بقلم : د. عزة بدر
صباح أسطورة الحب التى أطلقت فى سماء دنيانا على مدى نصف قرن وأكثر أسرابا من العصافير والحمام والبلابل فصوتها الثرى بين هديل وحنين , وفرح وشجن , وعتاب وشوق لايحتمل التأجيل ولايعترف بفراق ولاهجر .
ولدت فى نوفمبر 1927 , وغابت فى نوفمبر الذى كان بالأمس القريب شهرا مثل كل شهور الخريف مفعما بأصوات الطيور المهاجرة بحثا عن لحظة دفء , وقطرة حنان , ولدت ورحلت فى الشهر الذى يسأل المرء فيه نفسه : ماذا أعطانى الصيف وماذا وهبنى الخريف ؟ , وفى الشتاء مالذى ينتظرنى ؟ , ولكن
صباح وحدها لم تكن تسأل , يتدفق صوتها بالعطاء فيرقص الصيف , ويتعطر الخريف , وينام الشتاء على بريق من زخات المطر .
فى صوتها هديل حمام , وشكاية كروان , وزلزلة قلب فى ساعة صفو , ورعشة أوراق ورد فى لحظة حنان , " رعشة برد فى عز الصيف تفرح وتخاف , جربناه ليالى طوال ! , نسمة حر فى عز البرد تفوت ع الخد تقوله عواف , جربناه ليالى طوال ! " .
صوت كريم يعطى أحاسيسه بمهارة يقول " أنا الحياة " فيتدفق العطر فى العروق , ويسبح الكون فى ماء الورد , ويوشوش الرمل للصدف ويتلألأ , يسرى الدفء فى نسغ الشجر , فى حلاوة الأنوثة يتثنى صوتها, ويدخلك فى ليلين , فرعه والدجى فلاتعرف من أين يأتى الصباح رائعا على هذا النحو من الأبهة والضوء , ولامن أين يأتى كل هذا المطر المحلى بالسكر والبرق ؟ ... رائقا .. صافيا كالعسل .. من شجر الأرز ... من جبال لبنان ؟ , قادما فى السحر " سلمولى على مصر سلمولى سلمولى ع الحبايب وابعتولى , سلام أمانة والنبى , والشوق أمانة " فيدخل صوتها قلبك من أوسع أبوابه , يضىء ماحوله فتنعم بألوان من الحب .
الحب المشتاق الذى يفتح ذراعيه ليضمك , يجعل الإنسان يصنع المعرفة كما يصنع المجهول , ويحقق الحلم : " انت أسمرانى جميل , والقلب لك بيميل , من قبل مايكون لى نصيب وياك " .
والحب الطيب يحمله صوت الأنوثة الخالصة فى قوالب صغيرة من سكر النبات حاملا وعدا بالوصل , والبر بالقسم : " وان جتنى يامهنينى ندرن على العين والننى فرشت لك رمشى , أخطر عليه وامشى , من شوقى مابنامشى , باستنى حتى العمر مستنى " .
يتشكى الصوت من غياب المأمول , وأفول نجمه عند المحبوب فيتهيأ للعتاب على استحياء " مايلقش عليك تقل العاشقين يابو قلب أرق من الياسمين , تقدر تنسانى مش معقول ؟ " ثم يطمئن نفسه بنفسه فى بحر الحنين " هتلاقى حنانى منين ماتروح فى صوتها الينابيع تفيض كلما أعطت سابحة فى لطف الإشارة , وملاحة الدعابة , ومتع التعبير , أحبها الجميع , رقصت على صوتها البنات , تحزمن فى الأفراح , ورنت ضحكاتهن كما كانت ترن ضحكتها واسعة عريضة فتمتلىء القلوب عامرة بالدقات التى لاتلبث أن تتحول إلى مصابيح تطفىء وتضىء " يادلع دلع .. وبالحلوين تطلع , روحى حبت روحك , وقلبى فيك تولع " .
تحدق النساء الوحيدات فى بحار صوتها العميقة فيحملن حقائبهن , ويسافرن مع الشجن : " ساعات .. ساعات , أحب عمرى وأعشق الحاجات , وأحب كل الناس واتملى إحساس , وأحس جوايا بميت نغم يملا السكات , وساعات ساعات أحس أد إيه وحيدة .. وحيدة ".
تحب صوتها الأمهات وهن يضفرن شعور البنات , خصلة من فضة وخصلة من ذهب بأمشاط من عاج , وتصبح أغنية صباح لابنتها هويدا أغنية لكل البنات :
" أيام عمرى اللى جاية عشانك عشتهم , وسنين عمرى اللى جاية عشانك حشتهم , ياخواتى بحبها دى حبيبة أمها " .
صوتها يأخذك من عمرك فتعود إلى الطفولة ومباهج الصبا فى نقلات ووصلات غنائية كقفزات عصفور من غصن إلى غصن وهو لايدرك سحر مايفعل , يحول النهر بمنقاره من جدول لجدول , فى قوارير صغيرة وكبيرة معطرة بالمحبة , فتجد نفسك تغنى وأنت تحلم أن تتحول إلى عصفور : " يا أعز حبايبى وخلانى , ولاحد بيغلى عن التانى , لوكان ليا جناح كنت زمانى باطير بيكو وأعلى , يارموش العين سمى وصلى " .
صباح .. ثلاثة آلاف أغنية , وسبع وعشرون مسرحية , وخمسة وثمانون فيلما سينمائيا , وعشق عارم للحياة .



