عاجل
الخميس 19 مايو 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
البنك الأهلي

دلالات ورمزية "الأقنعة الإفريقية"

د. إبراهيم محمد مرجونة
د. إبراهيم محمد مرجونة

المعنى الحرفي للرمز في اللغة يعنى الإشارة أو الإيماءة أو العلامة، والإشارة قد تكون بالعين أو اليد أو غيرهما.



كما يرى الإنسان رموزًا في الأحلام لكنها تأخذ أبعادًا أخرى في التفسير، وتحدث بشكل عفوي من خلال العقل الباطن، وتعكس العلاقات المتداخلة بين ما هو داخل الإنسان وخارجه. 

 

 

وقد تأخذ تفسيرات معانيها ودلالاتها خصوصية مع لكل إنسان وفقًا لعالمه الخارجي والداخلي، وتفتح الرموز المجال أمام الخيال والفضول والرغبة في الاستكـشاف، وكما يقول كارل جوستاف يونج Carl Gustav Jung- "الصورة تصبح رمزية عندما يكون معناها كامنا خلف السطح وخلف الظاهر، وموجودًا بعيدًا عن المتناول المباشر للعقل".

 

 

والحياة حولنا مليئة بالعلامات والرموز، وللرموز مجالًا أكبر وأرحب وأعمق من العلامات لأنها تستدعي انطباعاتنا الخاصة، سواء من خلال الأفكار أو الخيال أو حتى الحلم.

 

 

لكن العلامات تقع في حيز الإدراك المباشر للعقل، وعلاقة الرموز بالفنون منذ الرسوم الأولى على جدران الكهوف ركيزة الإبداع، ومنها يستقي الفنان عالمه الخاص وأشكال عناصره في أعماله الفنية، وقد يتكون الشكل من خطوط أو ألوان أو تكوين ما، هندسيًا كان أم طبيعيًا، أو هندسيًا في الطبيعة.

 

 

وتذكر أميمة سعودي- في حديثها عن الفن الإفريقي- أن الأقنعة تعد أحد مفردات الثقافة الإفريقية بأجوائها الطقسية ورموزها التي تحمل تراكمًا هائلًا من المعتقدات والعادات والحكايا عن القارة السمراء.

 

 

وكلمة "قناع" في العربية من الفعل "تَقنّع"، أي وضع قناعًا على وجهه لإخفاء حقيقته أو إعطائه هوية غير هويته، وتشكل الأقنعة نوعًا فريدًا من الفنون، والقناع الإفريقي موجود منذ قديم الزمان، أي منذ قرابة القرن الخامس أو السادس قبل الميلاد، وقد حظيت الأقنعة الإفريقية بالاعتراف الدولي بجمالها كقطع فنية.

 

 

وللقناع الإفريقي (أو النحت الزنجي عمومًا) الفضل في تطوُّر الكثير من الفنون الحديثة، وهو فن رمزي يحاول الفنان من خلاله أن يتقمص أرواح الأجداد وإبراز الأفكار والنصائح القديمة، وبثها للأجيال المتلاحقة، ومنذ آلاف السنين قبل الميلاد كانت البدايات مع فنون الكهوف، في "تاسيلي" و"أكاكوس" والمناطق الجبلية، حيث كانت تقطنها التجمعات البشرية، وتلك الجماعات كانت معروفة بوجودها وحرفها التي خلفوا منها الكثير، وتتبدى في أنحاء القارة في عدد كبير من المنحوتات والتماثيل والرسوم المصورة على الجدران أو الصخور المستوية، ويعود أقدم ما عثر عليه منها في إفريقيا المدارية إلى القرن الثالث الميلادي، حيث عثر في بعض مكامن القصدير الحالية في نيجيريا على بعض الأدوات الفنية، وعلى أجزاء متنوعة من التيجان والتماثيل والمقاعد الحجرية التي تعود إلى حضارة نوك.

 

 

كما عثر في الجنوب الغربي من نيجيريا على بعض المقاعد المصنوعة من الكوارتزيت والتماثيل الحجرية وبعض الأدوات البرونزية التي تعود إلى ما بين القرنين الثامن والعاشر للميلاد، واكتشفت على الضفة اليسرى من نهر النيجر وفي شمالي إفريقيا آثار حضارية كثيرة، مثل التماثيل المصنوعة من الطين المشوي التي تشبه التماثيل المكتشفة في مناطق غربي إفريقيا، وأكثر الآثار والمخلفات القديمة المعروفة حتى اليوم في إفريقيا هي التماثيل والآثار المحفورة على الخشب، أو المنحوتة في الحجر، أو الفخاريات المعروفة في غربي القارة خاصة، وكان الفنانون يختارون أشجارًا بعينها، وينتزعون لحاءها قبل الحفر عليها، ويستعملون لذلك أدوات متنوعة الأحجام والقياسات والأشكال.

 

 

ومع أن الطقوس الفطرية البدائية بالأقنعة أخذت في الزوال نتيجة الاستعمار، ونتيجة للاندماج مع الثقافات الأخرى، وأفسحت المجال للأساليب العصرية في النحت والرقص والموسيقي، إلا أن الأقنعة الإفريقية لا تزال تؤكد الهوية الثقافية للقارة، فهي واحدة من أهم الفنون المتوارثة، ومن وقت لآخر تعاود الأقنعة في الظهور في الكرنفالات والمناسبات الخاصة، مثل استقبال كبار الزوار والمناسبات العامة، منها احتفالات الزواج والمآتم والأفراح وبعض الاحتفالات الرسمية.

 

 

والقارة السمراء لها مع الأقنعة حدوتة تحكى، فالقبائل القديمة عرفت الأقنعة وصنعتها واعتبرتها واحدة من الفنون التي ترمز لها منذ عصور سحيقة، وتعتبرها فنًا من الفنون التشكيلية بلغة العصر الحديث، وتتسارع القبائل المختلفة المذاهب والأعراف في إبداع الأقنعة ذات المغزى والمعنى الخاص بالقبيلة ذاتها، فالأقنعة الإفريقية هي نتاج مزيج من ثقافات الفنون والسحر والمذاهب المختلفة، وأيضًا المناسبات التي تمتد على مدار العام، فهناك أقنعة تعكس موسم الحصاد ومواسم الزواج، ومراسم دفن الموتى، وأخرى تعكس بدء الحروب بارتداء الأقنعة ودق الطبول بعنف لإخافة الخصم الذي بدوره يرتدي أقنعة خاصة به.

 

 

ويعد ارتباط القناع بالمسرح ارتباطًا قديمًا، إذ كان أحد عناصر العروض الدرامية الإغريقية التراجيدية قبل الميلاد، فكان القناع يزيد من مهابة الشخصيات ذات الرفعة، بينما في الكوميديا يضخّم الصفات التي يراد الضحك والسخرية منها، واستمر استخدام القناع في الكوميديا التي تطورت في إيطاليا، أما في آسيا فقد ظل وما يزال القناع يلعب دورًا مؤثرًا في الأنشطة الدينية والعروض الفنية، وفي المسرح الأوروبي الحديث أعيد استخدام القناع في العروض المناهضة للواقعية، ويتم استخدامه في الدول الغربية لنفي هوية الممثل أو لعمل إبهار بصري لإثارة الخوف أو الضحك، أو لكسر الإيهام الواقعي.

 

 

استاذ التاريخ والحضارة الإسلامية 

ورئيس قسم التاريخ- كلية الآداب

 

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز