بقلم : د. عزة بدر
1_ الست المستحية
لم تكن تريد أبدا أن تشترى نفسها أو تفتديها ! , تحكم طرحتها على رأسها , تخفى مفرق شعرها اللامع بلون الحناء , تجيد فن إخفاء طرتها , كل الأهلة التى تشرق من مفرقها لتضوىء سماء البشر , وكل الأمشاط التى تساقط بلحا وسعفا ونوى , قرطها يتدلى بثلاثة أدوار على كتفيها , وشمها الأخضر أسفل ذقنها , طابع حسنها على حاله نائم فى هدوء ودعة مثل فلقتى بلحة .
لم تكن تريد أبدا أن تشترى نفسها أو تفتديها , تخبىء أوصالها , تلجم تفاصيلها بحبل من ليف وتسير فى حالها , وكان واقفا بعربة يده , يسوى أكوام " الحرنكش " ويهتف من قلب ملتاع
- " حرنكش "
تخفى لوعتها , وتغضى , تشد طرف الطرحة , وتتكسر رموشها رمشا .. رمشا على خديها , تمعن فى الاختفاء فى كرانيش جلبابها أكثر وأكثر
- " حرنكش "
يصلها صوته فيرتعش قلبها .. تصلصل جوانحها , وتسمع فى قدميها رنات خلخال قديم فتتراقص خطواتها , ويهتز صدرها رغما عنها تقافز حبات عقدها الكهرمان على نهديها , اقتربت فى حياء , قدم لها حبة حرنكش وأزال عنها قشرها الخفيف الهفهاف , التقطتها بأسنانها , حدق فى صف أسنانها الأمامى والتحتى أضاءت له قمرة ما فى سماء ما , فى نهار ما أو فى ليل ما ... لايدرى
- " حرنكش "
رمقت صوته بعينين ساهيتين , وجالت فيهما دمعة , همست بصوت مرتجف
- فى البلد عندنا يسمونه " الست المستحية "
رمق طرحتها وقرطها وعقدها بنظرة غزلة أطالها فكادت تبكى , همس :
- قصدك " الست المستخبية " ؟!
تلاحقت أنفاسها , كبش وأعطاها ففردت ذيل جلبابها , امتلأ حجرها بحبات الحرنكش , وكانت يداها لاتسعفانها , أوراق " الست المستحية " تتناثر من نسمة هواء , هبات من لفح نار فمه تجعل البذور تتلهب , وتنمو الثمار , وينغرس فى الهواء العميق صوت كروان بعيد : " ياعاشق الورد وحسنه / ده الورد مايل على غصنه / ماتهنى قلبك بمحاسنه / حبيبى / لو كان حبيبى يندهلى / أنسى حبايبى وأفوت أهلى / وأفرح بقربه على مهلى / حبيبى / دى فرحة العمر بحاله / يوم الفؤاد مايروق باله / يضحك زمانه ويصفاله / حبيبى / دانا وردة نادية وتشبكها / فوق صدرك لما تملكها / دلوقت حامى عليك شوكها / حبيبى " .
, كانت الأوراق الخفيفة تتساقط مثل خريف مهزوم أفسح مكانه للربيع , وكانت تلتقط بأسنانها الحبات اللاذعة وترتجف ناظرة إليه , هو يقول : " حرنكش " وهى تقول : " عندنا فى البلد يسمونه ... فيقول أعرف .. أعرف , قلت لى ذلك قبلا يا الست المستحية , توارت خجلة بينما كان يقضم بأسنانه مثلها الحبات ويلتذ , لم يكن لأحد أن يراهما على الرغم من أن الشارع كان واقفا على ساق واحدة , أنزلت السماء سترها عليهما ومشت تحجل على الأرض بقدم واحدة , ونزلت نجمة من مقعدها العالى , تركت ركية النار , وتنعمت على قرص فحم نارجيلة , ورقصت عن كثب وهى على قيد خطوة واحدة من النار , هتفت النجمة بالمارين والسارين والواقفين والجالسين والركع السجود :
- رحمة الله على العاشقين .
2 _ فراولة
لم يكن يظن أن قطيفته البيضاء الناعمة تلك التى تستكين بالداخل الحميم سوف تسحرها إلى هذا الحد , هو مجرد قرن فول حراتى يحمله صاحبه البائع الجوال إن باع باع , وإن جاع وركدت بضاعته كلَ وأكلها ! .
لم يكن يظن وهو مجرد قرن فول أخضر أنها ستتعشقه إلى هذا الحد تضعه مثل قرن فلفل حار فى سلسلة على صدرها أخضر لاهبا .
لم يكن يتصور أبدا أنها ستصنع منه سلسلة وسوارا وخاتم عشق , وأنها سوف تخط اسمه بشفتيها الحمراوين , وتلفه على جسدها كله كزنار جامح وراقص وجميل .
نظر إليها بعمق , تلك الحبة من الفراولة وهو يساءل نفسه :
- إيش جاب لجاب ؟
قرن فول وحبة فراولة ؟ , خضار وشعلة من جهنمية حمراء , إيش جاب لجاب ؟ يتردد فى جنبات نفسه صدى صوته , ولكنها كانت تقترب , تتجاوز إليه أكواما من الفول الحراتى , تعزف معه لحن ألحان ,و أحلى كلام , ولونا جديدا من غناء يهيجه الاختلاف , ويثيره قرب وبعد , ابتسما معا لصاحبهما البائع الجوال عندما وضعها هى حبة الفراولة الحمراء المعسولة على قمة هرم الفول الحراتى , كان جبلا من محبة , رمقه العابرون بدهشة وتعجبوا من الجبل الأخضر الذى نبتت فى قمته زهرة حمراء , كان كل شىء كما لو كان لم يوجد من قبل , الدنيا نفسها لم توجد من قبل , ولاالسماء كانت لها تلك الطوابق السبعة عشر ولاالأرض كانت لها خطوط طول ولاعرض ولااليوم كان يومين ولاالساعة كانت بسبع عقارب وبلا وقت , فى البدء لم يكن أى شىء سواهما فى قرطاس من ورق الأسمنت البورتلاندى لايشمان إلا رائحة الأرض والعطر ولاتعنيهما فى شىء رائحة عوادم السيارات التى مرت خجلة فى صمت واعتذار , وهاهو صاحبهما البائع يزنهما لامرأة ما ويقول لها مشيرا إلى حبة الفراولة :
- وهذه فوق البيعة !
فرحت المرأة وهمس قرن الفول الأخضر لصاحبته :
مرحى .. مرحى .. أجمل بيعة
فقالت من شغاف قلبها :
- أجمل بيعة فى الدنيا
وظلا بين بيعة ومبايعة يتبادلان النظر والبائع من ذهوله لايبيع , ويعجب أن لاأحد بعد هذه المرأة وهذه الفراولة وهذا القرن من الفول , لاأحد يشترى , فقط خلسة المختلس ! .
3_ نبق أخضر
لم تكن تتصور أبدا أنه بعد أن التقط سلكا صدئا من الأرض ورشق به حبات نبق أخضر ليصنع لها سوارا أنه سيتركها هكذا تتضور جوعا إلى النبق ولاتكاد تصبر على سوارها , تمد فمها إلى حبات السوار , تشمه ولكنها لاتقربه , كل نبقة تعنى سنة من الانتظار , تكاد فى كل لحظة تفرط حبات النبق لتسد رمقها , وفى كل مرة تثوب إلى نفسها , وفى ليلة أرادت أن تتوب عن انتظارها فقررت أن تفرط حبات النبق جميعا وتدسها فى فمها لتنقذ روحها من الهلكة .. أشرفت على الحلكة والقمر فى المحاق , وهى تنظر بحسرة إلى السلك الصدىء الذى يجمد على أطرافه حبات النبق الأخضر الذى سال دمه الأبيض المعسول على جدران السلك الذى لم يشعر به أبدا ولااهتز لمرآه , تمنت فى لحظة أن تترشف من عسل النبق .. قاربت السوار , وفى لحظة فارقة شكها السلك الصدىء .. نزفت شفاهها دما فتراجعت إلى الوراء تبتلت إلى السماء ضارعة , هزت شجرة لوعتها , لوحت بالسوار للسماء فاهتزت لحبات النبق الطاهرة النازفة المهدرة .
أبرقت وأرعدت السماء وتنزلت منها سحابات ممطرة تحمل طيرا تتدحرج من أفواهه حبات نبق جديدة حلوة
أربعين يوما صار النبق يتدفق وأربعين يوما صارت تكبش من النبق وتعطى لكل عابر , وقد نال من سبق , وفاز كل من صبر , واشتفى كل من عبر , واستسقى كل ظمىء , وأطعم كل فم طعمة , ولم تزل حتى عاد حبيبها من السفر .



