عاجل
الأربعاء 5 أكتوبر 2022
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
cop27
باقي علي مؤتمر المناخ في مصر
  • يوم
  • ساعة
  • دقيقة
  • ثانية
البنك الأهلي

الرقص وصناعة الهوية الإفريقية

د. إبراهيم محمد مرجونة
د. إبراهيم محمد مرجونة

ثقافة إفريقيا متنوعة ومتعددة، وتتكون من مزيج من القبائل التي لدى كل منها خصائصها الفريدة، وهي نتيجة تنوع السكان الذين يعيشون اليوم في قارة إفريقيا والشتات الإفريقي. 



وتظهر الثقافة الإفريقية في فنون إفريقيا وحرفها وفي المأثورات الشعبية، والدين والأزياء، وأسلوب الطبخ والموسيقى واللغة.

 

"الرقص فى إفريقيا هو بداية كل شىء».. مقولة شهيرة للزعيم السنغالى التاريخى ليوبولد سنغور.

 

والرقص صانع الهوية على مدى تاريخ القارة السمراء، وكان أهم مكونات الحياة الروحية والاجتماعية لدى قبائل إفريقيا، جنوبي الصحراء الكبرى. 

 

وهناك رقصات للحرب وأخرى للسلام، رقصات لحفلات الزفاف وأخرى جنائزية، رقصات للحصاد وأخرى لاستقبال المطر، وثالثة عند فيضان الأنهار، ويدخل الرقص في كافة تفاصيل الحياة، وبذلك يصبح أبرز عناصر هوية الإفريقي. 

 

كما أن لكل قبيلة منطقة خاصة، ووشم يميز أفرادها، ولهجة خاصة، فإن لها رقصة خاصة أو أسلوبًا فريدًا في الرقص، أنه جزء من تقاليد القبيلة وأعرافها وتاريخها الخاص. 

 

وتعرف القارة السمراء آلاف الرقصات، الجميع يرقصون في كل قرية إفريقية، يتعلم الأطفال الرقص بمجرد قدرتهم على الحركة، لأنهم يعيشون في مجتمع راقص.  

 

وعلى الرغم من اختلاف الرقصات على مستوى القرى والقبائل، هناك رقصات إقليمية تنتشر على نطاق واسع نسببًا، وأهمها رقصة "شاكاوشاكو" في نيجيريا،  وهي من الرقصات سهلة الحركات، وتحتاج إلى الكثير من حركات اليدين والقدمين، ويشبه الراقص في حركاته شخصًا ثملًا يترنح. 

 

وقاومت تلك الرقصات الزمن وعوامل الضغط الثقافي الأوروبي، وعادة ما يؤديها مجموعة من الأصدقاء في الشوارع في الوقت الراهن، كما أنها انتشرت إلى حد كبير في الأمريكتين في النصف الثاني من القرن العشرين، ورقصة شكاوشاكو أشهر الرقصات الكينية في الوقت الراهن.

 

ورقصة "أودي" استلهمها مبشر وفنان مسيحي من الرقصات الإفريقية، بهدف استقطاب الشباب للمسيحية، ودعوتهم للرقص داخل الكنسية، فتحولت بعد ذلك إلى رقصة شعبية في أنحاء كينيا، واشتهرت في أنحاء إفريقيا، ولقد اشتهرت رقصة "جوارا جوارا" الجنوب إفريقية عالميًا منذ عام 2018، وهي إحدى رقصات قبائل الزولو التي تعتمد على أرجحة اليدين والقدمين، ورفع أحد القدمين إلى أعلى بقوة كبيرة. 

 

واستخدم بعض كبار المطربين العالميين هذه الرقصة كخلفية لأغانيهم، ومن بينهم المطربة "ريحانة"، ومن أقوى الرقصات الإفريقية على الإطلاق هي رقصة "روزالينا" الكنغولية، والتي تعني "اكسر ظهرك"، ويدلنا الاسم على أنها تعتمد على تحريك الأطراف والجذع بقوة جنونية، وتُستخدم تلك الرقصة في حفلات علاجية جماعية للمصابين بأمراض نفسية، ولكن على الرغم من التسامح مع رقصات الآخرين، وقدرة الإفريقي على مجاراة الراقصين الآخرين، إلا أنه لن يُحقق التجربة الروحية الفردية التي يصل إليها عندما يرقص بين أفراد قريته. 

 

لقد تحول الرقص إلى أهم محددات الهوية، واللحظة الراهنة تقلص الدور التقليدي للرقص الإفريقي لعدة أسباب، أولها هو طغيان الحياة المدينة الحديثة على النمط الغربي في كافة بلدان القارة السمراء، وإن بدرجات متفاوتة. 

 

لقد تغير نمط الإنتاج والطبيعة المعمارية، كما انتشرت الحروب الأهلية والنزاعات القبلية، وتفشي الفقر والأزمات الاقتصادية الطاحنة، ونتيجة لهذه التغيرات، اقتصر الرقص الإفريقي التقليدي في الوقت الراهن على القبائل التي تعيش في المناطق الريفية والرعوية، وأصبح وجوده في المدن قاصرًا على الاحتفالات الموسمية والأغراض سياحية، إذ تُستخدم الرقصات في المطاعم والمقاهي الكبيرة والفنادق من أجل استعراض الروح الإفريقية أمام السياح.  

 

وفي مواجهة هذا الانحسار، حاول عدد كبير من الفنانين إحياء الرقصات التقليدية وتطويرها، وتقديمها على شكل استعراضات فنية أو كخلفية حركية للأغاني، وهناك محاولات لدمج تيمات من الرقصات الإفريقية كي تواكب المستجدات الراهنة. 

 

ويسعى عدد كبير من منظمات المجتمع المدني، على المستويين العالمي والإفريقي لإحياء تراث الرقص التقليدي من خلال توفير الدعم لفناني الأداء الحركي وإقامة مسابقات ضخمة سنويًا لاختيار أفضل رقصة وراقص على مستوى القارة.  

 

ولكن من الصعب أن تنجح هذه المحاولات في استعادة التجربة الروحية التي يعيشها الراقص في البيئة القديمة.. ويجب أن نتذكر أن الغابة بكل عظمتها وجلالها، هي خلفية المشهد، وأن النار كانت مصدر الإضاءة ليلًا، ولكن عرض الرقصات على خشبات مسارح أمام الجمهور يفقد الرقص الإفريقي أهم سماته، وهو العنصر الجماعي والتشاركي، كما ينفي دوره الحقيقي، ألا وهو تحقيق تماسك الروح في مواجهة ثِقل العالم.

 

ولم يتوقف الأمر في الفنون الإفريقية عند الرقص، فلدى إفريقيا تراث غني بالفنون والحرف، وتمثلت الفنون الإفريقية وحرفها في مجموعة متنوعة من المنحوتات الخشبية وأعمال فنية بالنحاس والجلود، تتضمن الفنون والحرف الإفريقية أيضاً على فن النحت والرسم والشعر وملابس وقبعات احتفالية دينية.

 

وتركز بعض الثقافات الإفريقية على المظهر الشخصي، وما زالت المجوهرات من الإكسسوارات الشخصية الهامة، والعديد من تلك المجوهرات مصنوعة من قذائف الصدف ومواد مشابهة.

 

 

أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية - كلية الآداب بدمنهور  

تابع بوابة روزا اليوسف علي
جوجل نيوز