بقلم : د. عزة بدر
بصوته الساحر امتلأت قلوبنا الصغيرة , صارت لها أجنحة ترفرف , سابحة فى أثير من فضة , يرن صوته العذب فى آذاننا مثل كروان يضبط ساعته ليغنى فى نفس التوقيت كل يوم تغريدة تنبعث صافية من الراديو مع برنامجه لغتنا الجميلة " , كروان شفه الوجد فانطلق يشدو هاتفا بأشعار عذبة , رشق وراء آذاننا وردة ظل
عبيرها فاغما حتى اللحظة , وترك فى سمعنا أثرا لايمحى متغنيا بأجمل قصيدة فى وصف اللغة العربية للشاعر حافظ إبراهيم " أنا البحر فى أحشائه الدُر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاته ؟ " فيندلع السؤال فى نسغ أعصابنا شوقا إلى اللغة شغفا بها , واستماعا لقصائد من عيون الشعر العربى القديم والحديث , كان يختارها بعناية موسيقارتصطف أمامه أوتار العازفين عليها فنحن بين ربابة شاعر , أو بازة متحمس , أو نفير نوبة صحيان , نسبح حينا مع أنات ناى , ونجول فى حدائق بعيدة لسلف تركوا لنا ثروات من الشعر والموسيقى فى لغتنا الجميلة .
إلى مسافرة :
جذبتنا أشعاره فكنا نتهادى دواوينه " إلى مسافرة " , و" لؤلؤة فى القلب" , شعر عذب يجول مثل غزال فى مساحة حرة واسعة من البوح , فى غابات بعيدة , واعترافات بدت لنا طول الوقت مدهشة فهو صاحب الديوان الشعرى الشهير " أحبك حتى البكاء " .
فى ديوانه " إلى مسافرة " كنا نرقب قصص الحب التى تولد وتنمو ثم تنتهى كباقة ورد ذابلة , تعذبنا الأمنيات ويتخلى عنا النداء , كنا نهتف فى بريته , كل واحد على طريقته , وكل واحدة حسب باقة زهرها أينعت أم أصابتها يد البلى , كنا نهمس معه :
إلى مسافرة أو إلى مسافر , كنا نحب ونفترق , وتنسينا قصائده أحزاننا التى تشرع فى داخلنا أعناقها :
" وأظل وحدى أخنق الأشواق / فى صدرى فينقذها الحنين / وهناك آلاف من الأميال تفصل بيننا / وهناك أقدار أرادت أن تفرق شملنا / ثم انتهى مابيننا / وبقيت وحدى / أجمع الذكرى خيوطا واهية / ورأيت أيامى تضيع / ولست أعرف ماهي / وتركت يادنياى جرحا لن تداويه السنين / فطويت بالأعماق قلبا كان ينبض بالحنين " .
مولد إنسان :
الحب فى أشعاره لحظة ميلاد , كون جديد , بدايات كان يكتبها بماء الورد على جبين السحب فتبقى , تنازع مطرها خلاصة عطره , ونفحة شذاه , كان يلتقط لحظات ميلاد الحب من نظرة عين فيؤرخ للشرر المشاغب , والهُدب المشاكس , وقدرة المحب على مواجهة العالم وتغييره فهو القائل : " من يدرى ماذا يحدث / حين خلايانا تصطك / ويمرق شرر فى العينين وتصغى نفس وجدت إلفا / فاخترقت حاجز عزلتها / وتخلت عن ذاكرة الموت / لتفصح عن مولد إنسان / هل ثم جنون / أكبر من قفز فى اليم / مخاتلة الأمواج الغضبى / حين تجيش بها الأنفاس / ركوب العاصفة الهوجاء / ورشق الزورق / فى الطوفان " .
المعنى العميق للحب :
برهف كان يكتب قصائده , يمضى وراء المعنى العميق للحب , يصغى لنجوى النفس التى وجدت إلفا تتحدى به وحدتها وعزلتها , ترتوى من العطش , وتلتقى فى أروقة الغياب ! فيقول فى قصيدته " وحيد كحبة رمل "
" هل تريدين شيئا من الحلم / إن لك الآن ماتشتهين / فمدى يديك / العناقيد جاهزة للقطاف / المروج تموج بما يحمل الطل / ليس سوى حفنة من البكاء لدىّ / وبعض اشتياق / وعين ترى .. لا ترى وفؤاد كظيم " .
ذاهبا وراء المعنى الحقيقى لخطرات الغزال , وراء زهرة تنفست بين حنايا الصخور , ونفثة بيضاء فى غمام السحاب فكان يجد ضالته , كنزه الذى يقتنص المعنى , ويزدهى بالإياب ! فتراه يقول :
" أحبك حتى البكاء / وأعلم أن الذى بيننا ليس نزوا / ولاهو محض اشتهاء / ولكن معناه فيك ومنك / وفى لحظة جمعت تائهين على رفرف / من خيوط السديم فكان انجذاب / وكان ارتواء " .
بورتريهات بالكلمات :
برع فاروق شوشة فى رسم وجوه الأحبة , والنفس حين تتملى ذاتها فتحب أو تبغض بعض ملامحها , كانت لكلماته مرايا مصقولة ترى فيها حقيقة الوجوه حين تسقط الأقنعة , ويعد ديوانه " وجه أبنوسى " رسما من البورتريه لوجوه عرفها أو ملأت مخيلته او خاطبت وجدانه فتراه يقول :
" وجه أبنوسى / وجهك .. / هذا الوجه الصافى / مثل نسيم البحر / ومثل دبيب الجمر / ومثل رحيق العمر / تقطَّر فى شفتى ظمآن يا سيدتى / ضمى هذا الوجه وصونيه / لكن ... / أبدا لا تخفيه / هذا وجه يبعد عنا الأحزان " .
صورة أبيه :
رسم شاعرنا لأبيه الراحل أكثر من بورتريه , ومع كل صورة نكتشف الشبه , وعمق التأثير , الحقيقة والظلال نلمس عذاب الذاكرة فى اجتلاء الملامح والذكريات , الشريط الطويل لحياة كانت لكن لها أثرا باقيا فى الروح رغم الغياب فيقول فى قصيدته " أبى " :
" يا أبى / يا أبى / ياصديق السنين الطوال التى / شكلتنى على صورة منك / صرت قريبا لنفسى / وصوتا لصوتى / ومتكأ حين تقتلع الحادثات / فضاء به انسكب الضوء والعطر / والسيرة الفاغمة / اليتيم يلوذ ببابك / جاء يدق على جذع صبارة / نبتت حوله / واستحالت مدى من عروق اخضرارك " .
الوجوه والملامح تشكل فى ذاكرته صورا بصرية يستدعيها تؤرخ للفرح وللحزن , تنبىء بالقادم من الأيام وتخلع الأقنعة حتى لو كانت أقنعة الذات فيقول :
" أغوص بذاكرة الرعب / وجهى سحابة يُتم / تعشش فى كل بيت / وتترك بعض عناكبها فى تراب الملامح / وجهى الذى يتشكل فى كل حال / ويلبس أقنعة لا تبوح / وينظر فى رحم الغيب / لماذا تجن الغيوم ؟ / وماذا يخبىء عاصفة فى العروق / ودمدمة فى الرءوس / وأشبهت الليلة البارحة " .
نهايات القصائد ميلاد لأخرى :
تقطرت كلماته فى تركيزها العطرى حين كانت تبلغ القصائد نهاياتها حتى كادت أن تصبح قصائد وحدها تفلت النهايات من قصائدها لتستقل بذاتها , وتشكل كيانات جديدة حيث تصبح نهايات القصائد ميلاد لأخرى مكتملة فتراه يقول فى قصيدته " نخب العائلة " :
" هل لى أن أقترح الليلة / نخبا للعائلة / نخبا لأشقاء كانوا / طلع الفجر عليهم / فانتبهوا .. / لكن أعداء " .
وفى قصيدته " نبوءة العراف الأعمى " تتدفق ينابيع الحكمة فيقول على لسان العراف " أرى العين تذرف شوكا ورملا / أرى هاتفين بروعة هذا المصير البليد
ومنطلقين لإمرة هذا الإله الجديد / فويل لمن لايرون
وويل لمن لايرون / وويل لمن يبصرون " .
وفى قصيدته " وجه يمنحنى الغفران " و فى خاتمة القصيدة يختصر الزمن , يباغته بحكمته فلا الوعد يرجىء تطلعه للقادم من الأيام لكن اللحظة تشكل عمر وحلم الشاعر فيقول : " الوعد يقول : غدا / ومدائن هذا الليل تقول / غدا .. / لكنى أعلم أن العمر / جميع العمر يقول : الآن / الآن " .
ذائقة منفتحة على النص :
امتلك شاعرنا ذائقة حرة تقبل بالتجديد , وتزدهى بمغامرة اكتشاف عوالم أخرى للقصيدة , وكان يؤكد هذا المعنى فى أشعاره ففى قصيدته " رسالة لأحمد شوقى " يقول مخاطبا أمير الشعراء :
" شوقى .. / اغفر للأحفاد تجرؤهم / وتطولهم / ظنوا أن سياجك مخترق / وزمانك عبء / ورحابك منهوبة / أو لم تسبقهم أنت لإشعال النار الشعرية / هاهم يمشون وراءك / يحمل كل منهم جذوة ناره / يضرمها فى قلب الهيكل / تشعل أيديهم فى الكون فضاء الوقت / ويندفعون لشىء لم يعرف بعد / وغايات فى أقصى البعد / تشاغل / ثم تراود / والأحلام عصية / حاول ان تقرأهم / تمنحهم بعض الوقت / وبعض الصبر / تدرك أن الشعر اختلف / وأن عباءتك الواسعة الفضفاضة ماعادت تدفىء أحفادك / ورياح الرعب تلاحقهم / وخواء القلب / وبرودة أزمنة القهر / فاغفر للقادم دهشته / وخروج الناس على المألوف / بحثا عن آنية أخرى / وسُلاف للقوم جديدة " .
يطرب للعامية :
وفاروق شوشة موسيقار الفصحى كان يطرب لقصائد من شعر العامية , وفى حوار لى معه كان مولعا ببيت شعرى لأحمد رامى يقول فيه : " زرعت فى ظل ودادى غصن الأمل وانت رويته / وكل شىء فى الدنيا دى وافق هواك أنا حبيته " , وهى الأبيات التى تغنت بها أم كلثوم , و كان فاروق شوشة قد كتب أغنية عذبة شدت بها صباح " والله واتجمعنا تانى ياقمر , والله واتجمعنا واحلو السهر , ده الحب اللى بينا حب من القدر , أحلى م الحكاية , وأجمل م الخبر " .
وهذه الذائقة الشعرية المفتوحة على النص الشعرى بكل تجلياته فتحت أمامه عوالم عدة للكتابة عن الشعر فتوالت كتاباته ودراساته مثل " أصوات شعرية مقتحمة " , و " هؤلاء الشعراء وعوالمهم المدهشة " , بالإضافة إلى دواوينه العديدة ومنها : " إلى مسافرة " , و " العيون المحترقة " , و " الدائرة المحكمة " , و " فى انتظار ما لايجىء " , و " يقول الدم العربى " , وغيرها .
عند منحنى القوس ! :
بلغت الدائرة الشعرية اكتمالها فى إبداعات شاعرنا الذى امتلك ناصية شعره , وترك ثروة من المعانى , واقتربت يده من باب السماء , وهو يطرق السحب والغيم مفتشا عن مصائر جديدة لقصيدة المستقبل فتراه يقول فى قصيدته : " منحنى القوس " :
هل أنتهى كما بدأت ؟ / أنت أنت منحتنى القوس / وأنت الدائرة / وهل هناك ماتزال / نجمة الشمال فى سكانها / من شرفة البيت الذى / كان سياجه المأوى / وكنت الذاكرة / تفجؤنى برودة الوقت / قريب من يدى باب السماء / قابع فى عشه المقرور / عصفور الليالى الماطرة / هذا عويل الريح / والأشجار تعرى / والنخيل ينحنى / وبحة الناى الذى / كنت أظنه ابتدا / فهل لديك مايصون الهاجس / الذى تبددا / يرمم القلب الذى / تنوشه الملامح المغادرة / من قبل أن يندلع السعير / فى عشب الجروح الغائرة / من قبل أن يشتعل الفضاء / بالذكرى / ويخفت الصدى " .
..........
لؤلؤة فى القلب , وعينى لايسعفها الدمع .. وداعا فاروق شوشة .



