بقلم : د. عزة بدر
مشتاقون إلى الدستور.. لخطوة نخطوها للأمام.. مشتاقون إلى الحرية والخبز والعدالة والكرامة الإنسانية.. قلوبنا تخفق وأرواحنا تهدر بالحب.. مصر أولا وأخيرا، مصر قبل كل شىء، بدايات النهار وطلعة شمس الأبدية.
مصر أقمار الليل واكتمال الحلم
نعم للدستور الذى يقول فيه المصريون: «نحن نؤمن أننا قادرون على أن نستلهم الماضى وأن نستنهض الحاضر وأن نشق الطريق إلى المستقبل، قادرون على أن ننهض بالوطن وينهض بنا، ولنا ولأجيالنا القادمة السيادة فى وطن سيد».
نعم للدستور الذى جعل الحاكم بشرا يخطئ ويصيب، ويسأل عما يفعل، نعم للدستور الذى يقول: لا للحاكم المستبد.
يقولون «إن الهرم الذى ظل ماثلا فى الذاكرة كرمز للاستبداد فى علاقة الفرعون بشعبه لم يكن رمزا للاستبداد ولكنه كان بمثابة عقد اجتماعى شفوى بين الفرعون والشعب واحتكم العقد إلى قناعة دينية تؤمن بأن روح الفرعون تسلك مسارا عبر سراديب وممرات الهرم صعودا إلى قمته حيث ينتظرها الإله حورس ليصاحبها إلى الفردوس، وباستقرار روح الفرعون فى الفردوس فإن كل أرواح المصريين سوف تعرف طريقها إليه بشفاعة الفرعون!
ولكننا اليوم بدستور 4102 لانرتجى شفاعة الفرعون، ونقول بعد ثورتى 52 يناير و03 يونيو: سنبنى هرم الحرية ونسقيه بماء الحياة فهذا الدستور أول الرى وأول الغيث وهو الذى سيجعل الحاكم يطلب إلينا دخول الفردوس بما أحسن ، ولايأمن سحب الثقة منه إذا أساء.
وبطريقة أو بأخرى كنا نغنى للفرعون على امتداد الأزمنة والعصور ولكننا اليوم سننشد مع دستور 4102 ما أعظم الشعب سيد مصيره، ما أعظم الشعب الذى أراد الحياة فاستجاب القدر، ما أعظم الشعب الذى يقول دستوره: «يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين على أن يتم عرضها ومناقشتها والموافقة عليها من خلال مجلس النواب فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعى ماكان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى قرار بذلك إلا إذا رأى مجلس النواب اعتماد نفاذها فى الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب عليها من آثار».
ليس للحاكم أن يصدر ما يشاء من قوانين فللشعب كلمة، بل ويمكن لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة فى استفتاء عام، فإذا وافقت الأغلبية على سحب الثقة يعفى رئيس الجمهورية من منصبه، ولكن ماذا لو استبدت سلطة مجلس النواب بالحاكم؟ سيكون الاحتكام للشعب فيقول دستورنا: «وإذا كانت نتيجة الاستفتاء بالرفض عد مجلس النواب نفسه منحلا، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس جديد للنواب خلال ثلاثين يوما من تاريخ الحل».
إذن الكلمة للشعب فهو الحكم العدل وهو وحده مصدر السلطات، بورك الدستور الذى يقول: «لايجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أى منصب حزبى طوال مدة رئاسته»، ويتعين على رئيس الجمهورية تقديم إقرار ذمة مالية عند توليه المنصب وعند تركه وفى نهاية كل عام وينشر الإقرار فى الجريدة الرسمية ولايجوز لرئيس الجمهورية أن يمنح نفسه أى أوسمة أو نياشين أو أنواط وإذا تلقى بالذات أو بالواسطة هدية نقدية أو عينية بسبب المنصب أو بمناسبته تؤول ملكيتها إلى الخزانة العامة للدولة».
هذا هو دستورنا الذى سيلزم مجلس النواب فى أول انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة واقتراح أطر للمصالحة الوطنية وتعويض الضحايا وذلك وفقا للمعايير الدولية.
وما أحوجنا إلى معرفة الحقيقة وكل مايرشدنا إليها، وكل ما يقربنا منها، وما أشد حاجتنا إلى المحاسبة بميزان العدالة الذى لايخطئ، وتلتزم الدولة وفقا للدستور بمواجهة الإرهاب بجميع صوره وأشكاله وتعقب مصادر تمويله وفق برنامج زمنى محدد باعتباره تهديدا للوطن وللمواطنين مع ضمان الحقوق والحريات العامة.
لاشىء يعوق نفاذ بصيرة شعب قام بثورتين من أعظم ثورات التاريخ فى 52 يناير و03 يونيو.
لؤلؤة هذا الدستور ودرته أنه أعطى لنواب الشعب قوة حقيقية فى مواجهة سلطة الحاكم فلنختر نوابنا ولنقل كلمتنا ولا تغرننا الكلمة المدهونة بالزبد والعسل، ولا المغموسة فى الملح الكاذب وفى خبز الوهم، لن تغرينا وعود الواعدين، ولا تهديد الذين خسروا أنفسهم وضمائرهم فلجأوا للعنف والترويع، لن نخشى نبوءات المتربصين، لنقل كلمتنا فنحن أسياد فى وطن سيد، لنأخذ خطوة إلى الأمام.
نعم للدستور الذى ألزم الحاكم عند رتبته، ورئيس الوزراء فى حدود منصبه، والوزير عند حده.
نعم للدستور الذى يمنح الشعب الرقابة على المسئولين ويحتفى بالمساواة وعدم التمييز.. يحتفى بالحريات ويحمى النيل وينص على الحفاظ على حقوق مصر التاريخية المتعلقة به وعدم إهدار مياهه أو تلويثها وحق كل مواطن فى التمتع به وحظر التعدى على حرمه، وبوركت يانيل فى كل الدساتير من زمن الفراعنة إلى ما شاء الله «فالحمد لك يا أيها النيل الذى ينبع من الأرض والذى يأتى ليطعم مصر والذى يعطى الشراب الأماكن المقفرة النائية عن الماء، ونداء هو الذى ينزل من السماء، محبوب «جب» إله الأرض ومدير إله الغلة ومن يجعل كل مصانع بتاح ناجحة، رب السمك والذى يجعل طيور الماء تذهب إلى أعالى النهر دون أن يسقط طائر، صانع الشعير وخالق القمح حتى يجعل المعابد تقيم الأعياد».
مشتاقون إلى الدستور الذى سيغير التقاليد التى اعتدناها فى علاقتنا مع الحاكم، ويسقط المقولات القديمة والتى أحنت ظهورنا طويلا: «اللى مالوش كبير يشترى له كبير» و«اللى له ضهر ما ينضربش على بطنه».
مشتاقون إلى يوم الاستفتاء، فرح الأمة، ونحن من غير عزومة نتعزم، ونخطو خطوة إلى الأمام، وكما قال الشاعر:
«على قدر أهل العزم تأتى العزائم وتأتى على قدر الكرام المكارم».



