه المنطقة، ومن اللافت أن ذلـك الحارس هو ذاته الثعبان "بيدا".

 

 

وربما يُشير ذلك بشكلٍ أو بآخر إلى الأصل الأول لهذا "الثُعبان الحامي" بحسب "التراث الشفاهي" لدى شعب غانة القديمة، وتذكر بعضُ الروايات أن "المؤسس الأول" لمدينة "كومبي" كان يُدعى "الملك دينا".

 

 

واختُلف في أصل هذا الملك، وعلى أي حال كان الثعبان "بيدا" (وجادو) يُعتبر حاميًا لتخوم "مملكة وجادوا"، وكذلـك كان "بيدا" حاميًا للأسرة الحاكمة، التي كانت تشتهر باسم أسرة سيسي" Cisse.

 

 

وتذكر ميثولوجية التراث الشفاهي الغاني (لشعب السوننك) أن تلك الحماية كانت في مقابل أن يقدموا له "قربانًا" أو "أُضحية" Hoocauste في كل سنة. 

 

 

وقد كان الثعبان "بيدا" يسكن في إحدى الآبار بحسب بعض الروايات المحلية. 

 

 

وتذكر الأُسطورة أن الثعبان المقدس كان قد خرج في يوم من الأيام من البئر، لكنه عاد مرة أخرى إلى موضعه بسبب كثرة الحشود، حيث تقول: "رجع بيدا (الثعبان) إلى بئره إثر الصخب الذي احتله القائمون، ووقف العقاب (وهو حيوان الرخمة) فوق شجر التين التي تتقاطع بالقرب من البئر".

 

 

وتشير إحدى روايات التراث الشفاهي لشعب "السوننكي" إلى ذلك القربان المقدس، الذي كان يتم تقديمه للثعبان "بيدا" عبارة عن فتاة بكر (عذراء)، وكان هذا القربان يتسم بشيء من الغرابة، حيث كان يجب أن يكون واحدة من أجمل الفتيات اللاتي يقطن المملكة. 

 

 

ولا شك أن الغاية المرجوة من تقديم هذا القربان أن يحصل شعب غانة على رضاء هذا الثعبان المقدس، وأن يقدم لهم الحماية من أي شر بحسب التقاليد المحلية، ومن ثمة كان هذا القربان الغريب يقدم للثعبان بيدا خلال مواسم الأعياد التي كانت تبدأ مع بدايات موسم الأمطار.

 

 

وكان سكان مملكة وجدو يعتقدون أن الاستقرار والازدهـار الذي حل في بلادهم كان بفضل "بيدا"، بينما تذكر إحدى روايات التراث الشفاهي الأُخرى أنه كان يوجد شرطٌ آخر بجانب دور "الثعبان المقدس" في سقوط الأمطار على هذه البلاد، وهو أن يمد الثعبان أهل غانة بالذهب في مقابل أن يلتزم سكان تلك البلاد بتقديم القربان المقدس له في كل سنة. 

 

 

وقد يعني هذا أن الذهب كان موجودًا في مملكة غانة قبل مقتل الثعبان "بيدا"، على غير ما تذكره الرواية المشهورة لتلك الحكاية، والتي يُفهم منهـا أن وجود معدن الذهب في أرض غانة يرتبط بمقتل الثعبان المقدس، وهو الأمر الذي يحتاج مزيدًا من الدراسة لفك طلاسمه، وإماطة اللثام عن العديد من التناقضات الواضحة بين الروايات المتباينة حول "أسطورة بيدا وأمطار الذهب". 

 

 

بينما تحكي رواية شفاهية أخرى من جانبٍ آخر، عن شروط ذلك الاتفاق الثنائي فيما يخص "القربان"، وحسب شروط الاتفاق مع بيدا (الثعبـان) يتلقى هذا في عيد الفصح على طول الأعوام عذراء شابة تحية له.

 

 

ولاختيار الضحية كانت السبع عذراوات الأكثر جمالًا يجتمعن في عيد الفصح السابق على الأُضحية في وجدو (أي: مملكة وجادو) حيث يلعبن.. ولكل منهن شريك هو حبيبهـا، وتُختار الأولى التي تخسر في اللعبة كأضحية، وفي اليوم المحدد يتجمع الشعب حول البئر وتكون العذراء في الصف الأول، وفي الخلف منهـا وعلى بعد خطوات يأخذ المانجـا مكانه، والملوك الأربعة والآخرون".

 

 

متخصص في التاريخ والتراث الإفريقي  

 

 

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز