بقلم : د. عزة بدر
كان لابد أن تجد مكانا للفارس ذى الجلباب الأبيض والحصان الأحمر.. كان الفارس قادما، سيفه بيده، وممسكا بلجام الحصان بالأخرى.. ناصع جلبابه، عاقدا عمامته من حول رأسه فى أناقة وأبهة، واقفا على قاعدة من كرتون مقوى ملون بألوان بهيجة، كان لابد أن تفسح مجالا للفارس القادم يتخطر.. وأن تحسب حساب رقصة العصا تلك التى سينتصر فيها على كل الفرسان، ولكن المكان مزدحم بأشياء كثيرة، لا مكان لقدم ولا لتخطر حصان ولا حتى لنقرة عصا.
من فوق أرفف النيش أنزلت زجاجات العطر المختلفة من أماكنها.. زلزلت أعطافها فتخدش الزجاج الشفاف والمغبش والمعتم والملون بالأخضر والأحمر والأصفر القريب من الفسفورى ولكن المكان لم يتسع للفارس وحصانه.
أزاحت تماثيل أخرى قديمة، عروسا من المولد الفائت وقفت بينها وبين فارسها زجاجة مضاد حيوى لابد من رجها قبل الاستخدام، العروس كابية الملامح، متربة اليدين والقدمين والفستان والفارس القديم منهك.. لوى عنقه وابتعد.. رأسه فى البعيد وجسده فى المنتصف بينما تململ الحصان الفاره القديم فى وقفته، تكلس فلم تعد تسمع حمحمته.
تألمت حقا لأنهما لابد أن يخليا المكان للفارس القادم وللحصان الأحمر، ولكن العروس القديمة وفارسها والحصان وقفوا فى ثبات العدم.. رفضوا التحرك أو التبصر أو حتى الدخول فى مصاف الحلوى، آثرا الخلود فى ورق السوليفان.
لا مكان فوق الدولاب فهناك ببغاء محنط من ريش، صامت من زمن، وهناك غزلان بللورية بيضاء سحرها ساحر فثبتت على موقفها من الانتظار والألم.. وثمة إناء للورد بلاورد لم تزره قطرة ماء ولا حبة سكر ولا حبة أسبرين.
لا مكان على منضدة الفضيات.. ثمة صور قديمة لها براويز عتيقة.. صور عائلية وصور جيران رحلوا وأصدقاء ذهبوا بلا عودة وأحباب مضوا بلا وداع، ولكن حجم الفارس كان أكبر من المكان، مارد يرتدى جلبابا أبيض، يخطو بثقة وهو يشد اللجام، ويرقص بالسيف ويبتسم كمن أدرك أنه سوف يتوج فى المكان بل فى أى مكان.. ينظر إليها من فوق حصانه بينما كانت هى ترتجف فى أنحاء البيت، وتدور باحثة عن مكان للفارس فى كل الغرف حتى غرفتها كانت مزدحمة بأكداس الحقائب والملابس.. لا مكان! قاعدة التمثال الكرتونية وحدها تحتاج إلى ميدان عام، وليس فى بيتها ميادين، ليس فى بيتها سوى الغرف المزدحمة المغلقة، تنظر إلى السقف فى حيرة، تلتمس أى مكان مرتفع.. أى هضاب.. أى جبال ليقف عليها الفارس الجديد بجلبابه الأبيض، وفى يده سيفه والأخرى ممسكة باللجام.. مرت فى زحام البيت والمولد تتفرج على ما يحدث من مفرج قريب: الراديو الذى يذيع أغنياتها الصاخبة «يا أم المطاهر رشى الملح سبع مرات فى مقامه الطاهر خشى وقيدى سبع شمعات»، وأغنياتها العامرة بالأمل، الذائبة فى خشوع القلب وطيوب التمنى: «مدد يا نبى.. يا نبى.. يا نبى مدد».. فيه ألف بدر هيتولد فى سما البلد.. فيه ألف نجم هينسعد.. والشمس هتسطع يا ولد.. والطير من شوقه بكرة هيبتدى فرح البلد.. وأنا ضهرى بكرة يتسند وأقول ولد.. والبنت بكرة بحقها راح تنسعد.. «مدد يانبى .. يانبى .. يانبى مدد».
تصاعدت روائح المقهى المجاور: دخان الأراجيل ورائحة القرفة بالجنزبيل والينسون والشاى والقهوة، وأصوات الباعة الجوالين: بيكيا.. بيكيا، ونداءات أخرى جديدة عامرة بالعسل.. والجبنة القريش والسريس والدوم الحلو والنبق الطاهر الذى يجعل فم المرء طاهرا أربعين يوما ... تشتهى كل شىء ينبض بالحياة فى الخارج.
تعبر أسلاك الكمبيوتر والتليفون والتليفزيون وشهقات الثلاجة، وانتفاضات البوتاجاز المتكررة وتنقيط صنابير المياه فى المطبخ، ودقات هون الجيران، وطقوس رش الملح ولف السكين فى ملابس المولود ووضعها إلى جواره، يرتعش بدنها.. تنتفض.. تعبر حفنة ملح ألقوها فى عين بابها من عين الحسود! وارتطمت قدمها العارية بجبال من زجاج وجمر.. مجروحة القدمين تدخل قدس الأقداس وتجد مكانا لفارسها ذى الجلباب الأبيض والحصان الأحمر فكانت من نصيبها الدوسة، مر على جسدها الفارس بحصانه ولم تتألم.. داس على أنفاسها فلم تفه بحرف دكت خطوات الحصان عجائن صدرها وبطنها فاختمرت.. نجت من الدوسة وفاجأته باحتمالها الألم فأرخى لها زمامه.. تعلقت به فجذبها رويدا.. رويدا إلى أعلى.. ناظرا إليها فى توله ومتعة، تقف التفاصيل ضدها: مراوح السقف التى علقت لها المشانق، الدفايات التى خنقت روحها بالفحم، والدفايات التى كهربت يدها بالليل، كل مفاتيح الغاز التى انفتحت بكاملها ونشرت رائحتها فى المكان، حبات النفتالين التى دحرجت نفسها من البطاطين القديمة وجيوب المعاطف الثقيلة، رائحة الديتول التى تلقى بظلها الثقيل فى كل مكان، حتى رائحة طلاء الحائط كانت تسد عليها الطريق، وثمة من يدفعها إلى الخلف لتقف ووجهها للحائط ويقنعها بأن تستقبل قمر الليل مرسوما على الحائط!
وشمس الصباح غائرة كالعنكبوت بين شقوق الجدران.. كانت قد أوفت نصيبها من العذاب كاملا ولفوها فى طيات السجاد العتيق، وربطوها إلى أقدام الكنبات طويلا، وأحاطوها بالمزيد من الوسائد حتى لا تتدحرج من موقعها على السرير الذى كانت له أعمدة ببرانق ولا يصدر أى صوت ولا أى أنين، وكانت لمعة النحاس فى عينيه قد انطفأت وكأنها أخمدت للأبد، بفص ليمون حاولت أن تضمد جراح البنيان وأعمدة السرير النحاسى القديم بقليل من مسحوق الفيم وعصير الليمون، لم تفلح، ولم يبق سوى الأحجبة الصغيرة التى فتحتها فلم تجد بداخلها سوى خصلات من شعرها وصفحات خالية بيضاء.. بكت طويلا بينما كان الفارس الجديد يتقدم واثقا على حصانه الأحمر ممسكا باللجام وراقصا بالسيف والراقصات من حوله قد أغشى عليهن وقطعن أيديهن لمرآه، لعمامته لفة ساحرة، والتماع أسورة من ذهب، لجبينه طلعة حلوة كالهلال، ولذقنه خضار تينة شوكية طازجة، لفمه رائحة الطيب والعنبر والمسك، ويداه ترخيان لها الزمام ترفعانها إليه فى شغف.. ترتعش فى صعودها مدارج الشوق.. يضمها إليه فتعبر معه متجاوزة كل الأبواب المغلقة والمفاتيح الضائعة والخزائن التى حنطوا فيها جسدها طويلا فى قنانى من خزف وآنية كانوبية، ولحظة أن رفعها إلى جانبه على الحصان الأحمر ولدت، وانشقت السماء عن قمر جديد.



