بقلم : د. عزة بدر
جهود عديدة تُبذل , ومقالات ودراسات مهمة تُكتب
حول ضرورة تجديد الخطاب الدينى , ومواجهة التطرف والعنف .
وطرح آليات من شأنها ترسيخ ثقافة الحوار , واحترام الاختلاف , ودعم حرية الرأى والتعبيرفنحن نحتاج إلى خطاب يتجاوب مع معطيات العصر , وتطوير قدرات الإفادة من المعرفة , ونقلها من مرحلة التلقى إلى التفاعل , خطاب يلبى احتياجات الناس على أساس أن أحد تعريفات الثقافة هى الإجابة عن الأسئلة التى يطرحها المجتمع .
ثقافة الحوار :
الخطاب الدينى الذى نريده خطابا ثقافيا منفتحا على الحضارات , متجاوبا مع حاجات الناس فى مجتمع يتطور باستمرار , وتتغير فيه تقنيات وسائل الاتصال والإعلام والحصول على المعلومات فى عصر السماوات المفتوحة .
نحتاج إلى خطاب دينى يعزز الطاقات البشرية , ويحفزها تجاه محبة الحياة , والإسهام فى رحلة الحضارة .
وفى رأي أن تغيير المناهج التى تدرس فى المدارس الحكومية والخاصة , و فى مدارس التعليم الدينى بالذات أصبح ضرورة ليدرس الجميع نفس الثقافات واللغات وطرق التفكير ومناهج البحث بل
وبحوث فى الآداب , والفنون الجميلة , والآثار , والعمارة , والموسيقى بجانب العلوم الدينية مع التعمق فى التخصص الدراسى الدقيق لأن ذلك من شأنه أن يوفر قاعدة معرفية مشتركة لكل الدارسين وذائقة مشتركة أيضا بين المواطنين مما يقلل من هوة الفروق الفردية , ويعزز من قيمة المساواة فى الحصول على المعرفة مما ينعكس بدوره فيما بعد على السلوك الفردى والجماعى فى المجتمع .
إشارات ودلالات :
فهل هناك إشارات أو دلالات على أن هناك مايمكن تحقيقه فى هذا الشأن ؟
فى المؤتمر الخامس والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية (2016) قال د. أحمد الطيب شيخ الأزهر فى كلمته :" أيها السادة العلماء لعلكم تتفقون معى فى أن التجديد وضروراته للمسلمين فى كل زمان ومكان لم يعد أمرا قابلا للأخذ والرد بعدما ثبت أنه حقيقة شديدة الوضوح فى الإسلام نصا و شريعة وتاريخا, وأن القرآن الكريم مملوء بالإشارة إلى حقيقة التجديد والتغيير , وأن إشاراته هذه ألهمت كثيرا من المتكلمين , والفلاسفة , وأمدتهم بأنوار فلسفية جديدة لم يسبقوا إليها من قبل حتى طالعنا علماء الكلام بنظرية الكون المتجدد فى كل لحظة , وقرر أئمتنا الأشاعرة – رضوان الله عليهم – أن العرض لايبقى زمانين , وأنه يتجدد كل لحظة , وأن هذا اللون أو الطول أو العرض الذى أراه أمامى الآن ليس هو اللون السابق ولا اللاحق على هذا الآن لأنه قد انقضى واندثر , وتجدد وتبدل , كما ذهب بعض المتكلمين إلى أن الأجسام الحاملة للأعراض لاتبقى زمانين هى الأخرى , وأنها تجدد حالا فحالا ولحظة بعد أخرى وآية من القرآن الكريم ألهمت الشيخ محى الدين ابن عربى المتوفى 638ه بخيال خصب فى نظرية تجدد الكون فى كل لحظة عبر عنه بقوله " أن الموجود كله متحرك على الدوام دنيا وآخرة " .
وقد استلهمها محى الدين ابن عربى من الآية التى وردت فى قوله تعالى : " وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب " من سورة النمل آية 88 , وقوله تعالى : " أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد " من سورة ق آية 15
ثم يقول د. أحمد الطيب فى كلمته أيضا : " دعونا أيها السادة من أقوال الفلاسفة والمتكلمين فقد لايروق لكثير منا أنوارهم العقلية , ولامذاهبهم الفلسفية " . ( 1 )
و هنا يكون قد قرر حقيقة وهى غياب القدرة على التعرف على المنجز الفكرى أو الفلسفى عند الكثيرين وهو ما يجدد ماسبق الإشارة إليه من ضرورة وجود قاعدة معرفية أساسية ومن خلالها تتكون طرق التفكير , ومن هنا أرى ضرورة أن تدرس المذاهب الفلسفية فى الجامعات المتخصصة فى علوم الدين حتى يمكن مقاربة هذه الأفكار , وقبول الاختلاف , والتأكيد على أن التراث الفكرى للأمة العربية كان حافلا بالمنجز الفلسفى ومذاهب العقلانية النقدية التى أسست خطابا جديدا فى الأندلس والمغرب مع ابن حزم وابن رشد وبن خلدون .
وفى رأيى أن تجديد الخطاب الدينى هو مسئولية مشتركة بين علماء الدين وأولئك المفكرين والمجتهدين الذين أسهموا بكتاباتهم فى حدوث نقلة نوعية فى تاريخ الفكر , و الذين يسهمون فى تخصصاتهم المختلفة فى إثراء المجال المعرفى بما تحتاجه الأمة ويمثل احتياجات الناس من منطلق أن الثقافة هى إجابات عن الأسئلة التى يطرحها الواقع
ولدينا تاريخ من محاولات تحديث وتطوير المؤسسات التعليمية التى نهضت وتخرج فيها من أسهموا فى التجديد فى مجال الفكر الدينى فكان إنشاء مدرسة دار العلوم عام 1872 وتم إدخال العلوم الحديثة ضمن البرنامج الدراسى إلى جانب العلوم الدينية , وعام 1907 بعد عامين من رحيل الإمام محمد عبده تم إنشاء مدرسة القضاء الشرعى والتى كان الإمام قد وضع مشروعها قبل وفاته من أجل تخريج قضاة مدربين وفقا للأساليب الحديثة وكان برنامج المدرسة الجديدة يجمع بين دراسة الفقه وبين دراسة النظم القضائية الحديثة من منظور مقارن , ويذكر عبد المتعال الصعيدى فى كتابه " إصلاح الأزهر " : أن المقررات التالية كانت من بين مقررات تلك المدرسة الجديدة ومنها نلمس الغاية التجديدية المبتغاة من تأسيس هذه المدرسة رغم إلحاقها بالمؤسسة الدينية وفقا للقانون عام 1911: وكانت تدرس فيها مواد الفقه وحكمة التشريع , وأصول الفقه , والأحوال الشخصية فى المذاهب الأربعة , والتوثيقات الشرعية , وتاريخ القضاء فى الإسلام , ونظام المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية ولوائحها , ومقارنة بين هذه اللوائح وقانون المرافعات , وأصول القوانين , ونظام القضاء الإدارى وغيرها .
ومن هذه المدرسة تخرج أعلام من الذين حملوا لواء التجديد فى مجال الفكر الدينى مثل أحمد أمين ومصطفى عبد الرازق , وأمين الخولى , والشيخ على عبد الرازق , وقد لعبت هذه المؤسسة التعليمية المهمة فى تاريخ مصر الحديث دورا مهما وذلك قبل إغلاقها وتأسيس كلية الشريعة . (2 )
فهل آن الأوان لدراسة كل محاولات تجديد الخطاب الدينى سواء تلك التى قام بها علماء الدين وتلك الرؤى والكتابات التى تمتعت بقيمة معرفية حقيقية فى إثراء الفكر ومجال الاجتهاد ؟
إنها دعوة للحوار , للنظر فى تراثنا ومحاولات التجديد فيه , وعندما قرأت كتاب " التراث والتجديد " لشيخ الأزهر أحمد الطيب تأملت كثيرا قوله : " إن هناك أعمالا فى نظرية التراث مهمة فى مقدمتها أعمال زكى نجيب محمود , وعبد الله العروى , وأدونيس , ومحمد عابد الجابرى , وحسين مروة وغيرهم , والأمانة العلمية تحتم القول بأن الحديث عن هذه الأعمال حديثا علميا مؤسسا على قراءة فاحصة , ورؤية متقصية أمر صعب ,
فضلا عن تقويمها تقويما نهائيا يطمئن إليه الباحث المنصف . ( 3 )
ومن هنا نتساءل لماذا لاتتم دراسة هذه الاجتهادات الفكرية لقراءة التراث , وتجديد الخطاب الدينى ؟ , وتبادل الأفكار المهمة , والحوار حولها فى حلقات علمية فى جميع المؤسسات الدينية والثقافية المدنية
فى شراكة فكرية حقيقية تؤمن بالتعددية , وقبول الرأى والرأى الآخر للوصول إلى خطاب ثقافى جديد يقوم على إعمال العقل والتحليل والتفكير النقدى للذات والآخر .
وفى الحلقة القادمة رؤية حول ماطرحته المؤسسة الدينية فى مؤتمرين عقدا حديثا فى الأقصر وأسوان لمناقشة قضية تجديد الفكر الدينى , ورؤى حول (دور المؤسسات الدينية – نقد ذاتى ورؤية موضوعية ) .
هوامش :
- أحمد الطيب : 2016 , كلمته المنشورة فى كتاب " نحو تفكيك الفكر المتطرف – بحوث مختارة من أعمال المؤتمر الخامس والعشرين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية , القاهرة , ص 16 , ص 17
- نصر حامد أبو زيد : 2013 , " مقدمة كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق " , دار التنوير , بيروت - القاهرة - تونس , الطبعة الأولى , ص 26 , ص 27
( 3) أحمد الطيب : يونيو 2014 , " التراث والتجديد , مناقشات وردود " , كتاب مجلة الأزهر , ص20



