الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

تضع العربة أمام الحصان، تبتسم وتقول لى: سنسير مشوارا طويلا فى الحياة، أصدقك وأزين العربة، آتى بالأجراس النحاسية والبلابل وأثبت الخلاخيل، ووشوشات الودع، وسعف النخيل، أقصقص عرائس الورق، وأثقب حبات الذرة والنبق وأصنع عقودا طويلة تمتد بطول العربة تتأرجح عقود الخرز الملون والودع، وحبات القرنفل، تتدلى قطع النحاس المنحوتة بمهارة أسنانى: أعين زرقاء، وحدوات حصان لم يسر عليها أبدا، وخطوات بكر لخرزات زرقاء، وأكف خمس لم يلامسها أحد أبدا، أصعد فوق العربة وأرقص رقصا جميلا على إيقاعات الهواء عندما يحيل كل شىء إلى صناديق موسيقى تدندن بألحان فى فراغ وسيع وبراح هائل، أشعر بالموسيقى فتتلوى الحيات والثعابين فى جسدى وتتخذ جلودا جديدة بألوان غزل البنات، بين الأبيض والوردى أرسم مساحات جديدة للرقص، ولحركة الخلاخيل، تنظر إلى رقصاتى من بعيد، تتأملها وتستمع إلى الإيقاعات الجديدة، تمسك بورقة وقلم وتحسب عدد الرنات، وعدد الدفقات، وعدد صلصلات الأجراس، وتسجل قائمة بكل حركة، وكل نأمة، وكل حاسة تتحرك فىَّ، أنتظر أن تزين الحصان، أن تضع على حافره حدوات جديدة غير تلك التى أكلتها الخطوات، أنتظر سرجا جديدا أحمر ملونا، تتدلى منه الفراشات والشراشيب والكرانيش، أنتظر طرة جديدة مقصوصة سبعات وثمانيات ومثلثات، طرة جديدة كما لو كانت على جبهة حسناء، مضمخة بالحناء، وأنتظر أن ترفع من على عين الحصان نظارته الأحادية النظرة، والتى تحد من بصات حدقاته فى كل الاتجاهات، أنتظر أن ترفع الغمة عن ناظريه لتأتلق عيونه بالدمع وبنظرات العشق، أتطلع للحصان بقلب واجف، أتأمل سيقانه الأربعة، المهيضة والواقفة بثبات، الواثقة والمجروحة، أدق له نايا فلا يرقص، أدق له دفا فيقف ليفكر فى خطوته القادمة، لا ينقل ساقا ولا يحرك ساكنا، أشخلل بالطارة.. أرقص من جديد، أستحلفه أن ينظر لى.. إلى العربة التى انتظرت طويلا، مزينة، ومرقصة، ومقصقصة الأجنحة، العربة الواقفة فى محطات انتظار لا تنتهى، فى وضع الأبهة والاستعداد تطلق أجراسها وصافراتها، تعلن بدقاتها الخمس ابتداء رحلة التصفيق، ورحلة الأكف المضرجة بالحناء، وطقوس رش الملح، وعين العفريت، وحبات الشبة والمستكة، وقطع الصنوبر المجففة، وشرائح جوز الهند، وحبات التمر المعسولة، وضوع القرفة والقرنفل والحبهان، تحرك العربة نفسها نحو الحصان، تمسه برفق تنخسه ثم تربت عليه، تضع فى فمه قطعة من سكر، تشير له فى البعيد، ها هو البحر يقترب، ها هو الشاطئ  ملك أيدينا فلنبدأ رحلة المسير، ينظر الحصان إلى موطئ قدميه، لا يبارح المربع الذى وقف عليه مستميتا على خطوة لم يخطها، تشير له من جديد، سنعود إلى البرزخ الذى يلتقى به الملح والعذب، يتأملها طويلا وكأنه لا يصدق أن فى البعيد بحر ولا برزخ، ولا فى القريب خطو ولا طريق، تدافعه بكلتا يديها.. ترقص عجلاتها وردفيها، تتحزم وتصعد من جديد نحو تل قريب وهو على خطوته التى لم يخطها أبدا، لم يتدخل بينهما لا صاحب العربة ولا صاحب الحصان، صاحب العربة نائم فى الجوار، وصاحب الحصان يفكر ببيعه وشراء «توك توك» صينى فلا أحصنة تسير على قدميها فى المدينة، لا أحد معها، لا أحد يريد لها أن تبدأ الرحلة، ولا حتى أن تبدأ المسير، بدأت تسأل نفسها.. هل هى بحاجة فعلية لحصان؟ ألا يمكن أن تسير وحدها؟ هل تخلت الخيول العربية عن أصالتها؟ هل تركت نفسها للنوم والكسل وقطع السكر، ولم تعد تخوض السباقات ولم تعد تطيق المسافات الطويلة ولا القصيرة ولا الخطوات، تراوح فى نفس المكان، ماذا جرى للخيول؟ ومن يسرج لها حصانا إذا كان الحصان نفسه لا يريد أن يبرح مكانه.. ترى هل تحول إلى تمثال؟!

تقترب.. تلامسه برفق.. تنخسه بأصابع من ورد، تقبل ما بين عينيه، تهمس: يكفيك ما طعمت من سكر وعنبر.. بشمت.. ناعسا كان، فمه جميل كما كان، قبلته فاستيقظ، كانت تود أن تمنحه جناحين، لكنها خافت أن يطير ويتركها وحدها على الأرض، جازفت وخلعت يديها الاثنتين.. أعادت تركيبهما بمهارة على جانبيه، تدلى ذيله كثيفا وناعما على ظهرها، تحسسته بشوق ووله، قبلت ظهره وتحننت، مرت بشفتيها على خاصرته، تعلقت به وارتمت فى حضنه، فتح عينيه، همست: السير وحده لا يكفينى، ولا الركض، لا أريد أن ألمس الأرض، خلعت حدواته الحديدية، عالجت قوائمه برفق، قبلت سوقه زوجا زوجا فارتفع قليلا.. قليلا عن الأرض، اعتلت صهوته بسرعة خاطفة، تمترست ووضعت ساقيها وعجلاتها المذهبة تحت بطنه الضامرة، واستلقت بجسدها كله متمددة على ظهره، نوبة من التقبيل ونوبة من الحرارة المفاجئة اندفعت إلى أعطافه وسرت فى دمه، تنهب الأرض، شعر بأنوثتها الناعمة على ظهره، عجلاتها الرقيقة التى تلامس بطنه بنعومة ورفق، فمها الذى يدغدغ جلد ظهره، دموعها التى تنزفها بهدوء فترصع جسده كله باليواقيت الحمراء، أنفاسها اللاهثة خلفه، أصابعها الحافلة بالعطر والشوق، انقباضات رجليها المفتوحتين على الفراغ الواسع، ورحمها ذى الجرم الهائل الذى يسع الكون برحمته ودفئه ورفقه، استشعر الحنان الذى يسيل نهرا على ظهره، ومطرا على غرته، وعسلا على طرته وعلى جبينه، فاجأته الرائحة، رائحة الطين والغيم والمطر والشهوة، وألوان ولمعات البرق والرعد، وبهرته ألوان قوس قزح، نظر إلى السماء بعشق مفاجئ.. اطمأن إلى جناحيه اللذين نبتا، وسقتهما العربة بماء عينيها، بماء الشوق والانتظار، نظر إلى ما وضعته فى الجناحين من حبات زمرد وعقيق، نظر بعمق إلى حبات الفيروز المثبتة بعناية منقطعة النظير، نظر إلى اللآلئ التى رشقتها برفق فى قطع من القطن المخيط بالحرير، تأمل ما دككته بأناة فى قماط من قلع المراكب وطيور تنتظر لمساته لكى تنفجر بالتوق وبالغناء، المصابيح والفوانيس التى تضىء وتنطفئ، تتوهج وتسبح بأنوارها فى الفضاء، فهم إشاراتها الضوئية التى تفسح له مجالا جويا واسعا، تجنبه المطبات الهوائية، والطائرات المعدنية، والورقية، وخيطان الأولاد، وأيدى البنات اللاتى صارت تدق الصحون لتطارد العصافير التى تأكل القمح وتتسلى على المحاصيل.
 
- لست عصفورا كغيرى، لا أتسلى على حب القمح ولا على حبات الذرة.
 
- لست خيطان طائرة ورقية.
 
- لا طائرات ولا مطبات هوائية بوسعها أن تقف فى طريقى.. انتفض.. وانتبه لنفسه وفى لحظة فاصلة انطلق عابرا القارات، مخترقا السماء بقوس قزح كبير هائل، تشبثت به العربة، استماتت على ظهره وارتفع بها.. شقا عنان السماء التى زغردت فجأة وامتلأت عيناها بدموع الفرح والمطر، وتحزم الكون راقصا بلهفة وكأن صاحب العربة وصاحب الحصان قد استيقظا فلم يجدا الحصان ولا العربة، توقف الجميع أمام الحدث، المدينة كلها وقفت على ساق واحدة، الكل ينظر إلى السماء، حيث لم يعد هناك قمر فى الليل ولا شمس فى النهار، فقط حصان يحلق بجناحين وعربة نائمة على ظهره وذراعه وسط دهشة الجميع، صار الحصان يغنى والعربة تردد من خلفه: «وركبنا ع الحصان نتفسح سوا، وعدنى بالحنان وعدته بالهوى، رقص الحصان على دقة قلبنا، ورقصنا احنا كمان غنينا لحبنا».
تم نسخ الرابط