بقلم : د. عزة بدر
فى الثانية ظهرا أغلقت الدكان على الغزلان المحبوسة فى سطور القماش .. ربما ذهبت للغداء .. فكرت فى أن أنتظرها على باب المحل أو على كرسى بجوار الدكان المقابل .. آثرت أن أتمشى حتى تعود .
لابد أن أحرر الغزلان .. كل الغزلان التى بقيت فى حوزتها , وتغلق عليها بكل بساطة , تنزل الصاج الذى يحدث صوتا مدويا , وتحكم الأقفال الصلبة فى أسفل الصاج , والغزلان بالداخل ترتعد بين طيات القماش وسطوره .. تتململ من وقفتها فى جلابيب شتوية لاتدفىء , تعرى ولاتجد مايغطيها , تجوع ولاعشب , تعطش ولاعين ماء , راقبت الحركة فى المكان , وددت لو حصلت على بلطة لأكسر الأقفال , تراجعت عن الفكرة بعدما وجدتها عائدة .
- صديقاتى أعجبتهن الغزلان .. أعطنى جلبابين
ابتسمت .. وضعت الغزلان على يدى , كل الأمر بالنسبة لها أنها تخففت من أحمال من قماش , وقبضت ثمنها لتضعه بين ثنايا غلالتها , حررت الغزلان , حملتها على كتفى , فى فرحة أقبل أفواههم وسيقانهم , وهى تنظر لى بدهشة من ينتظر أملا لايجىء , وأمنية لاتتحقق , تجلس فى انكفاء على مكنتها , أمامها أكداس من القماش وبكرات من خيوط ملونة , تطلعت إلىّ , دفعت بأحد الجلبابين إليها .
- كنت تشتهين واحدا
- آه ... يذكرنى بزوجى والبلاد التى تركتها فى البعيد
- هو لك والغزلان
اتسعت ابتسامتها .. احتضنت الغزلان بين سطور القماش , قبَلت أفواههم وأقدامهم تدنى منهم خيوط ملونة من البكرات لعلهم يقاربونها , يحسبونها عشبا وكلأ .
رن هاتفها وغنى : " ردنى إلى بلادى مع نسائم الغوادى .. مع شعاعة تغاوت عند شاطىء ووادى " , ردت على محدثها ثم عادت تقبل الغزلان فى سكون .
- عندنا نسمى هذا " الجاكار" على تنوع رسومه " أغابانى " , كان زوجى رحمة الله عليه ينسج بيديه هذه الغزلان على النول فتجرى , عندما ينفلت واحد منها يبتسم ويقول : دعيه حبيبتى سيعود , الغزلان يشتهون الحنان , لهم مايشاءون عندى فأنظر إلى عينيه العميقتين وأشتهى أن يلثمنى , أقترب منه , وأتمسح فى جلبابه , أقبل أكمامه وأمرر خدى على الكمين فيترك المغزل والنول والغزلان لترمح فى ساحة البيت , ويضمنى بذراعيه تصبح الدنيا هذا الموضع من صدره , وتصبح الجنة روضة من رياض ذراعيه , لايدعنى حتى يتذوق عسيلتى فأهمس :
- الغزلان يروننا
فيقول : دعيهم يتعلمون الحب , سأطلق سراحهم من أجل عينيك , ويطلق بكرات الخيط الصوفية لتملأ ساحة البيت , تجرى وتجرى , تسد على ّ الطريق إلى المطبخ وحجرة نومى , تقبل كعبى , وأطراف ملابسى فيبتسم .
- البيت كله لك , وفداك الغزلان وقلبى
- لكن الحسناوات ينتظرن غزلانك فى الفساتين وفى المعاطف , لاتخذلهن من أجلى
أنت بزاز المدينة وحائكها .
- أقسم ببردى أن لاحسناوات سواك
فأقنعه أن يعود إلى النول ليغزل للحسناوات مزيدا من الغزلان .. " أغابانى " .
أشارت إلى " الجاكار " وسطور القماش , التمعت فى عينيها دمعة كبيرة حائرة , رن الهاتف وانبعثت أغنيتها :
- " ردنى إلى بلادى مع نسائم الغوادى .. مع شعاعة تغاوت عند شاطىء ووادى "
عادت تحرر الغزلان تفتح الصدر على الأكمام , تشق الجلباب لتخرج الغزلان أحرارا .. يأملون بالحنان.. بالعشب والماء .
تقول : جارتى وأولادها كانوا يريدون الرحيل إلى السويد , باعت ذهبها كله , وأخذه مقاول أسفار وفى الطريق داهمت الشرطة الباص و وقبضت على الجميع بتهمة الهروب من القصف , ومن ضرورة مواجهة الرصاص , احتجزتهم الشرطة يوما واحدا ثم أفرجوا عنهم , لامال ولا أمان سيدتى جاءوا برفقتنا .
مسحت دمعتها الكبيرة وواصلت " زوج ابنتى عيّط عليها أمامى , كاد يضربها بزجاجة الكولا على أم رأسها , لايريدنى معهم فى البيت و إلى أين أذهب وإبنى ..
عمره تسعة عشر عاما , إلى أين نذهب ؟ , نعطى لزوج ابنتى نصف الإيجار لنسكن معهما فإذ به يريد ان يرحل بعيدا , إلى أين نذهب ؟ , لا آخذ منه شيئا فأنا خياطة .. آكل من تعب يدى وكدى .
طوقتها بالجلباب وبالغزلان , انظرى .. كم يحبونك , يحبون عمل يديك , أنت حررتهم , تفكين إسارهم ليجدوا الماء والعشب , انظرى إلى البكرات الملونة تتدافع تجرى كثمار من ذهب .. تقبل أقدامنا وأطراف ثيابنا , معا نحررها , نعيد تشكيل حركتها , ندفع بالنبض إلى لوحة الحياة , تبتسم .. تمرر يديها على سطور القماش
- " أغابانى "
الغزلان يتقافزون , يلعبون بالبكرات الملونة , يشرئبون بأعناقهم إلى الحائكة .. تتدفق عيناها بفرح غامض , تهمس : ربما أستأجر غرفة , أفرش بطانية فى الشتاء وأنام عليها أنا وابنى , ربما ألتحف السماء وأتغطى بالأرض حتى لا أرى زوج ابنتى يعيّط عليها , ويضربها أمامى بزجاجة الكولا .
سأنام وأنا أحتضن الغزلان , أصحو وأنا أعانقهم , تحتضن الجلباب بكلتا يديها .
قلت لها : لنشق عروة فيه لتخرج الغزلان , وتعرف الطريق إلى العشب وعين الماء , عروة كالوردة تمر منها كما يمر الجمل من سم الخياط فتمضى الغزلان من عروة الورد إلى الغابة الأحن .
تمسك بالمقص لتشق العروة , تعود الدمعة الكبيرة لتملأ عينها .
- رفيق ابنى أغرته الوعود فذهب بسبب الحاجة ليحمل السلاح , يعطونه ثلاثين ألفا فى الشهر فلم لايذهب ويقتل الناس ؟!
تنزل الدمعة من خدها إلى أعين الغزلان تهمس : بالأمس عاد مقتولا .
تمد يديها إلى طرف الجلباب .. يصعد غزالان يلعقان دمعتها .. يغنيان
- عيناك عينا ماء
عيناك جدولا حنان
تفتح العروة .. عروة الورد واسعة كجرح كبير , دمعة يسيل منها الندى والخوف رويدا .. رويدا تخرج الغزلان لامعة الأعين تملأ الدكان عن آخره , وتمضى إلى الخارج .
يصعب عليها فراق الغزلان , أهمس : اتركيهم فهم يحبون الحنان , أحرارا يمضون إلى صدور الحسناوات , يجرون من النهود إلى الأكمام , يتحررون من سطور القماش , يتقافزون بحرية , ويغزلون بأنفسهم فضاءات وعشبا .
ترقص المغازل بين يدىّ بزازة المدينة وحائكتها وتغنى :
تشربين من بردى
تقبلين خدود النيل
الحسناوات يردن " الأغابانى "
ويرددن الأغانى :
" ردنى إلى بلادى مع نسائم الغوادى
مع شعاعة تغاوت عند شاطىء ووادى "
تضحك لأول مرة من قلبها .
فأهمس لها : اذكرينى كما تذكرين الغائب والغريب والحزين والوحيدين
اذكرينى كما تذكرين الغزلان بين سطور القماش
اذكرينى كلما خرج من عروة الورد غزال باحثا عن غزالته , منطلقا إلى غابة الحنين .
فضحكت وبكيت .



