من بين أدوات التوظيف الإعلامي السيئ، استدعاء معارك قديمة في تحديات أو صراعات الحاضر، وهو استحضار ممنهج غير بريء أو بالأدق مقصود، يتم اللجوء إليه أو استخدامه بغية شرعنة أفكار أو أهداف "لم تعد صالحة"، أو لخلق سردية أو بطولة غير واقعية عن شخصيات عديمة الأثر في الحاضر، والأخطر من ذلك في عدم النزاهة، مسألة سرد روايات عن أشخاص، هم حالياً في ذمة الله، وادعاء بطولة بحكايات عنهم، لا نستطيع التسليم بصحتها طالما أن طرفها الأساسي لم يعد بيننا.
للأسف مثل هذه الأدوات غير البريئة، رأيتها في ثرثرة إعلامية من مراسل "الجزيرة" السابق بالقاهرة، حسين عبد الغني، في سجال على شاشة قناة العربية قبل أيام، وتطرق خلاله، بلا داعٕ أو مناسبة، بحديث عن الكاتب الصحفي الراحل عبد الله كمال، رئيس تحرير روزاليوسف الأسبق، والأغرب أنه استدعى رواية عنه، للحديث عن معايير العمل التليفزيوني والإعلامي الغائبة!، زعم فيها أن “الأستاذ عبد الله، هاجم وزير الإعلام الأسبق أنس الفقي، وحينما سأل (عبد الغني) الوزير قال إن (الأستاذ عبد الله)، أجرى اختباراً لتقديم برنامج تليفزيوني ولم ينجح فيه!”.
وبعيداً عن التفتيش في النوايا والغايات، التي استحضر من أجلها حسين عبد الغني هذه الرواية، ولكن الحد الأدنى من اللياقة المهنية والموضوعية، التي طالما يتشدق بها مراسل الجزيرة السابق، ضرورة البعد عن الاستشهاد بروايات وحكايات لم يعد بطلها حاضراً بيننا حتى للتأكد من صحتها إذا كانت صحيحة، ولن أتحدث هنا عن "حُرمة" الموتى، التي لم يراعها عبد الغني، بترديد ما قد يسيء، إذا كان صحيحاً أو غير ذلك، أمام أسرة ومحبي، صاحب "القلم الجرىء"، الراحل الحاضر عبد الله كمال.
والواقع أنني لستُ هنا، للدفاع عن عبد الله كمال، فهو ليس بحاجة إلى ذلك، رغم كثرة محبيه وتلاميذه، وأنا منهم، ولكني أتحدث أولاً عما شاهدته من سجال مسيء، حول قضية كان يُفترض أن تناقش واقع الإعلام العربي، حسب موضوع النقاش الذي كانت تديره الإعلامية المصرية رشا نبيل، غير أن التلاسن وتوزيع التُهم والمزايدة وادعاء الأفضلية كانت سمة غالبة على حديث عبد الغني، لا سيما في ردوده على الانتقادات التي كان يوجهها له أحد أطراف النقاش، الكاتب الصحفي، الدكتور محمد الباز، رئيس تحرير الدستور.
أتحدث هنا، من واقع مشاهد استاء كثيرا مما شاهده من نقاش، كان يُفترض أن يكون نموذجاً في الموضوعية والنزاهة، وخصوصا مع استدعاء مراسل "الجزيرة" السابق، رواية عن عبد الله كمال، الذي اختلف معه كثيراً بقلمه، وكنت شاهداً على ذلك، بسبب مواقف حسين عبد الغني، تجاه الدولة المصرية، خصوصا وقت عمله في الجزيرة.
في تقديري، أن عبد الله كمال، ليس في حاجة لمن يرد غيبته، ذلك أنه لا يزال حاضراً بفكره ومواقفه الصلبة ورسالته التي لا يزال يحملها عشرات من تلاميذه ومحبيه، وفي تقديري لا يزال يرد على خصومه من قبره، ولمَ لا، فالجميع بما في ذلك المختلفون معه، شهدوا له بالاحترام حينما لم يتلون، أو يغير من مواقفه وقناعته السياسية، بعد الفعل الثوري في يناير 2011، والذي انتهى بتنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك.
رأيت في صلابة مواقفه بعد رحيل رأس النظام الذي كان جزءاً منه، قوة صاحب القلم والفكر الجريء، في وقت تغيرت فيه القناعات والولاءات والمواقف، رأيتُ من كانوا يختلفون معه، كيف تندروا على خصومتهم مع شخصية، لم يختلف أحد على مهنيتها وقدراتها ككاتب ومحلل وصانع للخبر في الوقت ذاته.
وهنا أستطيع أن أذكر واحدًا من المواقف التي كنت شاهداً عليها، ففي أول اجتماع لمجلس تحرير روزاليوسف، بعد إعلان تنحي مبارك، وقتها لخص الراحل الغائب، عبد الله كمال، السياسة التحريرية، بجملة واضحة، حينما قال "كنا على يمين النظام السابق، والآن أصبحنا على يسار النظام، وسنتحدث عن رأينا بكل وضوح".. هكذا صاغ توجه المطبوعة، وعكس في الوقت نسه جراءته في الدفاع عن أفكاره، حتى ولو كانت عكس التيار السائد.
ربما من المهم تذكير حسين عبد الغني، بمثل هذه المواقف، عن كاتب لم يتلون أو يغير من قناعاته أو آرائه، لا سيما وأن مراسل الجزيرة السابق، كغيره من الناصريين، ما زالوا يستحضرون المقارنات مع نموذج الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، رغم أن الموضوعية المهنية تفترض دائما عدم تعميم القياس، عن واقع الصحافة والإعلام بين حقب سياسية وزمانية مختلفة، فلكل زمان ونظام واقعه وظروفه وسياقه السياسي والتاريخي الحاكم له.
وهذا هو المعنى الذي واجه به الدكتور محمد الباز، مراسل الجزيرة السابق، خصوصا حينما أشار إلى أن هيكل نفسه كان داعما لنظام عبد الناصر، ورغم ذلك، كان رجل كل العصور بعده، ولن أردد ما تحدث عنه الباز أيضا، واستفز حسين عبد الغني، كواقعة حديثه مع المستشار طارق البشري، وسؤاله عن غاية الإعلان الدستوري بعد 2011، ومدى فائدته للإخوان، ولكني سأتوقف مع واقعة لم يتحل فيها عبد الغني، بمعايير "قبول الاختلاف" في العمل الإعلامي والمهني، رغم كلامه المستمر عن ضروريتها.
وهنا سأعود بالذاكرة إلى حدث استضافة نقابة الصحفيين، في عام 2008، لمدير قناة "الجزيرة" وقتها، الإعلامي الفلسطيني (الإخواني)، وضاح خنفر، في ندوة كان مرافقه فيها، حسين عبد الغني، وحينما اقتربتُ من "خنفر" موجها عدة أسئلة عن "الإعلام ومهنة الصحافة"، تدخل عبد الغني في الحديث، حينما علمَ أنني أمثل روزاليوسف، وطلب من مدير الجزيرة عدم الرد، مبرراً موقفه "إنهم يهاجموننا باستمرار"!.
ولا أريد أن أعدد مواقف يُناقض فيها حسين عبد الغني نفسه، لكن في نفس حواره الأخير تحدث عن "كود أخلاقي" كان يمنع انتقاد أي إعلامي لزميله، لكنه هو نفسه لم يفعل ذلك، في حديثه الذي كال فيه الانتقادات لزملاء مهنته.
نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بموضوع النقاش الخاص بالإعلام، فرغم أنه كان من المفترض أن يناقش واقع الإعلام العربي وتحدياته، فإن الحديث الغالب كان عن مشهد الإعلام المصري وكوادره وصُناعه، وفي ذلك انعكاس عن احتفاظ الإعلام المصري بحضوره ونفاذ تأثيره العابر للحدود، وإن كان موضع اختلافي في تقديم حسين عبد الغني، بعدّه ممثلاً عن الإعلام المصري، في نقاش لم يتحل فيه بالمسؤولية والموضوعية المطلوبة.
وهنا أتحدث من منظور مهني، ومن واقع سبق وأن مارسته في تجارب عمل تليفزيونية وإذاعية عديدة، تتعلق بُحسن اختيار ضيوف النقاش التليفزيوني، والتأكد من مواقفهم وآرائهم لضمان فائدة النقاش وجدواه.
الأمر الآخر، يتعلق بموضوع النقاش، ذلك أنني كنت أتمنى مناقشة مستقبل الإعلام العربي، وليس الحديث عن الماضي وصياغة المقارنات بين عهود وشخصيات سابقة، بطرح حديث عن المستقبليات في ضوء الطفرة المستمرة في عالم التواصل وتقنيات الذكاء الاصطناعي وصناعة هندسة المشاعر، وهي أدوات تستدعي تطوراً في كل أدوات الإعلام التقليدي، التي تفرض على الجميع التجاوب معها، وفي تقديري أن رموز الصحافة والإعلام الذين نستشهد بهم كثيراً، وعلى رأسهم الأستاذ محمد حسنين هيكل، إذا كانوا من بين المعاصرين لهذا التطور، لتفاعلوا معه بصيغة تختلف عن نهجهم الذي ساروا عليه مهنياً.
وبالمناسبة، هذا واحد من الدروس الأخيرة، التي قدمها الراحل الحاضر، عبد الله كمال، حينما أسس قبل وفاته، تجربة صحفية رقمية متكاملة، وهي تجربة "دوت مصر"، التي كانت سابقة في أدواتها كل التجارب القائمة، ولكن قضاء الله كان نافذاً قبل أن يرى أثرها عابراً للحدود، كما تمنى.. رحمة الله عليه.



