الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

لطمنى البحر وأنا صغيرة , خمشنى بأمواجه .. بأظافره المسنونة , لطمنى بزخة من قواقع , وردمنى بالرمل , ومع ذلك كنت أنظر فى مرآة قاعه , أوشوش صدفاته وأسمعها تردد همسى فأحبه .

لاحيلة لى فى قلبى , فى هذه القشور السمكية المثنية بعمق إلى الداخل ناشبة أسنانها فيما تبقى لى من حنايا وخفايا , تسير بى إلى القاع رويدا

رويدا , مثقلة بحياتى البرية , بالسبّاحين الذين حاولوا إنقاذى فأتحول فى غمضة عين إلى ناجية وغريقة ! , أمسك بكل المجاديف القديمة وأهوى بها على طرقهم السالكة إلىّ , أشير لهم بالحراب براية حمراء من دمى , بجمجمتين لى فى يدى .. أن ابتعدوا .

من قال أنى أريد أن أحيا مثلكم على هذا النحو مسجونة فى الصدف .. من قال أنى أريد حياة البر الساكنة , تفوح منى رائحة حوادث السيارات , وضحايا القتل الخطأ , وروائح الذين ماتوا فى الأسِرّة فى سكون دون سبب واضح .. أولئك الذين قضوا دون أن يعرفوا لماذا قدموا إلى البر , ولماذا مضوا ؟ ! .

عبثىّ هذا البر , يستسلم لحكم القدر بينما أختار لحظة حياتى وموتى معك يابحر .

أطوِح فى وجوههم بأطواق النجاة .. ابتعدوا .. جدير هو البحر بى , جدير بى الغرق ! .

بحكم اللآلىء .. بحكم مافتحت من صدف , وما قرأت على جبين القناديل الزرقاء الكاوية من لهف ومن شغف , جديرة بمغامرة الحياة والموت والبين بين لأننى استطعت أن أقرأ ماكتب لى على ماء البحر بأصابع من شوق وخزف , أقص أثر الأمواج على الرمل , وأعرف إلى أين تروح ومن أين تجىء ؟ .

من النبع إلى المصب ترتجف .

عريانة  هى الأمواج .. بالرذاذ تلطمنى , عريانة تشبهنى , فاغرة الفم مشوقة لما تيسر من بحر ومن َزَبدْ .

لايمكنك أبدا أن تمسك بالسعادات الذاهبة ولا القادمة ولا القائمة على خُفين من خيبة وأمل .

لايمكنك أبدا حتى لو ذهبت إلى آخر العالم أن تتنبأ أو أن تكتشف سببا للحب عندما يندلع ولا للفراق عندما يتأهب ثملا بالحزن يطيح بالأكواب وبالشراب وبالطعام وبأجنحة الطير وبأفئدة البشر .

من على طاولة البحر يمكننى أن أخمن ألف سبب وسبب , ولكننى لاأعرف حقا كيف يولد الحب بين عينين دمعا يكتحل ثم يلقى بالمكحلة والمرود والكحل إلى البحر بلا سبب .

كيف يولد الحب شوكة فى الحلق تنشب حلقاتها ثم لاتنفرج .. كل الحلقات إذا ضاقت واستحكمت فُرجت إلا هذا القلب الواقف على أبوابه لايعرف أين يضيع سلسلة مفاتيحه كل ليلة فلا يدخل إلى بيته أو يحصى دقاته كتاجر خاسر يفتح دفاتره القديمة فربما يجد دقة واحدة باقية كالجرس وإليه قد تنتبه وتدق ناقوس الخطر , يحيا مع التوق والشغف والنزق .

للليل أن يذهب وحده إلى سريره , للقمر أن يذهب وحده وراء الأفق إلا هذا القلب المدجج باليأس وبارقة الأمل .

لطمنى البحر .. أكلنى الملح .. رمانى للأبد

ولكننى سأكتب وأنقش على الأمواج :

لست للبر

جدير بى البحر , أحل سفك دمى , توجنى بالزَبَدْ .

2 -

قلت للبحر : يا أبى .. ياعمى .. ياخالى

ياأخى .. ياقلبى .. ياروح قلبى .. يا كل مالى .

ضمنى .. خذنى إليك

اجذبنى من ضفيرتى ويُتمى

أعطنى موجة واحدة

أدور معها وأحكى عن الذى يجرى على البر .. أريد أن أحكى

أن أتماثل مع حبة رمل , أتماهى مع جثة الشاطىء .

أدخل قلعة من صدف .. نسيها إنسى من ألف صيف فائت , نسينى ومضى , وها أنا ذا أولد تحت الرمل أقداما حافية فتعترى البحر رعشة تعرى الشاطىء لينقر من رأسه الطير فأعصر بحرا من شاطىء

وشاطىء من بحر .. أحيا وأهتف : يا أبى .. ياعمى .. ياخالى .. ياأخى , ياقلبى , ياروح قلبى اجذبنى اليك .. ضمنى .. خذنى إليك .. اجذبنى من ضفيرتى ويُتمى

أعطنى موجة واحدة

أدور معها وأحكى .

 

3 -

لم  أكن لأكف عن ملاحظاتى الطائشة للبحر :

رذاذك إلى جانبك , قواقعك فى فمك لاتقرقشها رمالك لاتنثرها فى وجه القاع , خصلات شعرك من ذهب لاتقصقصها  , عرائسك تحت قدميك .. لاتذهب إلى إحداهن وتقول لها : تعالى

أمواجك على ظهرك لاتنزلها ثم تبحث عنها فلاتجدها , قرص شمسك يغطس ويظهر بين ذراعيك فلا تكلف نفسك إلا وسعها .

كدت أن أضعك يابحر فى زجاجة , أقلِم فيها رعدتك , ثورتك , وشوشتك , وصياحك ! .

غلبتنى أمومتى ولم أفلح مرة أن أنحنى كحبيبة تعطى للموجة انحناءة طويلة حتى تمر وتمضى

لم أستطع أن أبتلع أوامرى  ونواهىَ كأم عتيقة

كجزر لائمة , وجزر صديقة ! .

 

تراك فررت منى يابحر ؟

الحق كل الحق معك

لم أفلح أبدا أن أكون معك مويجة رقيقة , أهمس

وأنحنى كعروس تغمض وتفتح عينيها بأمرك , تمد رقبتها للأمام .. وفمها إلى شفتيك :  وتهمس  : " حبيبى .. حبيبى ! " .

قدرى يابحر أن أضع لك إطارا مذهبا , وألبسك نظارة طبية , ورباطة عنق .

قدرى أن ألوى ذراعك إلى الخلف ,  وأُقَبلك عنوة أمام الموج والطير والناس فلايخزوننى

سأقول : أنا أمك يابحر .. أنا التى ولدتك وحبل سرتك فى يدى , وأنا التى سميتك بحرا , وانتقيت لك هذا الاسم من قوائم أسماء بحار زرق وحمر وشقر .

بحر ابن بحر

هكذا قلت لمكتب مواليد برج الماء والعواصف , وأنا أمه نجمة بحر بخمس أصابع .. دمى أزرق ملكىّ من فصيلة دمه وأبوه غيّبه فى الزبد فى ّ .

لم أكف عن الملاحظات الطائشة لك يابحر أنا التى حولت المحيطات بفنجان لأضعه أمامك ممتلىء حتى الحافة بالطحالب الخٌضر .. بالعذب والمالح , أنا التى حولت المحيطات بفنجانلترشف على مهل أسماكا غيرى , وتعانق الحلائل والخليلات من اللآلىء واليواقيت , و بعيدا هناك منتظرة دورى ! , وضعت أصابعى فى شق البحر , وفى فم العواصف , فى فج برزخ بين العذب والأجاج , أنا التى أردت أن أضع البحر فى زجاجة حليب فشق فمى

هالك قلبى أمامك يابحر , و لم أكن لأكفعن الملاحظات الطائشة فهربت يابحر ولاأخالك ستعود .

فى إعلانات الجرائد يبحثون عن المفقودين فأبحث عن غائبى وأهمس فى مساحات البياض , فى مساحات الزُرقة , فى الهامش بين الموجة وأختها , فى القاع الحميم , فى القلب المليم , غائبى .. هل تعرفونه ؟ .. هل مضى أمامكم فى ثورته , وسكونه ؟

" ذهبىّ الشعر

شرقى السمات

مرح الأعطاف , حلو اللفتات كلما قلت له : خذ .. قال: هات .. ياحبيب الروح يا أنس الحياة " .

فأمضى لا أدرى شيئا عن البحر الذى ضيّع الشاطىء , ورقم الهاتف , حوائط الجسد الرقمى والعتمات , وقمرات البحارين , وهلب السفائن .

أمضى كما يمضى الملاح التائه لاأدرى شيئا فمن ذا الذى يدل تائها على تائه ؟ ! .

 

تم نسخ الرابط