الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

قراءة فى فكر طه حسين عن مستقبل الثقافة فى مصر 

فى تاريخنا الثقافى كتابات لها قيمة معرفية مهمة كان لها بل ولايزال لها مغزاها الفعلى فى تاريخ الفكر والثقافة , ومن هذه الإسهامات الفكرية كتابات طه حسين ومن أشهرها كتابه " فى الشعر الجاهلى " 1926 , وكتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " 1938 , ومن أهم الكتب التى ثارت حولها إشكاليات فكرية أيضا كتاب " الإسلام وأصول الحكم " للشيخ على عبد الرازق." وغالبأ ماتتحرك قراءة مثل هذه الكتب على محورين متناقضين : محور الهجوم وترديد ماسبق من اتهامات بنفس العبارات والألفاظ تقريبا , ومحور الدفاع والكشف عن تنويرية الكتاب وصاحبه فى معركة مناهضة الأصولية التقليدية وتطوراتها النابتة " . ( 1 )

ولكن أن تتم إعادة قراءة هذه الكتابات وتأويلها , ودرس تجلياتها فى حياتنا الفكرية المعاصرة لتكون عونا لنا على قراءة واقعنا الثقافى فربما لاتتم على النحو المطلوب , على الرغم من أن التجديد فى معنى من معانيه هو التدقيق وتمحيص التراث بحثا كما كان يقول الشيخ أمين الخولى .

وعلى سبيل المثال فإن القيمة الأولى لكتاب " فى الشعر الجاهلى " هى : "  النهج الذى اتبعه طه حسين ومجموعة المقدمات والنتائج التى توصل إليها والتى جعلته مفكرا مثاليا بالمعنى الفلسفى فقد تأثر طه حسين بالفيلسوف الفرنسى ديكارت , والفيلسوف أوغست كونت فأخذ عنهما شكهما فى الأمور التى تم التسليم بها , واعتمادهما على العقل , ومن هنا يمكن القول أن إبداع جيل الرواد  تمثل فى أنهم نقلوا وتأثروا بما يلبى الاحتياجات الموضوعية للواقع المصرى . ( 2 )

وأرى أن هذا ينطبق أيضا على كتاب" مستقبل الثقافة فى مصر " فقد أعاد طه حسين فيه قراءة التاريخ الحضارى للأمة , وتاريخ اتصالنا بالغرب كما استقصى الروابط بين مصر والشرق القريب , واتصالنا باليونان والحضارة الإغريقية وتأثرها بالحضارة المصرية , وتأثر اليونان بحضارات الشرق القريب ليخلص إلى نتائج علمية يتفق معها الآن كتاب الغرب , وهنا تتجلى القيمة المعرفية لكتابات طه حسين , وخاصة كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " ومما تناوله  فى هذا الكتاب وأشار إليه : أن تجديد الخطاب الدينى لابد أن يتم عن طريق النهوض بمراحل التعليم المختلفة , وخاصة التعليم الدينى فى الأزهر من مراحله الأولى وحتى مراحله الجامعية , وهو خطوة ضرورية ومهمة فى تجديد الخطاب الثقافى ككل , بل و استشراف آفاق مستقبل الثقافة فى مصر .

المستقبل والماضى البعيد :

ويرى طه حسين أننا لابد أن نفكر فى مستقبل الثقافة فى مصر على ضوء ماضيها البعيد , وحاضرها القريب لأننا لانريد ولانستطيع أن نقطع مابيننا وبين ماضينا وحاضرنا من صلة , وبمقدار مانقيم حياتنا المستقبلية على حياتنا الماضية والحاضرة نجنب أنفسنا كثيرا من الأخطار التى تنشأ عن الشطط وسوء التقدير والاستسلام للأوهام , والاسترسال مع الأحلام , ويخلص طه حسين إلى أن العقل المصرى قد اتصل بأقطار الشرق القريب اتصالا منظما مؤثرا فى حياته ومتأثرا بها , واتصل من جهة أخرى بالعقل اليونانى منذ عصوره الأولى اتصال تعاون وتوافق , وكان اليونان فى عصورهم الأولى يرون أنهم تلاميذ المصريين فى الحضارة , وفى فنونها الرفيعة بنوع خاص , ومن هنا يشير إلى أن انتشار الإسلام فى الشرق البعيد , وفى الشرق الأقصى قد مد سلطان العقل اليونانى وبسطه على بلاد لم يكن قد زارها إلا لماما , ولم يستطع أن يستقر فيها استقرارا متصلا إلا بعد أن استقر فيها الإسلام .

ويقول : " إن المسلمين كانوا يترجمون الفلسفة اليونانية ويذيعونها وينمونها ويضيفون إليها , ثم ينقلونها إلى أوروبة فتترجم إلى لغتها اللاتينية وتشيع الحياة فى العقل الأوربى , وتبعث فيه القوة والنشاط , وتمكنه من أن يعود إلى الإشراق والتألق فما بال اتصال أوروبة بالثقافة اليونانية إبان النهضة يعد من مقومات العقل الأوروبى , ومابال اتصال العقل الأوروبى بهذه الثقافة اليونانية نفسها عن طريق المسلمين لايعد من مقومات هذا العقل ؟ , ومابال اتصال الإسلام نفسه بالفلسفة اليونانية فى عصوره الأولى لايعد من مقومات هذا العقل الأوروبى ؟

بل ويشير طه حسين فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر إلى محاضرة ألقاها المؤرخ البلجيكى بيرين فى الجمعية الجغرافية وفى ظل كلية الآداب يقول فيها : " إن إغارة الأمم المتبربرة على أوروبة لم تكن لتردها إلى الجهل الذى ردت إليه فى القرون الوسطى لو أن العلاقات البحرية ظلت متصلة بين الشرق والغرب , ومعنى ذلك أن قوام الحياة العقلية فى أوروبة إنما هو اتصالها بالشرق عن طريق البحر الأبيض المتوسط . ( 3 )

وهى الرؤية التى أكدها وارد تشرشل فى تقديمه لكتاب " الإسلاموفوبيا – الحملة االأيدولوجية ضد المسلمين " لمؤلفه ستيفن شيهى فيقول وارد تشرشل : " يزعم الغرب أن أصوله الثقافية تعود إلى حضارة الإغريق القديمة , وقام منذ القرن الثامن عشر صعودا بتلفيق " طبخة " إثباتية معقدة مليئة بالتفاصيل قُصد بها تقديم البراهين على هوية الإغريق " الآرية " , وحقيقة الأمر هى أن اليونان الكلاسيكية , وسابقاتها كانت أكثر ارتباطا ثقافيا وجينيا بمصر وبلاد الشام من ارتباطها بأية منطقة فى الشمال , علاوة على ذلك فقد كان يفصل بين ظهور الغرب وبين سلفه المزعوم أى اليونان القديمة فترة زمنية استمرت عدة قرون بعد سقوط روما " عصر مظلم " , وتم الحفاظ على الموروث الفكرى لليونان الكلاسيكية وتوسيع مداه وتنقيحه من خلال الجهود الثقافية والعلمية العربية / الإسلامية لمدة تزيد على سبعمائة عام فكان الغرب يتعلم كتابات أرسطو وأقرانه من خلال الجامعات الإسلامية العظيمة التى أقيمت فى قرطبة وطليطلة وبغداد ودمشق والقاهرة والمغرب وتونس وأصفهان والتى انتجت كبار الفلاسفة من أمثال الفارابى ( توفى 950م ) , وابن سينا ( 980 – 1037 م ) , وابن رشد ( 1126 – 1198 م ) , ويخلص إلى أن الدور الذى لعبه الفكر الإسلامى كان جليا فى مولد الهوية الغربية ذاتها ,  وهو ماسبق أن أشار إليه طه حسين فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " عام 1938 و بينما صدر كتاب " الإسلاموفوبيا – الحملة ضد المسلمين " عام 2011. , والذى قام فيه ستيفن شيهى  بتفكيك مزاعم منظرى الإسلاموفوبيا والذين يتجاهلون عن عمد أو ينكرون عن مكر وخداع الإرث الإسلامى فى الحضارة الغربية  - حسب قوله – على الرغم من الاعتراف واسع النطاق بما تدين به جميع المباحث الفكرية تقريبا للعلوم والدراسات الاجتماعية لذلك الموروث .   ( 4 )

العقل الإسلامى والعقل الأوروبى :

ويقول طه حسين : "  تعرضت أوروبة لغارات البرابرة فحرموها مزايا الحضارة اليونانية الرومانية لكن هذه الظاهرة لم تجرد أوروبة من عقلها اليونانى ومابالها تجرد الشرق القريب من العقل نفسه ؟ , ومابال إغارة الترك على الشرق القريب تغير طبيعة العقل فيه على حين لم تتغير طبيعة العقل الأوروبى حين أغارت عليه الأمم المتبربرة , كما أن فى هذا الشرق القريب بلدا ثبت لغارة الترك , وحمى الحضارة والعقل والتراث الإسلامى وهذا البلد هو مصر التى آوت الإسلام وعلومه وحضارته وتراثه المجيد , فحفظته كنزا مدخرا حتى إذا أتيحت لها الفرصة أخذت ترد هذا الكنز إلى الشرق والغرب جميعا , فمابال قوم ينكرون على مصر حقها فى أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنسانى مرتين : حمته حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون , وحمته حين آوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى العصر الحديث  ؟

واستنتج أن كل شىء يدل على أنه ليس هناك عقل أوروبى يمتاز عن العقل الشرقى الذى يعيش فى مصر وماجاورها من بلاد الشرق القريب , وإنما هو عقل واحد تختلف عليه الظروف المتابينة المتضادة فتؤثر فيه آثارا متباينة متضادة لكن جوهره واحد ليس فيه تفاوت ولااختلاف . , ومن هنا يرى أن حياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها هى أوروبية خالصة , نظام الحكم نقلناه عن الأوربيين نقلا فى غير تحرج ولاتردد , ومجلس النظار أو مجلس الوزراء , ووزارات الحكومة والمصالح المتصلة بها , كل ذلك أوروبى الجوهر , وقد استبقيت أشياء من النظم الإسلامية القديمة لم يكن هناك بد من استبقائها لأنها تتصل بالدين من قريب أوبعيد لكن كثيرا من التبديل والتغيير قد مسها حتى أصبحت شديدة التأثر بالنظم الأوربية فى شكلها على أقل تقدير .

أزمة الأزهر :

ويقول طه حسين : " كل شىء يدل على أن الأزهر مسرف فى الإسراع نحو الحديث , يريد أن يتخفف من القديم ماوجد إلى ذلك سبيلا لكن أزمة الأزهر مازالت متصلة منذ عهد إسماعيل أو قبله ولم تنته بعد , وما أظنها ستنتهى اليوم أو غدا لكنها ستستمر صراعا بين القديم والحديث حتى تنتهى إلى مستقر لها فى يوم من الأيام .

ويؤكد أن ليس على حياتنا الدينية بأس من الأخذ القوى بأسباب الحضارة الأوربية فأسلافنا أخذوا بأسباب حضارة الفرس والروم , ويؤكد أنه بدعوته تلك لا يدعو إلى أن نجحد ماضينا ولاأن نفنى فى الأوربيين بل أراد أن يؤكد أن حضارتهم نتيجة العقل , والخيال , والروح الخصب المنتج , الروح الحى الذى يتصل بالعقل ويدفعه للتفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج .

التعليم الدينى والمدنى :

ويهتم طه حسين فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " بقضايا التعليم وخاصة التعليم الدينى فيراه يصوغ التلاميذ والطلاب صيغة خاصة مخالفة للصيغة التى ينتجها التعليم المدنى بحيث يعرض الأمر من الأمور والواقعة من الواقعات فإذا الأزهرى يتصورهما على نحو , وإذا الشاب المدنى يتصورهما على نحو آخر و إذا هذا وذاك لايتفقان فى التفكير والتقدير  ولايتفقان فى الحكم والرأى , ولايتفقان فى السيرة والعمل , ولولا أن النهضة الوطنية قد كانت أقوى من أسباب الاختلاف فقربت بين المصريين ووحدت غايتهم ولاءمت بين أعمالهم وآمالهم لكانت آثار الاختلاف فى التعليم أشد خطرا مماهى عليه الآن , ويؤكد أنه لايدعو إلى المساس بجوهر التعليم الدينى فى الأزهر ومايتصل به من المعاهد المنبثة فى الأقاليم فالدين مقوم من مقومات الشخصية الوطنية ولكنه أراد أن يصور التعليم الأزهرى تصويرا يلائم الحاجة الوطنية : تكوين الوحدة المصرية وتثبيت الديمقراطية , ومعنى ذلك أن هناك مقدارا من مناهج التعليم العام وبرامجه يجب أن تكون مشتركة بين المصريين شركة عادلة سواء من تعلموا فى المدارس الرسمية أم فى المدارس المصرية الحرة أم فى المدارس الأجنبية أم فى الأزهر ومعاهده  . ( 5 )

ولقد اقترح طه حسين خطة شاملة لإصلاح التعليم , خطة لاتزال مهمة وحيوية تحتاج إلى إعادة قراءة للإفادة منها ولهذا حديث آخر .

 

هوامش :

( 1) نصر حامد أبو زيد : 2013 , مقدمته لكتاب " الإسلام وأصول الحكم " لعلى عبد الرازق , دار التنوير , القاهرة , ص 6.

( 2 ) : غالى شكرى : 1992 , " النهضة والسقوط فى الفكر المصرى الحديث ", الهيئة المصرية العامة للكتاب , ص 252 .

( 3 ) طه حسين :  " مستقبل الثقافة فى مصر " , دار المعارف , ط1 , ص 18 , ص 27 .

( 4 ) وارد تشرشل :  2012 , مقدمته لكتاب " الإسلاموفوبيا – الحملة الأيديولوجية ضد المسلمين "  لستيفن شيهى , ترجمة فاطمة نصر , القاهرة , مكتب سطور للنشر , ص 17 , ص18 و ص 27 .

(5 ) طه حسين :  " مستقبل الثقافة فى مصر " , مرجع سابق , ص 29 , ص51 , ص 56 , ص 61 .

تم نسخ الرابط