بقلم : د. عزة بدر
أشكرك لأنك جعلتنى بصنعة لطافة أضع قلبى فى ثلاجة , ودقاته فى الفريزر , وزقزقاته فى مكعبات الثلج ماء سوف يرتعش بأطرافه المثلوجة ثم يتجمد على مهل يتحول من ماء وشعور رائق شفاف إلى بياض ناصع لاشائبة فيه لماكان من حرارة الغليان وتوهج مشبوب .
أشكرك لأننى الآن لن أقعد لك بكل مرصد , ولن أراقبك من خلف نظارة 3d فأراك بوجهين مختلفين فى نفس اللحظة فى سينما الوقت!, ولن أضطر لعمل نظارة شمس فى مساحة مستديرة خالية من الزجاج فى خوافى الجرنال لأقرأ بأعين محدقة نظرات عينيك لأخريات.
أشكرك لأننى لن أفك بعد الآن مرتبة سريرى ووسادتى عشرات المرات , وأنفض قطنهما المندوف بعصا المنجد وهراواته وأهوى على هذا القطن الأبيض ليعترف بعدد ليلات سهرى وأرقى , وسنوات يقظتى على فراش من شوك .
سأغرس فى لحافى إبرا مشوكة , وأقطر أصابعى قطرات من ورد أحمر لتتذكر جيدا كلما نمت أو سبحت فى بحره الهانىء العميق ماأفردت لى من هوات الشك والشوق , الحفر التى تولاها قلبى المجنون يحول لها بفنجان صغير عذابات نهر ينهار فى المصب , ويبحث عن طرق ا لرجوع إلى عينين تمتلآن بالدمع والعسل وصخب الكحل يفنى المراود فى الخدور .
أشكرك لأننى لن أضطر لإراقة مزيد من زجاجات صبغة اليود على جروح الورود و إضافة التوتيا الزرقاء على لوحة بيضاء لم تخط فيها حرفا ولاخطا .. لوحة شاهقة البياض وعدتنى فيها بطيور حمراء وخضراء وصفراء تغنى فلم أجد سوى مساحات الفراغ أملأها فى الليل وفى ماتيسر من صباح بمواقيت جديدة للقمر فى عز الظهر , وأهلة للشمس تتلهب وتتقلب فى موجات محمومة من الحر والبرد .
أشكرك لأننى لن أهرع إلى بائع الحروف فأنضد حروفا نحاسية باسمك لتتجلى أباريق على صدرى , ولاحروف جر تجرنى من شعرى وتصلبنى عقودا من قواقع تتمشى عليها ببطء ومرح ! , لتتكسر القواقع على القواقع كما تكسرت على قلبى النصال على النصال .
الأصداف نفسها التى كنت أوشوشها باسمك اكتفت بالرمل وفقدت الأمل بأن يتحول ذات ليل إلى لآلىء , أشارك الأصداف شعورها نحوك , وأمحو بيدين مرتعشتين آثار النحاس المتخثرة الخضراء على يدى فأجد حروف اسمك ماثلة كالوشم فأشكرك لأنك تركت على يدى أثرا لايمحى وأصابع لاتغيب ! .
أتردى من ناطحات غضبى ومن سفوح رضاى , وأهمس : أفتقد كذبات فمك الصغيرة التى تتسلل إلى شفتى كالقبل , وإلى أذنى أقراطا , وإلى يدى خواتم من ذهب وفضة بفصوص بها قناطير مقنطرة من كذبات لامعة تبرق وتتجلى وتسيل من شهد العسل .
" بياع الهوى راح فين ؟ .. يامحير دموع العين / وعيونك ياغالى ياغالى بتسهر ليالى ليالى / وتخلى السهر سهرين / بياع الهوى راح فين ؟ " .
من ذا يهدينى الآن كوبا حافلا بالماء والصابون المعطر لأصنع البالونات التى أحبها لنفسى , أقرب دائرة صغيرة مفرغة من فمى , وأنفث سحرى , ينطفىء كل شىء فى لحظة لأرقد فى صحنى كلعبة بزمبلك تغطس وتسبح ثم يتوقف الزمبلك فيقول الرائون " حمادة يغرق " .
من حمادة ؟ .. لايعرفونه .. أنا وحدى أعرف اسمه كاملا ورسمه .
إنه كل ذات غارقة فى ذاتها , مستغرقة فى تأمل أوانيها المستطرقة التى مهما تعددت أشكالها فهى على نفس النحو من الامتلاء بوهمها , بسيول ملونة بالشوق والتوق إلى الحب ولاحبيب .
أضطر لإخفاء صورك فى قلبى , أنقلها بهدوء من أذين إلى بطين , ومن غرفة إلى غرفة متجنبة سرعة الدقات , الضربات الطائشة فى قلب يلقى بنفسه فى ماء الهلكة ثم لايفيق إلا ساعة أن يتنادوا لإنقاذه من الغرق .
" قل لى ياقلبى قوام وحياتك / دقاتك مش دى دقاتك / لأ وحياتك ناقصين دقة / فين وديتها ؟ "
أشكرك لأنك أتحت لى الفرصة أن أعشق أغنيات لذاتها وأقتنع بها إلى حد يجعلنى أبحث عن أصحابها لأقاسمهم سهم الكلمة وجرح المعنى :
" إبعد عن الحب وغنى له , وان فات عليك إياك تناديله / خليك زينا فى حياتنا هنا لاخدنا منه ولابنديله " .
وأن أتجنب أغنيات بذاتها بل وأعترض بصوت عال على خروج أم كلثوم عن المعنى وهى تغنى , يقول عبد الوهاب محمد " سبتك من غير حتى مافكر هقدر أسيبك أو مش هقدر " , فتقول الست مايعزز حنينى " أنا مش هقدر " ! ثم تتساءل ببراءة " كانوا ليه ليه بيفكرونى ؟ " , ويصفق الجمهور وأبقى مذهولة أمام الموقف المناقض للصوت أمام سرعة مرور الصورة .. صورتك .. البرق الذى يسبق الرعد والنكوص الذى يسير بى إلى الحنين .
أشكرك لأنك تجعنى أستدعى الغضب من مكمنه فتلمع عينى بحرب أطاليا , ويتألق الدمع من زجاج يتكسر فى عينى كنظارة هوت من الشرفة إلى الشارع , ونزلت بلا ذراعين وبلا شنبر , فقط عيناى تتقافزان على الأرض .. ترتجان بالغضب والدمع كالبلى الملون الشفاف الذى تبدو دمعاته ملونة فى العمق بألوان الطيف , أعدو وراءه وهو يتدحرج من ارض إلى أرض .. ومن عالم إلى عالم بين خطوط الطول والعرض و يقف عند خط الاستواء محموما فأبحث عن قلبى الذى وضعته منذ قليل فى ثلاجة , وفرقت دمه بين مكعبات الثلج والفريزر فلا أجد سوى شرابا طهورا يتدفق من جهنم حبة جوز الهند ساخنا .. عذبا .. دامعا .. باسما .. منعشا .. مسكرا فلاألبث حتى أعتذر عن غضبى وأنحنى لأشكر ما أهديتنى من عذابات.
شكرا .. شكرا من شغاف قلبى
"غطى هواك وما ألقى على بصرى " .



