الخميس 19 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. عزة بدر

ثقافتنا تدفعنا إلى المستقبل دفعا لأنها تتصل بنفوسنا اتصالا عميقا , ثقافتنا تحمل الذوق المصرى , وطابع النفس المصرية , ولمصر مذهبها الخاص فى التعبير كما أن لها مذهبها الخاص فى التفكير .

هكذا تكلم طه حسين  فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " عن ثقافتنا وحرياتنا فى الأدب والفن والسينما ووسائل الإعلام , ليجيب عن سؤال مهم يطرحه ثم يتفرع منه العديد من الأسئلة " أتوجد ثقافة مصرية , وماعسى أن تكون ؟ , وماهى الحريات المكفولة للأدب وللفنون ؟ , وماذا عن القوانين التى تتشدد فى مصادرة ماتصادر من حرية الأدب ؟ .

وطنية وإنسانية وفردية أيضا :

ثقافتنا متميزة بخصالها , وأوصافها التى تنفرد بها عن غيرها من الثقافات كما يقول طه حسين , وأول هذه الصفات المميزة لثقافتنا المصرية  أنها تقوم على وحدتنا الوطنية , وتتصل اتصالا قويا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا , تتصل بوجودها المصرى فى حاضره وماضيه , ولأنها تصورآمالنا ومثلنا العليا فى الحياة فهى تتصل بمستقبلنا أيضا بل هى تدفعنا إلى هذا المستقبل دفعا .

ويصف هذا الطابع المصرى الذى يطبع الثقافة المصرية بقوله :

" لك أن تنظر فى أى لون من ألوان العلم والأدب والفن التى ينتج فيها العلماء والأدباء والفنانون المصريون فسترى أنها مطبوعة بالطابع المصرى القوى الذى لم يستطع الزمان أن يمحوه أو يعفى آثاره , سترى فيها هذا الذوق المصرى الذى ليس هو ابتساما خالصا ولاعبوسا خالصا لكنه شىء بين ذلك , فيه كثير من الابتهاج , وفيه قليل من الابتئاس , وسترى فيه هذه النفس المصرية التى تجمع بين الجدة والقدم والتى تثب إلى أمام لكنها تستأنى وقد تقف من حيث تستأنى , وقد تقف من حين إلى حين لتنظر إلى وراء , سترى فيها الاعتدال المصرى الذى يشتق من اعتدال الجو المصرى , والذى يأبى على الحياة المصرية أن تسرف فى التجديد " .

ويحلل طه حسين الثقافة المصرية إلى عناصرها الأولى وهذه العناصر هى : التراث المصرى الفنى القديم ,  والتراث العربى الإسلامى , و ماكسبته مصر وتكسبه كل يوم من خير ما أثمرت الحياة الأوربية الحديثة , ويقول : " أن هذه العناصر المختلفة تلتقى فى مصر فيصفى بعضها بعضا , ويهذب بعضها بعضا , وينفى ما لابد من نفيه من الشوائب التى لا تلائم النفس المصرية ثم يتكون منها هذا المزاج النقى الرائق الذى يورثه الآباء للأبناء , وينقله المعلمون إلى المتعلمين " .

ثم يؤكد على خصوصية الثقافة المصرية فيقول : " وأنا أعلم أن كثيرا من رجال الثقافة الممتازين فى أوروبا يضيقون بالثقافات الوطنية , ويكرهونها ويودون لو لم تعرف الإنسانية إلا ثقافة واحدة لكنى أعلم أنه مخالف لطبيعة الأشياء فمن عناصر الثقافة ما هو بطبيعته شائع عام مشترك بين الناس جميعا , ترى ذلك فى كثير من ألوان العلم , ومن عناصر الثقافة ماهو بطبيعته شخصى مقصور على هذه الأمة أو تلك , يجرى ذلك فى كثير من ألوان الفن لكن طبيعة الحياة الإنسانية قد أتاحت للناس أن يخصصوا العام فيطبعوه بطابعهم , وأن يعمموا الخاص فيجعلوه شركة بين الأمم جميعا فالعلم لاوطن له لكنه إذا استقر فى وطن من الأوطان تأثر بإقليمه وبيئته ليستطيع أن يتصل بنفوس ساكنيه  , والفن شخصى متأثر بمنتجه مصور لنفسه ومزاجه لكنه لايكاد يظهر حتى يكتسب من وجود نفسه صفة لا أدرى كيف تحدد لكنها تصل بينه وبين الناس جميعا , وتقربه إلى نفوسهم  " .

ومن هنا يرى أن الثقافة ليست وطنية خالصة ولا إنسانية خالصة لكنها وطنية إنسانية معا , وهى فى أكثر الأحيان فردية أيضا فمن ذا الذى يستطيع أن يمحو بيتهوفن من موسيقاه , ومن ذا الذى يستطيع أن يمحو راسين من أشعاره ؟ ! .

شخصية مصر :

وفى مصر ثقافة مصرية إنسانية فيها شخصية مصر القديمة الهادئة وفيها شخصية مصر الباقية الخالدة , وهى فى الوقت نفسه إنسانية قادرة على أن تغذو قلوب الناس وعقولهم , وتخرجهم من الظلمة إلى النور , وقادرة على أن تتيح لهم من اللذة والمتاع مما يجدونه أو لايجدونه فى ثقافتهم الخاصة والدليل على ذلك كما يرى طه حسين أن هذه الثقافة تؤثر فى كثير من العرب , والقليل الذى ترجم إلى اللغات الأوروبية قد أعجب الأوربيين وأرضاهم . , ولأن لنا شخصية قوية خصبة تنتج لنا مايفيدنا ويمتعنا فعلينا ألا نهمل ثقافتنا فتضعف أو يدركها الجمود , وأن نمنحها ما نملك من قوة وجهد لتنمو وتذكو فإن فى نمائها نماء لنا وذكاء , ولغيرنا أيضا .

 

  

الحرية والأدب :

 " ينبغى على حياتنا العقلية أن تنتج أكثر جدا مما أنتجت , وأن ترفعنا إلى منزلة أرقى من المنزلة التى نحن فيها من الثقافة العالمية , وفى الأرض أمم اتصلت بالحياة الحديثة فى الوقت الذى اتصلنا بها فيه أو بعد هذا الوقت بزمن طويل أوقصير لكنها كانت أسرع منا إلى الانتفاع بهذا الاتصال , وأقدر منا على أن تفرض نفسها على الحياة الحديثة , وتضطر الأمم الراقية إلى أن تجتهد فى فى معرفتها ثم إلى أن تترجم عنها إلى لغاتها المختلفة " , ولذا يدعو طه حسين أن نلتمس الأسباب التى اضطرتنا إلى هذا الوضع  و يدعو إلى الاهتمام برعاية كل صور الإنتاج العقلى والأدبى والفنى , وأن تقدم الدولة الدعم والتشجيع إلى العلماء والأدباء والفنانين فيقول : " ليس هذا كل ما ينبغى أن يظفر به الأدب والأدباء من تشجيع الدولة والشعب بل هناك شىء آخر لعله أعظم خطرا وهو الحرية فالأدباء عندنا ليسوا أحرارا لا بالقياس إلى الدولة ولا بالقياس إلى القراء , وما أكبرالنبوغ الذى يضيع ويذهب هدرا لأنه يكظم نفسه , ويكرهها على الإعراض عن الإنتاج خوفا من الدولة أو خوفا من القراء فليس كل موضوع يعرض للأديب عندنا تسيغه القوانين , ويحتمله النظام , ويرضى عنه ذوق الجمهور , ولعل مايباح للأدباء أن يتعرضوا له وينتجوا فيه أن يكون أقل جدا مما يحظر عليهم أن يتناولوه ويخوضوا فيه " .

ومن هنا يؤكد طه حسين على حرية الأدب والأدباء وأن يتاح لهم القول فى كل مايشعرون به فيقول : " ما أكثر ما يعاب أدباؤنا بأنهم لايعنون إلا بظواهر النفوس , ولايصورون دخائلها , ولايتعمقون ضمائرها , ولايرسمون شيئا من ذلك فيما ينتجون لكن دعهم يفعلوا

ما يلامون على إهماله , ودعهم يظهروا النفس الإنسانية عارية كما يفعل زملاؤهم الأوربيون , وثق بأنهم قادرون على ذلك , خليقون أن يبرعوا فيه , ويبهروا به إن حاولوه , دعهم يفعلوا ذلك ثم انتظر ما يصب عليهم الجمهور , ورجال الدين , وإدارة الأمن العام والنيابة من المكروه , يجب أن يحرر الأدب والأدباء , وأن يتاح لهم القول فى كل مايشعرون به , ويجدون الحاجة إلى القول فيه , ويجب أن تكون قوانينا سمحة , وأن يكون تطبيقها سمحا , و أن يكون ذوق الجمهور عندنا سمحا كذلك " .

لحرية الرأى خيرها الدائم :

ويجيب طه حسين عن أسئلة المخاوف من إطلاق حرية الأديب إلى أقصى مدى فيقول : " لحرية الرأى شرها أحيانا لكن لها خيرها دائما , ونفع الحرية أكثر من ضرها على كل حال , وما أشك أن كثيرا من الآثام الفردية والاجتماعية سيزول أو تخف أضراره إذا أتيح للأدباء أن يتناولوه بالنقد والتحليل , وبالعرض والتصوير , وما أشك فى أن قوانيننا حين تتشدد فى مصادرة ما تصادر من حرية الأدب لا تحمى الفضيلة , وإنما تحمى الرذيلة .

ولنثق بأن الإنتاج القيم وحده هو الذى سيبقى وسينفع , وبأن الإنتاج المرذول لن يقاوم عوادى الدهر , ولن يقوى على البقاء " .

شىء من التقييد !! :

وعلى الرغم من أن طه حسين أكد على ضرورة إطلاق الحرية للأدب والأدباء إلا أنه طالب بشىء من تقييد الحرية وهو يتحدث عن الأدوات الحديثة التى استكشفها العلم وابتكرتها الحضارة , واتخذتها وسيلة إلى الإذاعة , والتغلغل فى طبقات الناس إلى أبعد حد ممكن مثل الصحافة والسينما والراديو وغيرها فقد أكبر نفعها وانتظر منها كل الخير فلم ينظر إليها على أنها أدوات للإذاعة وإنما نظر إليها على أنها أدوات لتثقيف الشعب وتحقيق الصلة بينه وبين غيره من الشعوب لكنه رآها وسائل خليقة أن تصرف الناس عن القراءة الهادئة المطمئنة , وأن تنافس الكتاب منافسة خطرة على العقل والثقافة لذا أكد على أن نعتمد هذه الأدوات نفسها كوسائل أساسية لتثقيف الشعب ويقول : " وإذا طالبت بأن تحد حرية هذه الأدوات بعض الشىء فإنى لا أريد أن تكون إدارة الأمن العام أو إدارة المطبوعات هى التى تقيد هذه الحرية وإنما أريد أن تنظم هيئات من المثقفين تشرف من بعيد على حياة هذه الأدوات فنقابة الصحفيين هى التى ستشرف على حياة الصحافة , وهى التى ستوجهها , وهى التى ستردها إلى القصد إن جارت عنه وإلى الخير إن تنكبت طريقه " .

أما السينما فقد رأى الاحتياط  فيما يتم عرضه على الناس , وألا يباح منه  إلا ماوجدنا فيه الخير , وأمنا شره على أقل تقدير فيقول : " إذا كانت أوروبا نفسها - على حريتها -  تشكو من خطر السينما  على الذوق والخلق فأحرى بنا أن نحتاط منه للذوق

والخلق  " .

وأكد على ضرورة أن يكون أمر ذلك إلى هيئة مثقفة ترتفع عن التحكم والجور , وتتنزه عن الرجعية والجمود .

كانت تلك قراءة فى كتاب له  قيمة معرفية  مهمة  فى تاريخنا الثقافى ,  وهو كتاب " مستقبل الثقافة فى مصر "  لطه حسين , وهو من الكتب التى لايزال فيها ما نرجوه لبلادنا من خيرات ثمار الفكر , وقراءة للواقع الثقافى فى بلادنا فى بعده التاريخى الذى يتصل اتصالا وثيقا بحاضرنا ومستقبلنا حيث تمثل إعادة قراءة التراث ضرورة ملحة  لتجديد الخطاب الثقافى .

تم نسخ الرابط