الأربعاء 12 أغسطس 2020
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
٧ سنوات ثورة.. الإنجازات والتحديات «١».. الجذور

٧ سنوات ثورة.. الإنجازات والتحديات «١».. الجذور

الدول كالبشر، لها عقل وجسد، فكر، وقوة وقدرة، تمرض وتتعافى، تنهض وتتراجع، تحقق الإنجازات وتواجه التحديات، تحكمها الإرادة، والقدرة على التخطيط، والتنفيذ.



 

مصر دولة ذات خصوصية، فهي دون غيرها، ضاربة بجذورها في عُمق التاريخ، أتذكر هنا عبارة بليغة للدكتور عبد المنعم تليمة، أستاذ الأدب العربي- رحمه الله- قالها خلال حواري معه ٢٠١٤:

  

«مصر على خريطة التطور الإنساني العام حقيقة مشهودة، صاغت أول نموذج حضاري، والمصريون منذ فجر التاريخ الباكر بناة هداة، بنوا الشواهد على سعي الإنسان لعمارة كوكب الأرض، وأسسوا المجتمع المتوحد والحكومة الواحدة، وهدوا البشرية بالخوالد الباقيات في الثقافة والفكر والدين والعلم.

  

ليس هذا لأن مصر بدع بين البلاد، ولا لأن المصريين بدع بين الشعوب، ولكن لأن حقائق موضوعية على كوكب الأرض– طبيعية جغرافية– واجتماعية تاريخية– أهلتها للبناء وأهلتهم للريادة».

  

نعم.. فمصر دولة ذات حدود ثابته منذ فجر التاريخ، وحضارة تركت شواهدها منارة للإنسانية- نقلت بعضها الآن لتزين ميدان التحرير- شعبها مزيج من الحضارات الفرعونية والقبطية، والإسلامية، موحد القوى، صلب البنيان، والإرادة.

  

تجلت تلك الجينات الوراثية، للشخصية المصرية، في ثورة نهضتها الحديثة، الثلاثين من يونيو التي تحل ذكراها السابعة، حاملة شواهد نهوض مصر، اقتصاديًا، وعسكريًا، واجتماعيًا، وأمنيًا، وحضاريًا، وفكريًا.

  

مؤشرات النهضة الشاملة، وتعاظم القدرة، التي شهدتها مصر في السنوات الست الماضية، تُقاس عظمة ما تحقق بها من إنجازات، بمقياس ما واجه الوطن من تحديات، فما أخطرها من تحديات وما أعظم عبورها بالإنجازات.

  

ونحن نحتفي بالذكرى السابعة لثورة ٣٠ يونيو، وجدت من الأجدى أن نضعها في ميزان التقييم، والتحليل، سبع سنوات مدة كافية، للوقوف على مساحة الإنجازات، ورصد التحديات، قواعد الثبات لمواصلة الثورة أهدافها ومهددات عرقلتها.

  

دعونا نتحدث بالمنطق، وقواعد التحليل العقلاني، المرتكز على ثوابت علمية، ووقائع حقيقية، ففي العام ٢٠٠٨، كان مستقبل الحكم في مصر يؤرق كل المشتغلين بالشأن العام، حتى انتقلت الحيرة إلى الشعب ذاته، فالأسئلة ماذا بعد مبارك، وهل يترشح مجددًا، وما حقيقة مساعي توريث الحكم؟

  

يومها التقطت بالحس الصحفي، تلك التساؤلات الحائرة، ومؤشرات تصلب شرايين الحياة السياسية، فالأحزاب المدنية كرتونية، والجماعة «المحظورة»- كما كنّا نصفها حينها- تعبث بلا رادع، فشرعت في البحث عن إجابات بفتح حوار موسع، تحت عنوان: «مصر إلى أين؟ حوارات في الحاضر والمستقبل».

  

سعيت من خلال ٣٠ حلقة مع رموز الفلسفة والفكر والسياسة وخبراء التعليم، الغوص في الماضي بخبراته، ومواجهة الحاضر بتحدياته، أملًا في بلوغ المستقبل بتوقعاته، خلصت إلى تشخيص دقيق لتحديات الواقع:

 

داخليًا.. جعلتها مانشيتات حواراتي معهم:

 

 

١- زواج المال بالسياسة يخلق الفساد واقتران الدين بالسياسة يخلق التطرّف.. الكاتب والمفكر سعد هجرس- رحمه الله- وهو ما أكده أيضًا المستشار فتحي رجب الفقيه القانوني، رئيس اللجنة التشريعية الأسبق بمجلس الشورى حينها: خلط الدين بالسياسة يفتح أبواب جهنم.. فالدين عقيدة داخل الإنسان والسياسة رغبة في الحكم والسيطرة على البشر.

  

٢- أحزاب المعارضة كتل طافية على سطح المجتمع، تحكمها ديكتاتوريات وتختصر نفسها في صحف.. الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، أحزاب بالفعل وهمية لا أثر فعليًا لها بالشارع، أسباب ضعفها تعود لقيادتها ذاتها قبل أن تعود للحزب الحاكم المنافس.

  

٣- الإخوان تنظيم فاشٍ، هدفه السطو على السلطة، وآلياته المتاجرة بالدين، والتحالفات الماكرة مع قوى سياسية غافلة يستغلها في خدمة أهدافه، فتقول الدكتورة زينب رضوان أستاذ الفلسفة الإسلامية، وكيل مجلس الشعب حينها: «النواب الإخوان يستخدمون الآيات القرآنية في غير موضعها، ويستسهلون الرمي بالكفر، وهذا نهى عنه الإسلام».

  

٤- لا وطن لتنظم الإخوان، فأهدافهم حكم مصر تمهيدًا لسطو التنظيم على دول أخرى، وشعارات الديمقراطية لديهم مجرد وسيلة خداع، فما الديمقراطية سوى سلم يصعدون به إلى قمة السلطة ثم يدفعونه بأقدامهم، حتى لا يستخدم ثانية، ودون نزولهم عن سدة الحكم الدماء.

  

٥- الدستور المصري في حاجة ماسة لإصلاحات، والأحزاب في حاجة إلى ترميم داخلي، ودور فعلي على الأرض يشعر الشارع بوجود حقيقي.

 

 ٦- الشباب يعاني من أزمات البطالة والسكن، والعشوائيات تتعاظم مخاطرها، وآثارها السلبية، فضلًا على العشوائية الفكرية.

  

٧- منظومة التعليم تغلِّب الحفظ والاستذكار، وتهمل الإبداع والابتكار، وزاد الفيلسوف عاطف العراقي: ازدواجية التعليم الديني والأجنبي والعام، والاحتفاء بخريجي المدارس الأجنبية يخلق أزمات مجتمعية، فضلًا على غياب دراسات جدوى المنتج التعليمي، فمصر أحوج إلى النهوض بالتعليم الفني، لخدمة الوطن، والحد من تدفق خريجي الجامعات المنضمين لطوابير البطالة، بلا قيمة مضافة حقيقية للحياة العملية أو البحث العلمي.

  

٨- مصر تشهد إصلاحات وتعاظمًا في معدلات النمو الاقتصادي في تلك الفترة، قلت لضيفي حينها الدكتور على لطفي، رئيس وزراء مصر الأسبق، لكن ذلك النمو الذي تحقق، يذهب لصالح فئة قليلة، ولا يشعر به عموم الشعب، فعقب: نعم نتيجة سيطرة ٨٠ عائلة على الاقتصاد، وهذا احتكار يجب معالجته.

  

٩- سألته هل تعاني مصر عشوائية فكرية، أجاب الدكتور عبد المنعم تليمة، نحتاج «تعقيل الفكر»، عبارة بليغة في تلك السلسلة المهمة.

  

١٠- كنت مدركًا ومؤمنًا بأن المساحات السياسية الفارغة، التي تهملها الأحزاب الشرعية، تعطي فرصة للتنظيمات السرية لشغلها، فسألت المُفكر الراحل- رحمه الله- ميلاد حنا في حواري معه عن دور اليسار، فأجاب: اليسار عبارة عن مجموعات كثيرة الكلام تطلق الشعارات في الغرف المغلقة.

  

فيما رأى الكاتب المسرحي على سالم،- رحمه الله- أن تطرف اليسار لا يقل خطورة عن تطرف الإخوان.. مضيفًا يجب ألا ننشغل بأننا فقراء بل بكيفية اللحاق بركب الحضارة.

  

كان الطريف رد الدكتور سمير فياض، نائب رئيس حزب التجمع، وكان الحوار تاليًا على اجتماع للجنة المركزية منتهيًا للتو، بماذا تفسر تراجع اليسار مقارنة باليمين الذي يتاجر بالدين؟ أجاب: «اليسار لم ينزل إلى الناس أصلًا ليقال إنه تراجع».

  

فالخطأ القاتل للأحزاب تركها الساحة للمخادعين، تجار الدين، وغياب دور الدولة في المواجهة الفكرية والتثقيف السياسي.

  

خارجيًا:

 

١- الدبلوماسية المصرية قوية، لكن مصر تعاني تراجعًا في إفريقيا، وخللًا  في توازن العلاقات بين القوى العظمى.

  

وهنا حذّر السفير عصام الدين حواس، نائب وزير الخارجية الأسبق- رحمه الله- وكان أول حوار صحفي معه منذ سنوات وآخر حوار:

 

 «هناك جهات خارجية تسعى لإشعال المنطقة.. وأطراف الصراعات يدركون تمامًا أهمية مصر وثقلها».

  

«التثقيف السياسي، خط الدفاع الأول ضد الإخوان والشيوعيين، وأي محاولات للعبث بأمن مصر».

  

«العرب في احتياج لنظام جديد، قائم على المصلحة المشتركة، لا العناق والقبلات».

  

٢- مصر في حاجة لإعادة رسم سياساتها الخارجية، والاتجاه شرقًا لإحداث توازن، والعودة لإفريقيا، الامتداد القاري، لحماية الأمن القومي المصري، أمنيًا ومائيًا، فضلًا على إمكانية الشراكات الاقتصادية.

  

٣- الجبهة الشرقية مهددة عبر مخططات تستهدف سيناء، من خلال الإنفاق، وفرع التنظيم الدولي للإخوان «حماس»، والتدخلات القطرية والإيرانية.

  

طُفت بكم في سلسلة حوارات مهنية، أجريتها بكل إخلاص لوجه الله والوطن، محاولًا في ٢٠٠٨ تشخيص الواقع، بتلك الحوارات الممتدة حينها ٣٠ يومًا متوالية، أضعاف ما ذكر، مما لا يتسع المجال لذكره، لكنها شواهد تسهم في إيضاح المشهد، مرت السنوات وازدادت المؤامرات ضد هذا الوطن، في ظل بطء القيادة في التعاطي الضروري مع التحديات.

  

راهن المتآمرون على مشكلات الشعب، وبطء تعاطي القيادة مع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واستغل هامش الحرية، والثورة التكنولوجية، في رفع درجة حرارة المعادلة السياسية، لدفعها لإنتاج انتفاضة جماهيرية، يخترقها عناصرهم لتوجيهها وتحريكها، واستغلال مطالب الإصلاح والتغيير المشروع، إلى تخريب وتدمير متعمد، يستهدف هدم مؤسسات الدولة وإسقاطها.

  

فكانت النتيجة تحريك الجماهير تحت شعارات "عيش حرية عدالة اجتماعية"، خرج الشباب حالمًا بمستقبل أفضل للوطن، استغلال أخطاء حزب حاكم لإسقاط الدولة، وتعيين عملاء إرهابيين على سدة حكمها، كمرحلة أولى، يعقبها أخونة مؤسساتها، وتمزيق لحمة شعبها، انطلاقا لسطو التنظيم على الحكم في دول مجاورة.

 

وهنا يتحقق حلم المستعمر القديم، بالاستعمار الجديد للمنطقة العربية، عبر وكيله الإخواني، لطمس الهوية ونهب الثروات، وتوليد الصراعات الطائفية والمذهبية، للعودة بمصر والعرب مئات السنين إلى الوراء.

  

في ميدان التحرير، في الأيام السابقة على تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، كانت الأطياف الشعبية متنوعة، وأسباب النزول للميدان أكثر تنوعًا، بعض من تحدثت معهم عن سبب نزولهم، اشتكى الكثيرون، أمورًا شخصية بحتة، لكنها نماذج لقضايا كبرى، البعض تحدث عن الوساطة والمحسوبية، التي حرمته من وظيفة يستحقها بمؤهلاته الدراسية، بيد أن المحسوبية خطفتها لمن غير مؤهل، وآخر يحتاج شقة وثالث يئن من البطالة، ورابع مات أبوه بفيروس "سي"، ولم يلق العلاج المناسب.

  

في الميدان كان هناك من يحلم بمصر جديدة متطورة، ومن نزل للفسحة ومن تقمص دور الثوري، تأثرًا بثقافة القطيع، ومن جاء بتكليف من جماعته، تنفيذًا لتعليماتهم فقط، هؤلاء ظلوا يحضرون بالأمر، واستمروا قطيعًا حتى بعد وصول مرسي للحكم، يحشدون بالأمر لتأييد قرارات لا يعلمون عنها شيئًا.

  

لم تمض أشهر على سطو الإخوان على حكم مصر، حتى شعر الشعب، بحجم الكارثة، فمن طالبوا بالحرية، يُسحلون في الميادين، ويقتلع خيامهم بلطجية الإخوان، ومن حلموا بالديمقراطية، قذفت الجماعة الإرهابية في وجوههم بإعلان دستوري يحتكر فيه مرسي جميع سلطات الدولة، ويحصن قراراته ليحولها من قرارات رئاسية إلى نصوص دينية موحى بها من السماء، لا ينبغي لبشر مناقشتها أو مراجعتها.

  

المواطن البسيط، الذي عانى ضيق الحياة في عهد مبارك، تضاعفت آلامه في عهد مرسي، والذي كان يتألم من طابور العيش، أصبح يموت في طوابير البنزين والسولار، ويتصبب عرقًا، من شدة الحر في ظل انقطاع شبه دائم للكهرباء.

  

سكان العشوائيات والبسطاء، استثمر فيهم الإخوان انتخابيًا، بكراتين الدعم، وخداع الدين، ثم حشدهم في مظاهرات تأييد التنظيم لقرارات مرسي، هجروهم بعد وصولهم للسلطة، فقطعوا عنهم الدعم، فقد انتهت مهمتهم بعد صيد الذئب فريسته، أو هكذا ظن.

  

حتى السياسيين الانتهازيين الذين، دعموا وصول الإخوان للحكم، «عاصري الليمون»، شعروا بخيبة أمل، فاستيقظوا على الحقيقة المظلمة، خاصة متاجري الناصرية منهم، حلفاء الفاشية الإخوانية في الانتخابات النقابية والبرلمانية، واجتماع «فيرمونت».

  

استيقظوا، على حقيقة من عاش يتاجر بشعارات: «الموت لأمريكا وإسرائيل» و«على القدس رايحين شهداء بالملايين»، يخاطب رئيس الكيان الصهيوني بـ«عزيزي وصديقي العظيم شيمون بيريز»، وعلى شروع في تقديم تنازلات لقوى استعمارية عثمانية وفارسية، فضلًا على السير نحو تنفيذ مخططات أمريكية- صهيونية لاستبدال أجزاء من سيناء، بصحراء النقب، لتهجير سكان غزة.

  

مخططات شيطانية، ترصدها مؤسسات الدولة المصرية، منذ أن خطها القلم، لكن عام حكم الإخوان، كان فرصة حقيقية، ليكتشف الشعب المصري حقيقتهم، ويضع الشعارات السابقة لوصول الجماعة إلى الحكم موضع الاختبار.

  

وحسم شعب مصر اختياره، انحاز إلى الوطن، وصحيح الدين، ووحدة نسيجه الوطني، فكانت ثورة ٣٠ يونيو لحظة انتصار وانتقال حقيقي لأهداف الفئة النقية الوطنية في ٢٥ يناير، بالتحرر من الشمولية الدينية، التي تحكم باسم الله دون أن يوحى إليها، بل وتفسر نصوص الدين تفسيرات زائفة لخدمة أهدافها.

  

لتبدأ مصر ٣٠ يونيو مرحلة قهر التحديات للعبور إلى الإنجازات.

  

نستكمل بإذن الله غدًا..

 

أقرا أيضا .. الحلقة الأولي … ٧ سنوات ثورة.. الإنجازات والتحديات «١».. الجذور