

مروة فتحي
آفة حارتنا "الترند"
"آفة حارتنا النسيان".. تلك الجملة الشهيرة التي ذكرها كاتبنا العظيم نجيب محفوظ في رائعته "أولاد حارتنا" في سياق شخصية "الجبلاوي" في الرواية، الذي كان يمثل رمز الجد الكبير للحارة، وكان يرمز للحارة بـ(المجتمع) الذي مهما عاشوا خلاله من أحداث كبيرة أو مآسٍ أو حتى شاهدوا بطولات، لكنهم سرعان ما ينسون لتكرار نفس الأخطاء.. ولكن في عصرنا الحالي نستطيع أن نحرف الجملة عن سياقها ونقول آفة حارتنا الترندات.. فكل فترة يظهر ترند يمكن أن يجعل حياتنا نعيما أو يحولها إلى جحيم، وفي حالة الطفلة هايدي بطلة كيس البطاطس المقلية، واعذروني إن لم أستطع ذكر اسم الشركة المصنعة لهذه البطاطس حتى لا يعتبر إعلانًا، فهذا من أخلاقيات العمل الصحفي، تحولت حياتها إلى نعيم وشهرة محفوفة بالمخاطر لطفلة في مثل عمرها لأن ذلك سيؤثر على نفسيتها عاجلًا أم آجلًا.
في غمضة عين وبين عشية وضحاها أصبحت الطفلة هايدي، جميلة الملامح بريئة الفعل، عفوية الكلام، حديث السوشيال ميديا بكل منصاتها المشهورة منها والمغمورة، حتى إنها أصبحت مطلوبة على جروبات الصحفيين والصحفيات ومعدي البرامج والمعدات، الجميع يتهافت على البحث عن رقم أسرتها لإجراء الأحاديث الصحفية والإعلامية ربما لتوجيه سؤال من نوعية "كنتِ هتجيبي بطاطس بطعم إيه؟"، حتى إن أحد المواقع الصحفية كرمها بعمل ممر شرفي لها وأهداها كل أنواع أكياس البطاطس المقلية الجاهزة بمختلف نكهاتها ومذاقاتها، بعيدًا عن أن كثرة تناول هذا النوع من البطاطس مضر بالصحة، وهذا ليس كلامي بل كلام طبيب أطفال كنت قد ذهبت له منذ سنوات بعد أن تعبت ابنتي، وعندما كشف عليها قال لي لي الطبيب بالحرف "هي بتاكل "اسم المنتج"؟ طيب احرميها بقى من المصروف.!!
أصبحت هايدي بدون مجهود نجمة متربعة على عرش "الترند" وما أدراك ما الترند، فجأة وجدت الطفلة نفسها بطلة، كُرمت من المجلس القومي للطفولة والأمومة، وأصبحت كل طلباتها مجابة، تقابل الفنان تامر حسني وتحضر معه أحد الأفراح، تذهب لأحد مطاعم المشويات وتتناول كل ما لذ وطاب، يبتكر أحد محلات الحلويات طبق حلوى باسمها مخصوص، دون أدنى جهد منها، سوى أنها تصرفت بعفوية الأطفال وأعطت رجلا محتاجا ثمن كيس البطاطس الذي كانت ستشتريه، وبسرعة البرق وفي عصر السوشيال ميديا تم تصوير فيديو بذلك وبثه على منصات التواصل الاجتماعي وكأن ما فعلته غريب ومريب ومهيب، يدعو للاستغراب والاندهاش والتدقيق والتنميق.
هذا هو حال السوشيال ميديا ترفع من ترفعه لسابع سماء وتخسف من تريده لسابع أرض، حتى إن كثيرين من رواد التواصل الاجتماعي بدأوا ينتهجون خطا للسخرية من هايدي ومن موجة الاهتمام المبالغ وغير المبرر بها، وهذا هو الجانب القاسي، من السوشيال ميديا؛ حيث إنها تعرض الطفل للسخرية والانتقاد ويمكن أن يتأذى الطفل من التعليقات السلبية أو التنمر.
أما كل خوفي على هذه الطفلة المسكينة من الأضواء البراقة الخادعة، فتربع الطفل على عرش الترند يمكن أن يصيبه بالانبهار والغرور لإحساسه أنه أصبح مميزا فجأة، وهذا يعرضه للغرور أو الاعتماد على الشهرة بدلًا من شخصيته الحقيقية، كما أن الشهرة المفاجئة تجعل الطفل مطالب دائمًا بتقديم صورة مثالية أو يكرر تصرفات معينة حتى يرضي الناس.
ولن أغفل التأثير الاجتماعي للترند على الطفل وتعرضه للتغيير في المعاملة من زملائه وأصدقائه، فمن الوارد أن يتعاملوا معه بطريقة مختلفة، سواء بالغيرة أو المبالغة في الإعجاب، ناهيك عن فقدان الخصوصية وأن تكون تفاصيل حياته متاحة للناس، وهذا يؤثر على إحساسه بالأمان.
وهناك كذلك تأثير تربوي وسلوكي يتمثل في خلط القيم، فمن الممكن أن يربط الطفل فعل الخير أو السلوك الجيد بفكرة التصوير والشهرة، وليس بالقيمة نفسها، كما أن الاهتمام الزائد بالشهرة ممكن أن يبعد الطفل عن دراسته أو أنشطته الطبيعية.
أتمنى أن نترك الطفلة هايدي في حالها وأن تعود لحياتها وأن تمارس الخير بروحها وبمبادئها، بعيدًا عن أجواء لا تشبهها، فالخير ليس وسيلة للشهرة أو التكريم، بل قيمة إنسانية نتعلمها ونُعلمها لأبنائنا، ليصبح العمل الصالح جزءًا من طبيعتنا الإنسانية، لا هدفًا للتصفيق أو المجد.