بقلم : د. عزة بدر
أعد على سلاميات أصابعى ماتركت عليها من نخل وسعف , وأبراج حمام , وناطحات سحاب , وأرسم على معصمى تلك الأهرامات المتدرجة فى الأحجار والمعنى مضمخة بعطر الأجداد , مرصعة بالفيروز والعقيق , ومكتوب على أحجارها سؤالى تظلله شجرة ياسمينه التى لاتضوع إلا همسا : ماذا نقشت على جعران القلب فصارت له كل هذه الدقات المتوارثة أبا عن جد فتدفقت بالحب ؟
ماذا نقشت على هذه المسلات الفرعونية الممتدة من قلبى , من قلب طيبة القديمة والقاهرة الجديدة إلى ميدان الكونكورد فى باريس , ولترتفع سامقة فى سنترال بارك فى نيويورك , وفى لندن , وفى اسطنبول , المسلات التى أهداها الحكام إلى الحكام , والرؤساء إلى الرؤساء ! , أهدوا مالايملكون , ولكننا نقشنا على المسلات نفسها للشعوب : كلمات الحب , وتراث أول حضارة إنسانية عرفها التاريخ , ولم نكن ننتظر إلا الحب ذلك الذى قد لايعرفه بعض الساسة , وتفيض به قلوب الشعوب .
وهاهو حابى إله النيل يجمع أبناءه .. أحد عشر ولدا فيسقيهم من مائه ليسقوا البشر بملاعق من فضة , وفناجين من ذهب : شهد عسله فمن ذاق شربة منه عرف , وعاد إليه مرة أخرى , وهانحن أبناء النيل نغنى له ونملأ شاطئيه بالآلىء : " عطشان يااسمرانى محبة , عطشان يااسمرانى , املالى القنانى محبة , املا لى القنانى , يانيل يااسمرانى يانيل " .
أغنى فتتوقد روحى وتفرد جناحيها كطائر رخ , فى خوافيه خافية من زمرد أخضر مرصع بالمرايا , وياقوتات حمر مضمخات بالعطر , على كل زمردة , وعلى كل ياقوتة ذرفت كل أحرفى , كل مالدىّ من ماء الذهب لتجد على ذراعك هذا النقش الفريد من روحى وقلبى , هذا الوشم الأخضر بلون كحلى , والأحمر بلون اليواقيت وكل روح من وجدها تغنى : " من أى عهد فى القرى تتدفق / وبأى كف فى المدائن تغدق / ومن السماء نزلت أم فجرت من / عليا الجنان جداولا تترقرق " .
يا أعز الحبايب يااسمر :
لاشىء أعجب من ساقى وهى تراوح فى المكان نفسه عاشقة لشطآنك , وهذه الحدوات الذهبية التى دقها شاطىء واحد منها فى النهار على كعبى , يثبتها بمسمارين من فضة , ومدامك من مرمر .
لم تكن لى مثل هذه الساق من قبل , كان كل مالدىّ ساق من خشب أتوكأعليها يضعها العادون فى الليل فى موقد النار حتى تتلهب .. تصبح دخانا فلا أسير إليك ولكنى حافية أعدو إليك على جسر من شوك وأمل .
والآن أدرك ياصاحبى أن الحدوات الذهبية هى نفسها مجرات النجوم التى رفعتنى إليها , والمسامير والمدامك ماكانوا سوى رءوس أقمار تتخطف الأبصار فأسير إليك فى رحلة المجهول إلى المجهول , أطفىء مصباحى وأضيئه إشارات غرام حتى تخرج لى من ينابيعك البعيدة إلى دلتاك القريبة فأهتدى لحبك عند المصب , وأغنى لك : " يامالى وجاى يمتنا , ومعاك الهوى بيميل , اسقينى على محبتنا , قدام العزول ياجميل , اسقينى على طول , ولاتسأل فى عزول , يانيل يااسمرانى .. يااسمرانى يانيل " .
لم يجب أحد عن أسئلتى , ولاأحد يعرف كيف تجتمع يمامتان على حبك فلاتنقر إحداهما الأخرى و كلاهما تعرف أن لها نصيبا من عين مائك , وحتى الدمع مقسم بينهما بالعدل ساعة أن تهشهما بيدين كبيرتين إلى عشب الأيك , وتعقد بينهما صلحا وهدنة حتى الصباح فتبيتان فى هذه الغلالة على شاطئيك : سروة , وخبيئة تمر وحب .
.. أكانت هذه سرة الأرض , تلك التى تتفتح عامرة بالزبيب وشهد العسل تنساب فى صمت كنافورة , من بين رذاذ عسلها ألتقط مالى وماعلىّ : القبلات متناهية الصغر مثل أجرام سماوية بعيدة والهمسات فاغرة أفواهها كعصافير ولدت للتو , وقفت على مساقى ذراعيك , تأرجحت , وكل منها يحسد العصفور الفائز ببيت شعر : " لاتبخلوا بمائها على ظمي / وأطعموا من خيرها كل فم " .
كان هذا كل مالى من سرة الأرض , عصفور وبيت شعر أحفظه عن دق قلب , أما الذى كان علىّ : أن أحمل الكون بذراعىّ , وأن أسير به إليك , ثمة ثمرة جوز هند تسيل لبنا , وشجرة هائلة تسعى على قدمين .. شجرة زيتون لم تمسسها يد , وما رأتها عين , يمامها قادم من كل أيك وفج يملأ السماوات تينا وزيتونا فنسير من عتق لعتق أحرارا نمضى من عشق لعشق , وماعلىّ إلا أن أحمل الدنيا على ظهرى , وأسير بها إلى وطنى .. إلى كوكب الحب .



