بقلم : د. عزة بدر
مررت مع الأرض بين الشمس والقمر , غطيت بجدائل شعرى القمر الهائل ساعة كاملة .
ألم ترنى ؟!
اكتمال قمر وخسوفه فى آن واحد ظاهرتان فلكيتان يقف أمامهما العالم بدهشة , واكتمال حبى لك وخسوفه فى آن واحد لاتقف أمامهما للحظة ؟!.
نزف القمر دمه بالكامل فى تلك الليلة , والذين أدركوه افترشوا الأرض ليروه دون أن يذرفوا دمعة , يغرنهم وهو يرقص مذبوحا بعد أنصاف الليالى .. شوهد كاملا ومربوطا من ذراعيه , ومجروحا فى قبة السماء , ولم يسألوا ما سر عذاب قمر الليالى ؟ .
كان أكثر سطوعا من أى يوم , كان أكبر من أى قمر عادى عندما كانت أم كلثوم تغنى " القمر من فرحنا هينوَّر أكتر , والنجوم هتبان لنا أجمل وأكبر " ظن الواقعيون أنها مبالغة شاعر غنائى كبير هو عبد الوهاب محمد , وخيال جميل سقته لنا كوكب الشرق بملعقة ! .
ولكننى كنت من قلبى أصدقها , أحدق فى القمر كل ليلة ليكبر على هذا النحو , منذ ثلاثين عاما وأنا أنتظره ليصبح عملاقا فأتعلق بذراعيه , والآن هاهو فى بؤرة عينى يكبر مذبوحا كحب لم يكتمل , يذكرنى بكلمات بطلة إحدى روايات محمد عبد الحليم عبد الله – وكانت مهددة بقطع ذراعها – تقول : " كلا لا تقطعوها , لم يشفع للوردة العطر فكيف يحملونها غير نفاحة ؟ , ولم يشفع للبدر التمام فكيف يطالعونه فى ساعة خسوف ؟! " .
وهانحن نطالعه فى ساعة اكتمال وخسوف معا .
الفلكيون يقولون أن قمر الدم وصل إلى أقرب نقطة له من الأرض , ولكنهم لم يقولوا أنه كان فى كفى , وأننى تلك العاشقة التى وقفت كجدتها الفرعونية فى يدها سمكة حمراء
وفى يدى قمر أحمر ! , لم يقل الفلكيون شيئا عنها وعنى .
.. فلماذا لاأقف الآن وفى كفى قمر أحمر على بابك ؟ ولماذا لا أبيت هناك فى حجرة خلفية كإصيص ورد .. كنبتة صبار فى مخيلة البيت , وفى ساحة دارك ؟ .
لم ترنى وأنا أمامك اكتمالا وخسوفا , عشقا وفتورا , مدا وجزرا , عقلا وجنونا , عاطفة وألواحا من الثلج .. خريفا وربيعا .. صيفا وشتاء , وفى كل الحالات يحدث ذلك وأنت نائم على أريكة الوقت , لم تر للحظة واحدة قمر الدم .
أنثى الأيل وضعت هبتها للعالم , وضعت " منة " ومنة بنت " نوال " من سلالة الغزلان النادرة التى عاشت فى غابات أوروبة وآسيا , والآن تلد غزالتها بين أسوار حديقة الحيوان عندنا , ولم ترها حين جاءت تلقط عشبة خضراء بين يديك
ماذا أفعل إذا كنت أنا ثالثة الأيائل التى لم يصفق لها جمهور الحديقة ؟, ولم يلتقطوا لى الصور معها , كنت وحدى ألتقط لنفسى صورة ( سيلفى ) حافلة بالدمع , مرة وبيدى قمر أحمر لم تره الليالى , ومرة وأنا أغنى " قمر له ليالى , يطلع لم يبالى , ع البستان ينور ويطلع فيهم ليا ليلة , إن غاب عنى حِبى أشكى النار لربى , وأصبَّرفؤادى وأحفظ له ودادى وان شفته مخاصمنى أعمل كل حيلة " .
لم ترنى , لم تسمعنى , لم تلتمس صورة لى أخيرة وأنا أقصقص أخبارا من نفس الجريدة , أحتفل مع الأخيار بذكرى مرور ثلاثين عاما على إنشاء مطاعم القلوب التى تطعم الفقراء مجانا فى باريس , وهى الفكرة التى دعا لها الكوميدى الفرنسى " كولوش " , فمتى تتحمس لنفس الفكرة مُطعما قلبى ؟ ! .
قمر أحمر , وبنت غزالة , ومطاعم للقلوب .. أكل هذا لم تره بتاتا ؟! , أكنت نائما مدوخا لهذه الدرجة ؟ , حتى وأنا أدور بالتنورة أغنى على أنغام موسيقى روحية : " طالما أشكو غرامى " لم يرق قلبك لى ؟ .
وحدى هنا فى أعلى القلعة أحي ذكرى المملوك الشارد ذلك الذى نجا من مذبحة محمد على كما نجوت أنا من مذبحة هواك , يقفز بحصانه من على السور , وأقفز بأغنيتى من على نفس السور وأنا أهمس " طالما أشكو غرامى " فأنا بخير طالما فى يدى قمر أحمر فأنا بخير . طالما أنشد مع الجميع " صلاة الله على الإنسان فى كل مكان " فكل العالم بخير .



