بقلم : د. عزة بدر
ماذا لو استيقظت صباحا ولم تجد عصفورا على شجرة , ولم تر ولو حتى سنتيمترا من السماء بعد أن أصبح الفراغ بين العمارات فى الحى الذى تسكنه مسروقا ! , ماذا لو طالعت مساحات من الألوميتال , وبحثت عن مفرج أو نبات ظل أو آنية ورد فلم تجد إلا أمتارا من زجاج ؟ , ماذا لو شعرت أنك أيضا تعيش فى قفص من زجاج تعانى من الاحتباس الحرارى فى الصيف , والبرد القارس فى الشتاء , ماذا لو قلت فى نفسك كله يهون , المهم الجيرة الطيبة والناس الحلوة , وأول مافتحت باب الشقة وجدت جارك يصفع بابه , وكتفه فى كتفك ولم يقل لك : صباح الخير فقلت : وماله يمكن لم يأخذ باله وتتبسم له عله يتذكر أن التبسم فى وجه أخيه صدقة إلا أنه كان يريد نصا صريحا بأن تبسمه فى وجه جاره سيكون له نفس الصدقة ! , وهل صدمتك المفاجأة عندما سقطت أمامك مباشرة عبوة من بقايا تقشير خضار فحمدت الله أنك تفاديت العبوة بصنعة لطافة بأن ا تجهت مباشرة إلى الرصيف , ولكنك للأسف لم تجد رصيفا , وإذا وجدته فعليك تسلق سوره الذى يبدو فى قمته جبلا صغيرا فآثرت الانسحاب لأنك لم تكن يوما من محبى تسلق الجبال أو هواة البحث النادر عن أرصفة ! , ماذا لو هفهفت عليك رائحة ملوخية غامضة فتذكرت عبد السلام النابلسى وهو واقف تحت شرفة ما يستقبل بلقمات من الخبز نسيما بطعم الملوخية فابتسمت , وسامحت جارك الذى لم يتبسم , وأول ماطلعت الباص وجدت من مدد ساقيه فى باحة الباص فرجوته أن يسمح لك بالمرور فقال لك وعينه ترسل شررا : " ماتعدى ياأستاذ .. الدنيا واسعة قدامك " , ولما عديت بالسلامة كالجمل من خرم إبرة !, وجدت قفصا فى طريقك وفيه ذكر بط يقأقىء بكل عافية وانسجام , وحسناء تمسك بيدها كانز معدنى يتساقط منه مشروبها المفضل على قميصك الأبيض فمسحت بمنديلك ماتساقط فبصت لك شزرا وكأنك محوت لوحة من أجمل لوحات فن الباتيك , وبعد أن داهمك الكمسارى برائحة سيجارته , وعملت حسابك أن تشم أدخنة السيارات , وسيجارات السائق وانزويت فى ركنك البعيد الهادىء فداهمتك نغمات موبايلات مختلفة الأصوات , وشعرت أن الجميع يصفرون فى أذنيك , ويلقون بأسرارهم بين يديك فاضطررت أحيانا للتدخل فى فض منازعات عائلية , وخناقات منزلية , وصالحت أحبابا على بعضهم , وقال لك أحدهم " خليك فى حالك " أو " بص قدامك " أو " إذا كان لايعجبك ماتنزل تركب تاكسى " ! , تصعب عليك نفسك تقول فى سرك " عربية ملاكى لا محطش رجلى " ! , ولكنك عندما تنزل بسلامة الله وتحط قدميك على الأرض بعد أن نزلت بقوة الدفع الرباعى من شباك الأتوبيس , وحن أحدهم عليك فناولك حقيبتك الثقيلة بأوراقها المهمة بعد محطتك بمحتطين , وطول الطريق وأنت تجرى وراء الباص و تتفادى الموتسيكيلات , وبائعى الدليفرى فى سباق لم تكتب له نهاية , ولابدأته ولاأنهته صفارة حكم عادل , ولكنك اكتشفت أنك تجرى برشاقة رغم بلوغك من السن عتيا من طول الوقفة على المحطة وانتظار مالايأتى , وبدون سابق إنذار تذكرت عبد المنعم مدبولى فى فيلم " الحفيد " وهو يشرح له حالة مبتدأ لم يجد له خبرا ! شاخصا لفتاة جميلة وهو يقول : - غزال !
فتضحك من قلبك , وتنتابك حالة من النشوة لأنك لازلت بصحتك , وتدعو الله أن يديم عليك نعمة الجرى وراء الأتوبيس والشعبطة على السلم فالحركة بركة , و" غنى للدنيا مهما كان منها , للشجر غنى , للنجوم غنى , للقمر غنى , للنسيم غنى , غنى للدنيا " .



