الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

صباح أسطورة الحب التى أطلقت فى سماء دنيانا على مدى نصف قرن وأكثر أسرابا من العصافير والحمام والبلابل فصوتها الثرى بين هديل وحنين , وفرح وشجن , وعتاب وشوق لايحتمل التأجيل ولايعترف بفراق ولاهجر .

ولدت فى نوفمبر 1927 , وغابت فى نوفمبر الذى كان بالأمس القريب شهرا مثل كل شهور الخريف مفعما بأصوات الطيور المهاجرة بحثا عن لحظة دفء , وقطرة حنان , ولدت ورحلت فى الشهر الذى يسأل المرء فيه نفسه : ماذا أعطانى الصيف  وماذا وهبنى الخريف ؟ , وفى الشتاء مالذى ينتظرنى ؟ , ولكن

صباح وحدها لم تكن تسأل , يتدفق صوتها بالعطاء فيرقص الصيف , ويتعطر الخريف , وينام الشتاء على بريق من زخات المطر .

فى صوتها هديل حمام , وشكاية كروان , وزلزلة قلب فى ساعة صفو , ورعشة أوراق ورد فى لحظة حنان , " رعشة برد فى عز الصيف تفرح وتخاف  , جربناه ليالى طوال ! , نسمة حر فى عز البرد تفوت ع الخد تقوله عواف , جربناه ليالى طوال ! " .

صوت كريم يعطى أحاسيسه بمهارة يقول " أنا الحياة " فيتدفق العطر فى العروق , ويسبح الكون فى ماء الورد , ويوشوش الرمل للصدف ويتلألأ , يسرى الدفء فى نسغ الشجر , فى حلاوة الأنوثة  يتثنى صوتها, ويدخلك فى ليلين , فرعه والدجى فلاتعرف من أين يأتى الصباح رائعا على هذا النحو من الأبهة والضوء , ولامن أين يأتى كل هذا المطر المحلى بالسكر والبرق ؟ ... رائقا .. صافيا كالعسل .. من شجر الأرز ... من جبال لبنان ؟ , قادما فى السحر " سلمولى على مصر سلمولى سلمولى ع الحبايب وابعتولى , سلام أمانة والنبى , والشوق أمانة " فيدخل صوتها قلبك من أوسع أبوابه , يضىء ماحوله فتنعم بألوان من الحب .

الحب المشتاق الذى يفتح ذراعيه ليضمك  , يجعل الإنسان يصنع المعرفة كما يصنع المجهول , ويحقق الحلم : " انت أسمرانى جميل , والقلب لك بيميل , من قبل مايكون لى نصيب وياك " .

والحب الطيب يحمله صوت الأنوثة الخالصة فى قوالب صغيرة من سكر النبات حاملا وعدا بالوصل , والبر بالقسم : " وان جتنى يامهنينى ندرن على العين والننى فرشت لك رمشى , أخطر عليه وامشى , من شوقى مابنامشى , باستنى حتى العمر مستنى " .

يتشكى الصوت من غياب المأمول , وأفول نجمه عند المحبوب فيتهيأ للعتاب على استحياء " مايلقش عليك تقل العاشقين يابو قلب أرق من الياسمين , تقدر تنسانى مش معقول ؟ " ثم يطمئن نفسه بنفسه فى بحر الحنين " هتلاقى حنانى منين ماتروح فى صوتها الينابيع تفيض كلما أعطت سابحة فى لطف الإشارة , وملاحة الدعابة , ومتع التعبير , أحبها الجميع , رقصت على صوتها البنات , تحزمن فى الأفراح , ورنت ضحكاتهن كما كانت ترن ضحكتها واسعة عريضة فتمتلىء القلوب عامرة بالدقات التى لاتلبث أن تتحول إلى مصابيح تطفىء وتضىء " يادلع دلع .. وبالحلوين تطلع , روحى حبت روحك , وقلبى فيك تولع " .

تحدق النساء الوحيدات فى بحار صوتها العميقة فيحملن حقائبهن , ويسافرن مع الشجن : " ساعات .. ساعات , أحب عمرى وأعشق الحاجات , وأحب كل الناس واتملى إحساس , وأحس جوايا بميت نغم يملا السكات , وساعات ساعات أحس أد إيه وحيدة .. وحيدة  ".

تحب صوتها الأمهات وهن يضفرن شعور البنات , خصلة من فضة وخصلة من ذهب بأمشاط من عاج ,  وتصبح أغنية صباح لابنتها هويدا أغنية لكل البنات :

"  أيام عمرى اللى جاية عشانك عشتهم , وسنين عمرى اللى جاية عشانك حشتهم , ياخواتى بحبها دى حبيبة أمها " .

صوتها يأخذك من عمرك فتعود إلى الطفولة ومباهج الصبا فى نقلات ووصلات غنائية كقفزات عصفور من غصن إلى غصن وهو لايدرك سحر مايفعل , يحول النهر بمنقاره من جدول لجدول , فى قوارير صغيرة وكبيرة معطرة بالمحبة , فتجد نفسك تغنى  وأنت تحلم أن تتحول إلى عصفور  : " يا أعز حبايبى وخلانى , ولاحد بيغلى عن التانى , لوكان ليا جناح كنت زمانى باطير بيكو وأعلى , يارموش العين سمى وصلى " .

صباح .. ثلاثة آلاف أغنية , وسبع وعشرون مسرحية , وخمسة وثمانون فيلما سينمائيا , وعشق عارم للحياة .

 

تم نسخ الرابط