الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

لم يغب الخال عبد الرحمن الأبنودى لأنه كتب القصة الحقيقية للحياة , نسجها شعرا وأغنيات عذاب ما إن نسمعها حتى تمسنا مس السحر , وتسرى فى قلوبنا مسرى الحب بدفئها , وحرارتها , وطفولتها فهو القائل : " الطفولة هى أم الشعر ومرضعته " .

 

أول ماأحببت للأبنودى هذا القسم والتلويح العذب بضرورة النضج , والإثمار والحصاد :  " والله إن ما سمريت ياعنب بلدنا لأجرى وأنده لك عيال بلدنا  ", سمعتها فاكتشفت لى دورا فى زمرة الأطفال .. أن أجرى وراء كل ثمر لينضج , وأن أتهيأ للحصاد  .

 

أول يمامة انطلقت من القلب لم تكن يمامة بيضاء " طارت يانينة عند صاحبها .. أصله يانينة يعرف لغاها " بل كانت يمامة أكثر جرأة انطلقت من أبراج حمام بدت لى أكثر شوقا لمعانقة الحب , والتحليق بأجنحة تتجاوز الشكوى لنينة , دفقة حب شقت عنان الفضاء , وتجاوزت الأبراج  فى أغنيات الخال : " آه يااسمرانى اللون حبيبى يااسمرانى , تحت الرمش عتاب وحنين , وعيون ماتنام , آه .. دقت معاك طعم الأيام .. دلوقت تغيب .. ياسلام , جونى سألونى جاوبتهم عنى دموع عينى " .

 

أول إصرار على الدخول فى حزب الحب و والانحياز الكامل لكل عاشق ومحب

كان مع أغنيات الخال : " لا حسلم بالمكتوب , ولاهرضى أبات مغلوب , وح اقول للدنيا .. يادنيا .. أنا راجع .. أنا راجع للمحبوب , ونغنى أغانى جديدة , مليانة حكاوى سعيدة , وهنغزل توب الفرحة يابويا , وح اقول للزين سلامات .. سلامات .. سلامات " .

 

الخال الذى رق وحن وتحنن فى أغانيه فعلمنا الرقة والتحنان ورفة الجفن ورذاذ مطر النظرة الأولى , نثار الكحل الذى يحيل القلوب برتقالات تتدحرج فى صمت أمام عين المحبوب " كحلة عينك ياوهيبة جارحة قلوب الجدعان , الليل بينعس على البيوت , وعلى الغيطان , والبدر يهمس بالسنابل والعيدان , ياعيونك النايمين ومش ساءلين , وعيون ولاد كل البلد صاحيين , تحت الشجر واقفة بتتعاجبى دى برتقانة ولا .. ده قلبى ؟ " .

 

الحب والبيت والانتماء للنيل , وصورة مصغرة لأبنود القرية التى تبعد عن القاهرة 750كيلو , فى أعماق الصعيد استحضرها الأبنودى بخياله وذراعه وبناها فى الإسماعيلية على بعد 150 كيلو من القاهرة , قطعة أرض قال عنها الخال يوما فى حوار لى معه " كانت أرض ملاحات ولكننى الفلاح عرفت كيف أستصلحها , وأزرعها , وأحصد ثمارها " , آمن بالأرض , وبالقدرة على البناء فأعطته , وبنى لنفسه بيتا فيها وغابة خضراء , كان قد غنى لها فى زمن الحلم وانتظرها فرآها رأى العين بعد أن شق لها بساعديه مجرى , وقمرا " يانجمتين ادوروا على سطح بيتنا ونوروا , بيتنا الصغير لأخضرانى , أبو الستاير برتقانى , فاتح شبابيكه يصطاد النسمة , النسمة النيلى الناعسة المبتسمة , بيتنا الصغير الجديد , أهو ده اللى باين من بعيد , كأنه خال على خد النيل , يانجمتين ادوروا علشان تشوفوا منظره , بيتنا الصغير لأخضرانى " .

 

انحاز الخال للبسطاء فأحبوه , عاش فى الحقول , وعاش حياة القرية  وعاش حياة الصيادين فكتب أشعاره وأغانيه , " إوعوا تحلوا المراكب والله , ياناس ماراكب , ولاحاطط رجلى فى المية إلا ومعايا عدوية , فى ايديا المزامير , وف قلبى المسامير , الدنيا غربتنى , وأنا الشاب الأمير " .

 

بكل هذه العاطفة الجياشة أسهم الخال فى الخارطة الشعرية لمصر , فواكب أحداث عصره بل سبقها بالرؤية الثاقبة , والحماس فزرع الأمل فى النفوس فى أصعب الظروف فكتب موال النهار بعد نكسة 67 " كل الدروب واخدة بلدنا للنهار , واحنا بلدنا ليل نهار ,  بتحب موال النهار , لما يعدى فى الدروب , ويغنى قدام كل دار "

 

وبعدها سافر إلى السويس ليسهم مع فرقة أولاد الأرض التى غنت للمقاومة بقيادة الكابتن غزالى , ولنغنى معه " يابيوت السويس يابيوت مدينتى أستشهد تحتك وتعيشى إنت يابيوت السويس " .

 

فى أحد حواراتى قلت له : فى ديوانك : " سيرة أحمد سماعين " صورت سيرة إنسان اكتشف بطولته عندما تساءل لماذا أنا مهزوم ؟ , كانت تلك خلاصة فلسفته فى الحياة , الإنسان يصبح بطلا ويحقق نصره عندما يواجه الحقيقة , ويصنع حلمه أويحقق أسطورته فأكد لى أنه كتب فى تجربة تعرضه للسجن - بتهمة الانتماء إلى أحد التنظيمات اليسارية – أفضل قصيدة كتبها على الإطلاق وهى قصيدة : " الأحزان العادية " ففى السجن يبلغ المرء ذروة صدقه الخاص لأن جدار السجن آخر جدار فى العالم , ليس بعده خوف ولاجنة ولانار , وفى السجن أيضا كتب سيرة أحمد اسماعين كرواية شعرية , ومحاولة لتحديث فن السيرة فقد ارتبط هذا الفن بالبطولات العنترية والهلالية أما سيرة أحمد اسماعين فهى سيرة إنسان عادى سأل نفسه فى لحظة صدق : لماذا أنا مهزوم ؟ .

 

كان هذا الحوار بمناسبة اختيار ديوانه " الموت على الأسفلت " ضمن أفضل 100 كتاب صدر فى إفريقية فى القرن العشرين , وكان الديوان مرثية كتبها الأبنودى للفنان المناضل ناجى العلى .

 

الأبنودى كان مثقفا موسوعيا أنفق ربع قرن باحثا وجامعا للسيرة الهلالية وقد قال لى عن هذا الإنتاج البحثى : " وقر فى ضميرى الأدبى فى منتصف الستينيات فكرة جمع تراث أهلى الفقراء خوفا من أن يندثر , كنت أومن أن التليفزيون والفيديو والوسائل الحديثة وميكنة الإنتاج قد تقضى على هذا التراث فسارعت بجمعه خوفا عليه من الاندثار ".

 

لم يغب الخال عنا لأنه كتب القصة الحقيقية للحياة ,  أدرك موال النهار , لم يغب الخال أبو الغناوى الفرحانين , والدواوين الشعرية  العديدة ومنها : " الأرض والعيال " , " جوابات حراجى القط لفاطنة سماعين عبد الغفار " , و" آخر الليل " , و" الموت على الأسفلت " .

 

لم يغب الخال الذى احتفل بالحب  فمست أشعاره وأغانيه قلوبنا بمس من سحر الأمل , وعشق الحياة .

 

 

تم نسخ الرابط