بقلم : د. عزة بدر
تضع العربة أمام الحصان، تبتسم وتقول لى: سنسير مشوارا طويلا فى الحياة، أصدقك وأزين العربة، آتى بالأجراس النحاسية والبلابل وأثبت الخلاخيل، ووشوشات الودع، وسعف النخيل، أقصقص عرائس الورق، وأثقب حبات الذرة والنبق وأصنع عقودا طويلة تمتد بطول العربة تتأرجح عقود الخرز الملون والودع، وحبات القرنفل، تتدلى قطع النحاس المنحوتة بمهارة أسنانى: أعين زرقاء، وحدوات حصان لم يسر عليها أبدا، وخطوات بكر لخرزات زرقاء، وأكف خمس لم يلامسها أحد أبدا، أصعد فوق العربة وأرقص رقصا جميلا على إيقاعات الهواء عندما يحيل كل شىء إلى صناديق موسيقى تدندن بألحان فى فراغ وسيع وبراح هائل، أشعر بالموسيقى فتتلوى الحيات والثعابين فى جسدى وتتخذ جلودا جديدة بألوان غزل البنات، بين الأبيض والوردى أرسم مساحات جديدة للرقص، ولحركة الخلاخيل، تنظر إلى رقصاتى من بعيد، تتأملها وتستمع إلى الإيقاعات الجديدة، تمسك بورقة وقلم وتحسب عدد الرنات، وعدد الدفقات، وعدد صلصلات الأجراس، وتسجل قائمة بكل حركة، وكل نأمة، وكل حاسة تتحرك فىَّ، أنتظر أن تزين الحصان، أن تضع على حافره حدوات جديدة غير تلك التى أكلتها الخطوات، أنتظر سرجا جديدا أحمر ملونا، تتدلى منه الفراشات والشراشيب والكرانيش، أنتظر طرة جديدة مقصوصة سبعات وثمانيات ومثلثات، طرة جديدة كما لو كانت على جبهة حسناء، مضمخة بالحناء، وأنتظر أن ترفع من على عين الحصان نظارته الأحادية النظرة، والتى تحد من بصات حدقاته فى كل الاتجاهات، أنتظر أن ترفع الغمة عن ناظريه لتأتلق عيونه بالدمع وبنظرات العشق، أتطلع للحصان بقلب واجف، أتأمل سيقانه الأربعة، المهيضة والواقفة بثبات، الواثقة والمجروحة، أدق له نايا فلا يرقص، أدق له دفا فيقف ليفكر فى خطوته القادمة، لا ينقل ساقا ولا يحرك ساكنا، أشخلل بالطارة.. أرقص من جديد، أستحلفه أن ينظر لى.. إلى العربة التى انتظرت طويلا، مزينة، ومرقصة، ومقصقصة الأجنحة، العربة الواقفة فى محطات انتظار لا تنتهى، فى وضع الأبهة والاستعداد تطلق أجراسها وصافراتها، تعلن بدقاتها الخمس ابتداء رحلة التصفيق، ورحلة الأكف المضرجة بالحناء، وطقوس رش الملح، وعين العفريت، وحبات الشبة والمستكة، وقطع الصنوبر المجففة، وشرائح جوز الهند، وحبات التمر المعسولة، وضوع القرفة والقرنفل والحبهان، تحرك العربة نفسها نحو الحصان، تمسه برفق تنخسه ثم تربت عليه، تضع فى فمه قطعة من سكر، تشير له فى البعيد، ها هو البحر يقترب، ها هو الشاطئ ملك أيدينا فلنبدأ رحلة المسير، ينظر الحصان إلى موطئ قدميه، لا يبارح المربع الذى وقف عليه مستميتا على خطوة لم يخطها، تشير له من جديد، سنعود إلى البرزخ الذى يلتقى به الملح والعذب، يتأملها طويلا وكأنه لا يصدق أن فى البعيد بحر ولا برزخ، ولا فى القريب خطو ولا طريق، تدافعه بكلتا يديها.. ترقص عجلاتها وردفيها، تتحزم وتصعد من جديد نحو تل قريب وهو على خطوته التى لم يخطها أبدا، لم يتدخل بينهما لا صاحب العربة ولا صاحب الحصان، صاحب العربة نائم فى الجوار، وصاحب الحصان يفكر ببيعه وشراء «توك توك» صينى فلا أحصنة تسير على قدميها فى المدينة، لا أحد معها، لا أحد يريد لها أن تبدأ الرحلة، ولا حتى أن تبدأ المسير، بدأت تسأل نفسها.. هل هى بحاجة فعلية لحصان؟ ألا يمكن أن تسير وحدها؟ هل تخلت الخيول العربية عن أصالتها؟ هل تركت نفسها للنوم والكسل وقطع السكر، ولم تعد تخوض السباقات ولم تعد تطيق المسافات الطويلة ولا القصيرة ولا الخطوات، تراوح فى نفس المكان، ماذا جرى للخيول؟ ومن يسرج لها حصانا إذا كان الحصان نفسه لا يريد أن يبرح مكانه.. ترى هل تحول إلى تمثال؟!



