بقلم : د. عزة بدر
أفتقدك كل يوم يا حليم وأنت تغنى:
«الحلوة.. الحلوة.. بعينيها السودة الحلوة.. شغلتنى.. نادتنى.. خدتنى.. ودتنى بعيد وجابتنى!».
أفتقدك كل يوم يا حليم وأنت تغنى:
أحلف بسماها وبترابها
أحلف بدروبها وأبوابها
أحلف بالقمح وبالمصنع
أحلف بالمدنة وبالمدفع
بولادى.. بأيامى الجاية
ماتغيب الشمس العربية
طول ما أنا عايش فوق الدنيا
ولأنك يا عبدالحليم لم تعد عائشا فوق الدنيا فقد تغير كل شىء وأصبحت وحدى أتلفت فى المرآة وأقول لنفسى: «هو أنا داس علىّ القطر رايح جاى ولا إيه؟!.. والعيون السود لم تعد تأسر وتأخذ وتودى وتجيب ولا إيه؟!»
.. لما دق عيد الحب على الباب يا حليم افتكرتك وكان نفسى فى وردة ولأنك لم تعد عائشا فوق الدنيا ولم تغن فى عيد الربيع فلم أحصل عليها ولكن:
«لا حياة مع اليأس ولا حياة لمن تنادى»!
واجهت نفسى فى المرآة وأخذت نفسى بالحضن وبست خدى: «مواه.. مواه.. مواه»!
صالحت روحى على روحى وغنيت:
«عايز أحس بحب مالى كل لمحة من وجودك عايز أحس ان ابتسامتك.. دمعتك فرحة شبابك لون خدودك
عايز أحس إنى حبيبك
ولهيبى يصحى لهيبك!»
وفى عيد الحب يا حليم.. صعبت علىّ نفسى رحت اشتريت قلب بيبرق بفصوص كثيرة، قلب ممتلئ حد التخمة بالفصوص اللامعة وحلق بقلبين.. تحولت فى لحظة إلى مجموعة قلوب لأنك يوما غنيت:
«اسبقنى يا قلبى اسبقنى
ع الجنة الحلوة اسبقنى
اسبقنى وقول لحبيبى
أنا جاى على طول يا حبيبى
إلحقنى قوام إلحقنى»
إلحقنى يا حليم كما يلحقون الأوز قبل أن تقضى.. وقبل أن يلحقوا الطيور قبل أن تفقد حيواتها.. إلحقنى بوردة!
.. سألت صديقاتى يا حليم لأعرف إذا كان حالهن من حالى فى عيد الحب فقلن: «لم يعطنا أحد وردا!.. لم يعطنا أحد حبا!».. يمكن عيد الحب فى فبراير وعيد الأم فى مارس والفرق شهر، وفبراير فقراير، صحيح 28 يوما إنما اللى همه!
ولكن طلع فبراير مثله مثل مارس ولا الهوا!. فقلت اشترى لنفسى هذه المرة قلبا كبيرا جدا وأمشى بداخله فى الشارع بالونة يعنى ومن يرانى ويهتز قلبه أغنى له:
و«حقك أنت المنى والطلب متى يا جميل المحيا أرى
رضاك ويذهب هذا الغضب!»
ولكنى بالطبع تراجعت ولم أفعل وقلت أجدد لنفسى فى نوعية الهدايا وأبعد عن القلوب وسيرة القلوب، وخطر لى أن أهدى إلى نفسى قزازة شامبو!
وهذا بعد أن اشترت جارتى لنفسها قزازة زيت.. هدايا عيد الأم السنة دى غريبة جدا يا حليم!
أنا خايفة السنة الجاية تكون هدية عيد الأم سندوتش نيفة!
وكله كوم واللى قالته صاحبتى الأنتيم كوم تانى يا حليم.. قالت لى: «إن أولادها قالوا لها: يا ماما هاتى لنا هدايا عيد الأم، لولانا كان زمانك قاعدة تعيطى وتقولى: نفسى فى طفل.. نفسى فى حتة عيل!.. وها نحن عيالك فأين هدايانا فى عيد الأم؟!»
ولأن هدايا عيد الأم صارت هاجسا عندى فلقد صرت أسأل كل رائح وغاد: «جبت لوالدتك هدية عيد الأم؟»
- وتلك بعض الإجابات التى حصلت عليها:
- لأ.. لأن خطيبى هيجيب لها!
- لسة.. لسة.. لسة!
- كنت عامل حسابى على مبلغ واتصرف!
- أصلى مش عارف أجيب لها إيه!
- طقم كبايات وأشترى دماغى!
- هو فيه حد له نفس يجيب هدايا النهاردة؟
- هو أنت أمى؟!.. ده أنت مراتى أمى ماتت من زمااان.
ورغم ذلك مازالت كل الإذاعات المحلية تغنى لست الحبايب: «يا حبيبة.. يا حبيبة وحبيبة!».. تسلم كلمات حسين السيد لأنها أدفأت الأمهات فى زمن الجفاء.
وتسلم كلمات الشاعر الذى كتب
«أحلف بسماها وبترابها
أحلف بدروبها وأبوابها
أحلف بالقمح وبالمصنع»
لأنه يذكرنا دائما بعد أن تفرقنا بأننا لابد أن نلتف حولها - حول أمنا مصر، أمنا التى تعطى ولاتأخذ شيئا.. تفرقنا يا حليم فنفد القمح وتعطل المصنع.. تناحرنا فذهبت ريحنا وتفرقت بنا السبل، الأبناء يختلفون حد القتال، يختلفون حد اتساع الخلاف ويرى كل واحد منهم أنه الوحيد الذى على حق وكل الآخرين على خطأ!، لايعرفون أن للحقيقة وجوها كثيرة، وأنك إن علمت شيئا غابت عنك أشياء..
ربما لابد أن أغنى لهم:
«عدا النهار والمغربية جاية تتخفى
ورا ضهر الشجر.
وعشان نتوه فى السكة شالت
من ليالينا القمر
وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها
جانا نهار مقدرش يدفع مهرها
يا هل ترى الليل الحزين
أبوالنجوم الدبلانين
أبوالغناوى المجروحين
يقدر ينسيها الصباح
أبوشمس بترش الحنين
أبداً بلدنا للنهار
بتحب موال النهار»
وديك النهار يا حليم كنت ماشية فى شارع رمسيس وفى زحام الميدان وفى طريق مترو الأنفاق وجدتهم أصدقائى الباعة الجائلين ووجدتهم يحملون لافتات مست قلبى.. «مصر أولاً.. مصر أم الدنيا..»، وعلى اللافتات رموز ووجوه الحياة السياسية من جميع الاتجاهات، الليبرالى والإخوانى، اليسارى واليمينى، والوسطى والوفدى، صور الجميع كانت مرسومة بالحب بكل ألوان الحب، وأصدقائى الباعة الجائلين يهتفون: «مصر.. مصر» فجالت الدموع فى عينى ووضعت حقيبتى على الأرض ورفعت لافتة معهم وصرت أهتف: «أم الدنيا» .. اختلفوا ولكن توافقوا وهنا انتبهت لصوتك.. صوتك يا حليم وهو ينبعث دافئا من مسجلات الصوت التى ملأت ميدان رمسيس وأنت تغنى:
«وطنى يا مالى بحبك قلبى
وطنى يا وطن الشعب العربى
ياللى ناديت بالوحدة الكبرى
بعدما شفت جمال الثورة
أنت كبير
وأكبر كتير من الوجود كله
من الخلود كله يا وطنى»
هذا فقط ما أنعشنى وأعادنى إلى قلبى وذاتى.
صحيح أن فى قلبى هاجسا ربما يكون حقيقيا أنه قد داس علىّ القطر فى غفلة منى مع من داسهم لكن قطارات كثيرة مرت من فوقنا وداست علينا ولم نمت.. بل كتبت لنا الحياة لأن من أرادها كتبت له النجاة، وصحيح يا حليم أنك لم تعد عائشا فوق الدنيا ولكنك آمن سالم فى مرقدك لايزال صوتك فى أذنى، يعيدنى إلى نفسى، يهدى إلىّ الورد فى عيد الحب، وعيد الأم، ويدفئ قلبى وأنت تغنى: «الحلوة.. الحلوة... برموشها السودة الحلوة..
شغلتنى نادتنى خدتنى
ودتنى بعيد وجابتنى!»



