بقلم : د. عزة بدر
التعليم والشعور المدنى الشريف
هل يستطيع الناس أن يواجهوا الحق دون أن يشفقوا منه أشد الإشفاق ؟
كان هذا السؤال جوهريا فى كتابات طه حسين , ومنها كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " وهو السؤال المهم الذى لابد أن نطرحه على أنفسنا ونحن نستهدف تجديد الخطاب الثقافى وكذلك ونحن نواجه مشاكلنا بل وأن نطرحه فى كل حين .
بغير سؤال المكاشفة , ومواجهة الحق لن يتحقق وضوح الرؤية التى هى الخطوة الأولى نحو حل المشكلات . , والقيمة المعرفية.
لكتاب طه حسين ترفدها وتدعمها قيم أخلاقية تتجلى فى فصول الكتاب الذى أفرد مساحة واسعة لمناقشة قضايا التعليم فى بلادنا , ولاتزال الرؤى التى طرحها نابضة حية كأنه كتبها ويده مازالت دافئة بالأسئلة , وكأنها تطرح اليوم أو بالأمس القريب – على الرغم من صدور الكتاب عام 1938 – فهل كنا منذ هذا التاريخ وحتى الآن نشفق من مواجهة الحق أشد الإشفاق ؟!
التعليم مرآة للحياة السياسية فى مصر :
يرى طه حسين أن " وزارة التعليم - وزارة المعارف سابقا - هى مرآة صافية أو قل كدرة للحياة السياسية فى مصر , ولها كل يوم رأى إذا تغير الوزير أو إذا اقتضت ظروف السياسة أن يغير الوزير رأيه فى مسألة من المسائل , وقد تعودنا أن نلوم وزراء التعليم فى هذا التقلب المنكر الذى تضطرب فيه وزارة التربية والتعليم , وقد صوَّر حافظ عفيفى هذا اللوم تصويرا مؤلما فى كتابه " على هامش السياسة " , فنحن نلاحظ أن الوزراء يتعاقبون فلايكاد أحدهم يستقر فى مكتبه حتى يلغى ما أقره سلفه , ويستأنف نظاما جديدا ثم يمضى لشأنه ويخلفه وزير آخر فيلغى هذا النظام ويستأنف نظاما جديدا , وقد يكون هذا حقا من بعض الوجوه وبالقياس إلى بعض الوزراء , لكن الشىء الذى لاشك فيه أن الفنيين فى وزارة التربية والتعليم هم المسؤولون قبل الوزراء عن هذا الاضطراب فلو أنهم كونوا لنفسهم آراء فنية واقتنعوا بها وثبتوا عليها , ونصحوا للوزراء وبينوا لهم أن شؤون التعليم لاتحتمل الاضطراب ولا التغيير المستمر لما أقدم الوزراء على كثير مما يقدمون عليه من التغيير والتبديل " . ص 110 - ص112
أسباب فساد التعليم :
ويرى طه حسين أن كل إصلاح لشؤؤن التعليم على اختلاف فروعه وألوانه رهين بإصلاح الديوان فى وزارة التربية والتعليم ويقصد به إصلاح الإدارة التعليمية وطريقة الإشراف على المدارس فيقول : " قد حاولت أمم قبلنا أن تتبين أسباب فساد التعليم فوجدت أن مرجع الفساد هو الهيئة المركزية المشرفة على التعليم لأنها هى المسؤولة عن الخطط الدراسية , وعن المناهج وعن النظام المدرسى , وقد اهتدت تلك الأمم إلى وجوب البدء بالبحث فى النظام المركزى والتفتيش المدرسى فوزارة التعليم قد ركزت فى يدها كل مايختص بالتعليم تركيزا ألغى شخصية المدارس إلغاء وأعجز القائمين على أمر التعليم من نظار ومدرسين عن إحداث أى أثر فى توجيه التربية فتحولت المدارس إلى صور متكررة متشابهة , وانعدم الطابع الشخصى الذى ينبغى أن تُطبع به كل مدرسة فى حدود بيئتها الخاصة , وأساتذتها وناظرها وتلاميذها
كما غل هذا التركيز يد النظار والمدرسين كذلك غل يد الوزارة نفسها عن العناية بالمسائل الفنية وشغلت بأصغر الشؤون المدرسية من عقوبات التلاميذ , ومواظبتهم وإعادة قيدهم واعتماد جداول الدروس , و لم يبق من جهدها إلا القليل للتفرغ للشؤون الفنية ودراسة السياسة العليا للتعليم " .
ورأى أن نظام المركزية قد طال عهده , واشتد ضغطه على النظار والمعلمين ففقدوا أو كادوا يفقدون ذوق الحرية والابتكار والشخصية العاملة التى تقدم عن بصيرة , وتمضى فى حزم , وتثبت على ماترى , ولاتفكر فيما عسى أن يقول المفتش , وماعسى أن يقول للوكيل , وماعسى أن يصنع الوزير . ص 113
الحياة التعليمية اليومية :
ومن الاقتراحات المهمة التى طرحها طه حسين إنشاء مجلس أعلى للتعليم على غرار المجلس الأعلى للجامعات فى عصرنا , وأن تمثل فى المجلس الأعلى للتعليم عناصر ليست من الوزارة لكنها تتصل بالتعليم من قريب أو بعيد , وتستطيع أن تشير فى أمره بالقيم من الآراء , وعلى أن يكون من أهم اختصاصات هذا المجلس أن يشير على الوزير فى كل مايقدم عليه من أمر خطير يمس التعليم , وأن يؤلف من بين أعضائه لجنة دائمة تهيىء له أعماله من جهة , وتشير على الوزير فى الحياة التعليمية اليومية من جهة أخرى , هذا المجلس إذا أنشىء ضمن لسياسة التعليم الاستمرار والاتصال وعصمها من الاضطراب , وعندما يمثل المدرسون فيه وجدوا فيه اعترافا بشأنهم , وسيحاكم المخطىء منهم أمام هذا المجلس فيشعر المعلمون بأنهم يقضون فى أمورهم , كما اقترح أن تكون هناك إدارة للتعليم الثانوى تتكون من المدير واثنان يمثلان التعليم الثانوى , أحدهما مفتش والآخر ناظر أو معلم
واثنان يمثلان الجامعة , وكلا الفريقين يتعاون فى تقديم مايحتاجه التعليم الثانوى وضروراته اليومية , ومايحتاج إليه التعليم العالى وينتظره من التعليم الثانوى , وما قد يقترح من وجوه الإصلاح لأن بين الجامعة والتعليم الثانوى صلة طبيعية فالجامعة تستمد طلابها من تلاميذ المدرسة الثانوية , ومن أهم الأغراض التى ينبغى أن يقصد إليها من ينظم التعليم الثانوى أويضع له سياسة أن يكون هذا التعليم بحيث يعد الشباب إعدادا حسنا لدخول الجامعة على اختلاف كلياتها والاستفادة من دراستها العالية .
الغش والغش الخفى ! :
ومن الجدير بالذكر أن طه حسين قد عرض أيضا لمشكلة الغش فى الامتحانات فرأى أن إعطاء الامتحانات إكبارا أكثر مماينبغى , وجعله غاية , وحقه أن يكون وسيلة , وسيلة ضئيلة الشأن لأن المهم هو التعليم نفسه فيقول : " ليس هذا كل مافى الامتحان من شر فللامتحان آثار سيئة تصل إلى الأخلاق من طريق يسيرة جدا أظهرها الغش الذى يأتى من حرص التلميذ على أن ينجح بأى حال من الأحوال , ويرى أن الغش ليس هو الذى يقترف ويضبط أثناء الامتحان فحسب بل هناك غش آخر لعله أشد خطرا , غش خفى نحسه ولانكاد ندل عليه , ولعل أخلاقنا الدراسية تبيحه أحيانا , غش يشترك فيه المعلمون والمتعلمون حين يهيىء المعلمون تلاميذهم تهيئة خاصة لأداء الامتحان , وحين يقفون بهم فيطيلون الوقوف عند هذ الجزء أو ذاك من أجزاء البرنامج الدراسى , وحين يعيدون معهم المقرر فيلحون عليهم فى استذكار هذه المسألة أو تلك , وحين يخضعونهم لامتحان التجربة أو الامتحان الأبيض كما يقول الفرنسيون ! – قبل الامتحان النهائى , وحين ينشرون لهم الكتب التى تشتمل على نماذج الأسئلة التى يمكن أن تعرض فى الامتحان .
كل هذا غش يختلف قوة وضعفا لكنه مفسد للتعليم , ومفسد للأخلاق أيضا , ويقول : " وأنا أعلم أن الامتحان شر لابد منه , لكن الغريب أننا لانتخفف من هذا الشر , ولانكتفى منه بأقل قدر ممكن , وإنما نتزيد منه ونثقل به المعلمين والمتعلمين فنضطرهم إلى الشر ماوسعنا ذلك ! .
والحل كما يراه أن نجعل من الامتحان وسيلة لاغاية , وأن نقدر آراء المعلمين فى تلاميذهم كما نقدر الامتحان أو أكثر , ورأى إلغاء امتحان النقل فى مدارس التعليم العام إلا أن تقضى به ضرورة , والمدرسة وحدها هى التى تقرر هذه الضرورة .
ويقول طه حسين مستطردا : " أنا أعلم أن هذا الاقتراح قد يقع من وزارة التعليم موقعا غريبا , وقد ينكره بعض الفنيين أشد الإنكار , ولكنى لاأبتكره ولاأخترعه من عند نفسى , وإنما هو نظام شائع فى كثير من البلاد التى سبقتنا إلى التعليم الحديث , وهو النظام المقرر فى فرنسا .
ويؤكد أن جعل الامتحان غاية بعد أن كان وسيلة يفسد التعليم بل هو يفسد العقل والخلق أيضا فالصبى الذى ينشأ على اعتبار الوسائل غايات , والغايات وسائل لن يستطيع أن يفهم أموره الدراسية ولا أمور الحياة فهما صحيحا , ويحكم عليها حكما مستقيما لأن الله لم يجعل لرجل قلبين فى جوفه ولاعقلين فى رأسه وإنما جعل له قلبا واحدا وعقلا واحدا فإذا أفسدت المدرسة هذا العقل وذلك القلب فقد أفسدت التلميذ كله , وقضت عليه أن يفكر تفكيرا معوجا , وأن يشعر شعورا مختلطا , وان يسير فى الحياة سيرة ملائمة لهذا الاختلاط وذلك الاعوجاج .
التعليم والحرية :
ويفرد طه حسين فصولا فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر" تعنى بالتعليم الأولى فيراه أيسر وسيلة يجب أن تكون فى يد الفرد ليستطيع أن يعيش , وأيسر وسيلة يجب أن تكون فى يد الدولة نفسها لتكوين الوحدة الوطنية بل ويرى أن التعليم الأولى هو الوسيلة الوحيدة فى يد الدولة لتمكن الأمة من البقاء والاستمرار لأنها بهذا التعليم الأولى تضمن وحدة التراث الوطنى الذى ينبغى أن تنقله الأجيال إلى الأجيال , وأن يشترك فى تلقيه ونقله الأفراد جميعا فى كل جيل .
ويرى أن التعليم هو الدعامة الصحيحة للحرية لأن التعليم يشعر الفرد بواجبه وحقه , وبواجبات نظرائه وحقوقهم , وهو الذى يشيع فى نفس الفرد هذا الشعور المدنى الشريف , شعور التضامن الاجتماعى الذى يجعله حريصا على احترام حقوق الآخرين ولذا قال : " من الضرورى وجود مقدار من مناهج التعليم العام وبرامجه يجب أن يكون مشتركا بين المصريين , ويجب أن تشرف عليه الدولة , وأن يشترك المصريون فيه شركة عادلة سواء تعلموا فى المدارس الرسمية أم فى المدارس الخاصة أم فى المدارس الأجنبية أم فى الأزهر ومعاهده فلابد أن يتعلم الجميع الدين القومى واللغة القومية والتاريخ القومى لتتوحد العقلية المصرية لتكون الوحدة الوطنية على النحو الحديث " ص 61 , ص 66
لقد رأى طه حسين أن التعليم الأولى أخطر من محو الأمية بل له رأى خاص فى كيفية مكافحة الأمية ولذلك حديث آخر .



