الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

بين الرغبة والرهبة

قراءة فاحصة لأدبيات ماتقدمه المؤسسة الدينية من رؤى واقتراحات حول تجديد الخطاب الدينى تؤكد أن الرغبة فى ذلك قائمة ولكن الطريق إليها لازالت طويلة , والإجابات حول كيفية التجديد لاتزال غامضة .

ومن الكتب التى صدرت  حديثا عن وزارة الأوقاف وعن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية كتاب " تجديد الفكر الدينى بين النظرية والتطبيق " لمؤلفه د. فتحى رمضان حسن , وماطرحه الكتاب يمثل حقيقة تلك الإشكالية وهى تجديد الخطاب الدينى بين الرغبة والرهبة   .

يبدأ الكاتب فى طرح قضية الكتاب فيقول : " تجديد الفكر الدينى هو أول مايجب أن يبدأ به المصلحون فى عملية التجديد فقد بدأ التخلف والانهيار منه , ولن يعود البناء إلا بإصلاحه , وإعادة ترميمه " .

ويطرح عدة رؤى حول آليات تجديد الخطاب الدينى ومن أهمها قوله : " معاودة النظر فى الاستدلال بالحديث الضعيف وهذه القضية لاتزال من أهم أسباب الخلافات الفقهية القديمة والمعاصرة " , ويدعو إلى أن يستعين العلماء بطبيعة الموضوع الذى ورد فيه الحديث النبوى ,  وأقوال النبى صلى الله عليه وسلم , وكذلك مراجعة السياق الذى ورد فيه الحديث وملابساته , ومايحيط به من قرائن , وأشار إلى آلاف الأحاديث الموضوعة والتى اضطرت علماء الحديث إلى وضع علم الجرح والتعديل الذى نجح فى اكتشاف مئات الأحاديث الموضوعة .

ويطرح الكاتب رؤيته حول طبيعة المجدد فيقول ص13 : " كما نترك للطبيب حرية الحركة بمفرده فى علم الطب كذلك نعطى للفقيه والمجتهد المفكر الحرية الكاملة للفكر الإسلامى ليتحرك , ومن الواجب ألا نسمح للطبيب والفيلسوف وعالم الاجتماع والأديب أن يتدخلوا فى غير تخصصهم ومنها قضايا الشريعة والتجديد " , ثم يعود بعد مصادرته تلك على كل رؤية فيقول فى نفس الصفحة : " الانفتاح مطلوب من المجدد المجتهد لا الانغلاق والجمود فالانفتاح على الآخرين مطلب شرعى " !

ثم يبرر فكرة قصر التجديد على المتخصصين قائلا  إن هذا لايعنى وصاية على الفكر من قبل مجموعة من الناس بل بالعكس هو إعطاء الحرية الكاملة للفكر الإسلامى فى فضائه الحقيقى لافضائه المزيف الذى يحرفه عن أصالته .

ثم يؤكد " أن على أصحاب الاختصاص فى علوم الدين ( المفكرون المجتهدون ) ألا يسمحوا لغير المتخصصين تحت ذريعة الاجتهاد  والتجديد بالتضحية بالأصالة فى مذبح التجديد , والتضحية بالشريعة فى مذبح التعددية , والتضحية بالدين فى مذبح المعاصرة , والتضحية بالتراث فى مذبح العلم " .

ولاأدرى كيف يكون التجديد والتعددية والمعاصرة والعلم مذابح لتجديد الخطاب الدينى ؟ ! , الخطاب الذى لابد وأن يتمتع بالانفتاح على الآخرين  وأن يكون معاصرا , وأن يواكب التطور العلمى وثورة المعلومات , وأن يناسب  مواطن قد تغيرت ذائقته وطرائق تفكيره فأصبحت تعتمد على البرهان والاستدلال ومخاطبة  العقل .

ثم يعود الكاتب فى ص17 فيطرح آليات تجديد الخطاب الدينى فيناقض ماطرحه سابقا من ضرورة قصر تجديد الخطاب الدينى على المتخصصين فيقول : من آليات التجديد آلية التكامل بين المجتهدين وأصحاب الاختصاصات العلمية والمهنية الأخرى من خلال استشارة المفكرين المجتهدين لهؤلاء المتخصصين فيما يجد من موضوعات , والاستعانة بهم فى فهم العلوم والمناهج الجديدة , وقضايا الواقع المتنوعة والمعقدة , وفى مصالح الأمة والدولة .

ثم يوصف حالة الخطاب الدينى الآن فيقول : " إن معظم الخطاب الإسلامى اليوم يعانى من غربة الزمان والمكان فهو يعانى أزمة إدراك حال المخاطبين , وحاجتهم وكيفية التعامل معهم وإيصال الخير إليهم , ومما يؤسف له أن خطاب بعض الدعاة فقد الارتباط بالواقع , وتعلق بأمور لاحاجة للمسلمين بها " .

ثم يعود فيؤكد أن الخطاب الدينى ليس من صالحه العزلة , وبالتالى فإنه يعود لغير المتخصصين الذين سبق وأن أقصاهم من قبل فى مذابح التعددية والتجديد والعلم ! , فيستعيدهم ص 138 من جديد لإبداء الرأى حتى يتحقق التجديد فى الفكر الفقهى الذى يعطى الفرصة لكل المتخصصين , ويخلق روح التنافس بينهم فى تقديم الأفكار البناءة عن طريق بيان المبررات التى يبنى عليها كل واحد منهم آراءه هذا من ناحية وحتى تكون الأمة مسئولة مسئولية مباشرة عن التقرير وتطبيق أحكام الشريعة من ناحية أخرى .

ويجد الكاتب مخرجا من هذا التناقض بين الرغبة فى تجديد الخطاب الدينى والرهبة من الانفتاح على الآخرين وعلى الآراء الاجتهادية فيقول

" من اللازم الفصل بين إبداء الرأى فى تفسير النص الشرعى , وبين التطبيق الواجب لهذا النص فالتفسير الفقهى للنص ظنى , يجب أن يتاح لكل قادر عليه بحكم تخصصه أوتجربته أو رجاحة عقله , وبذلك يكون تعدد الآراء غنى للشريعة , ونموا وازدهارا للفقه أما بالنسبة للتطبيق فيترك للأمة ( أهل الحل والعقد ) لتوازن بين الآراء المختلفة , ولتختار ماتراه مناسبا أو أقوى سندا , أو تمازج بين رأيين أو أكثر كما أن لها أن تتراجع عن الرأى الذى أخذت به إذا ظهرت فيه عيوب فى التطبيق أو تغيرت الظروف والملابسات وبذلك يمكن للأحكام الشرعية أن تكتسب الحركة والنمو والتجدد .  ( 1 )

إذن فالانفتاح على الآخر ضرورة , والأخذ بالآراء المطروحة , والاجتهاد من حق كل قادر عليه بحكم تخصصه وتجربته وإنتاجه الفكرى , وأنه من الخير للأمة أن تجدد خطابها الدينى من خلال علمائها , وفلاسفتها , وعلماء الاجتماع , وأطبائها , وتكفى الإشارة إلى أبى بكر الرازى ( 313 ه / 932 م ) وهو الطبيب الفيلسوف يعد أول من قال فى زمانه , وربما لم يقل أحد فى زماننا ماقاله : " إن الأديان عامة تدعى أن الآلام الجسدية والنفسية إنما نُبتلى بها نحن المخلوقات الضعيفة إما من باب عقابنا وإما لامتحان إيماننا , وعوضا عن ذلك خليق بالعلماء حسب المفكر الطبيب أن يسعوا إلى تطوير الطب وقدراته من جيل إلى جيل , وتكثير المستشفيات والماريستانات ( وقد أدار بعضها ) تعنى مرافقها بالفقراء والمرضى " , وقد ظل الرازى متشبثا بفكره العقلانى التجريبى مما جعل طبه مرجعا مهما مؤثرا فى أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر . ( 2 )

بل يمكننا أن نقول أن على الأمة بكل طوائفها  أن تضع ملامح خطابها الدينى ,  ولنبدأ من خطبة الجمعة باعتبارها الخطاب الدينى  المباشر المتصل بالجمهور فمن الممكن أن يشارك عدد من العلماء من تخصصات مختلفة فى إعداد الخطبة بل أن يقترح الناس العاديين موضوعات الخطبة من أجل توسيع قاعدة المشاركة , ومعرفة الموضوعات التى تشغلهم ,

وجعل خطبة الجمعة أكثر تفاعلا مع قضايا ومعطيات العصر من خلال التعرف على آراء الناس من خلال الموقع الرسمى لوزارة الأوقاف على الإنترنت , و من خلال تقديم المقترحات وإبداء الملاحظات حول خطبة الجمعة واقتراح عناوين جديدة لها , وإثراء العناوين المعتمدة , وهناك تجربة على هذا النحو تم تطبيقها من خلال الهيئة العامة للشئون الإسلامية والأوقاف فى الإمارات  , وقد أشار إليها محمد يونس فى كتابه : " تجديد الخطاب الإسلامى – من المنبر إلى شبكة الإنترنت " , كما اقترح أن يتم طرح الموضوعا ت المختارة من قبل الناس على نخبة من المتخصصين بحسب موضوع الخطبة لتقديم الجانب التخصصى فى الموضوع , وقد يكون منهم الأطباء وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد ثم تتولى الجهة الدينية المسئولة صياغها فى قالب الخطبة , وتجهيز الوسائل الفنية المساعدة مثل مقاطع الفيديو أو الخرائط أوالرسوم التوضيحية من خلال شاشات يمكن استخدامها أيضا لترجمة الخطبة إلى لغة الإشارة لذوى الاحتياجات الخاصة . ( 3 )

... إن توسيع قاعدة المشاركة , والحوار , وتبادل الآراء , والاستعانة بالعلماء والانفتاح على الآخر فى كل المجالات من شأنه أن يثرى تجديد الخطاب الدينى , إن عامة الناس سيشاركون , ويطرحون احتياجاتهم الفكرية والاجتماعية على علماء الأمة , وهى خطوة مهمة فى تطوير الفكر الدينى الذى لابد أن تتبعه خطوات أخرى عديدة  ولذلك حديث آخر .

هوامش :

(1 ) فتحى رمضان حسن : 2015  , " تجديد الفكر الدينى بين النظرية والتطبيق " كتاب العدد ( 227 ) من سلسلة قضايا إسلامية , وزارة الأوقاف , المجلس الأعلى للشئون الإسلامية , ط1 , القاهرة , ص 137 , ص 138.

( 2 ) بنسالم حميش : 2016 , " فى الإسلام الثقافى " , الدار المصرية اللبنانية , ط1,  القاهرة ,   ص 13

(3 ) محمد يونس : 2013 , " تجديد الخطاب الإسلامى – من المنبر إلى شبكة الإنترنت " , مكتبة الدار العربية للكتاب , ط1 , القاهرة , ص 150 , ص 151 .

تم نسخ الرابط