جمال عبدالصمد
نهر المواهب يتدفق.. ودولة التلاوة لا تظمأ
استطاعت مصر أن تحول مقولة "مصر ولادة" من مجرد شعار عاطفي متداول بكل القطاعات إلى حقيقة إحصائية وتاريخية دامغة على أرض الواقع، تتجلى من خلال علمائها وأدبائها وفنانيها، وغيرها من نماذج مؤثرة في كل المجالات الحياتية "الرياضة والاقتصاد والطب.."، استطاع هؤلاء الأفراد أن يسجلوا أسماءهم بحروف من ذهب في سجل الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ وأثرت بالمجتمع المصري خاصةً والعربي والدولي عامةً.
رغم تلك الإنجازات المبهرة التي قدمتها النماذج المصرية المشرفة على مر العقود، فإن مصر لم تتوقف عن تحديث أدواتها لكي تتناسب مع معطيات وتطورات العصر الرقمي، وذلك من أجل ضمان استمرارية تدفق نهر المواهب والنوابغ في كل المجالات المختلفة، وتأكيداً على حقيقة راسخة وهي أن مصر ستظل دائماً "ولادة".
تعد فئة الشباب في مصر القوة الديموغرافية بكونهم يمثلون شريحة كبيرة وعريضة من السكان، كما أنهم يشكلون نبض الحاضر وسواعد المستقبل، لذلك تتميز مصر بأنها مصدر اكتشاف النوابغ وصناعة النجوم بكل القطاعات، فمصر هي النافذة التي أطل منها: "الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في التلاوة، نجيب محفوظ في الأدب، مجدي يعقوب في الطب، أم كلثوم في الغناء، أحمد زويل في العلوم، ومحمد صلاح في الرياضة"، وغيرهم من السفراء الذين رفعوا اسم مصر عاليا في الداخل والخارج.
عندما نبحر ونقرأ في التراث الثقافي والروحي لمصر على مدار تاريخها الطويل الزاخر بالإنجازات في كل المجالات، نكتشف تربع "دولة التلاوة" المصرية خلال القرنين الماضيين على مستوى المنطقة العربية والإسلامية، بكونها مصنعاً للمواهب الفذة في الأداء الصوتي والروحاني، وكأعظم التجليات العبقرية في تلاوة القرآن الكريم، وظهور هؤلاء العمالقة من أصحاب الحناجر الذهبية والإحساس الروحاني لم يكن محض الصدفة، ولم يكن أيضا مجرد نجاح عابر، بل هو نتاج جهد مبذول ومدروس لمنظومة مجتمعية ومؤسسية متأصلة الجذور والأصول، تمتلك نظاماً صارماً لاكتشاف وفرز واعتماد المواهب، مما أسهم في ضمان استمرارية الجودة والتميز لعقود.
إطلاق وزارة الأوقاف المصرية بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية برنامج "دولة التلاوة"، بمثابة خطوة مهمة ومتميزة في طريق تطوير البرامج الدينية، بالإضافة إلى أنه يُعد عودة قوية للقوة الناعمة المصرية وإعادة بناء الخطاب الديني، فضلاً عن أنه يستهدف اكتشاف المواهب الجديدة وأصوات متميزة في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، حيث يتم البحث عنهم واختيارهم من مختلف محافظات مصر. تضم لجنة التحكيم بالبرنامج نخبة من القامات الدينية والعلمية في مصر والعالم الإسلامي.
"دولة التلاوة"، ليس مجرد برنامج يقدم عبر وسائل الإعلام المرئية فقط، بل إنه يحمل رسالة عظيمة وقيمة كبيرة بكونه مشروعًا وطنيًا يهدف إلى إحياء مدرسة التلاوة المصرية من أجل المساهمة في تطوير فنون التلاوة والابتهال، ودعم الخطاب الديني المعتدل "الوسطي" ومجابهة الأفكار المتطرفة والعشوائية، بالإضافة إلى تعزيز القوة الناعمة وتوظيفها في اكتشاف المواهب القرآنية ورعايتها، والمساهمة في غرس القيم الروحية والأخلاقية لدى الشباب وتقديم نماذج مشرفة تمثل القدوة الحسنة لهم، فضلاً عن تطوير المحتوى الإعلامي الهادف والمؤثر إيجابياً.
ختاماً.. شهدت مصر تطورا تاريخيا ومؤسسيا لرحلة "القرآن الكريم"، بدءاً من مرحلة الكتاتيب التي كانت حينها المؤسسة التعليمية الأولى، لمحو الأمية وتعليم القراءة والكتابة والحساب للأطفال، واكتشاف الأصوات الجميلة على يد الشيخ المحفظ بالكُتاب، إلى أن تطور الأمر وأصبح بشكله المعروف الآن من خلال الجامع الأزهر ومعاهده المنتشرة بكل أنحاء الجمهورية، وصولاً إلى المفهوم الإعلامي والحديث في الإذاعة والتليفزيون المصري المعروف بـ"دولة التلاوة"، محطات مختلفة أكدت وبرهنت بالدليل القاطع على أن مصر ستظل دائماً وأبداً.. "ولادة".
















