بقلم : د. أماني ألبرت
استيقظوا باكرًا وكأنهم يستعدون لموعد هام، لبسوا أفضل ثيابهم وحملوا في أيديهم أغضان السعف وذهبوا مسرعين للكنيسة للصلاة. بدأت العبادة فوقفوا يصلون، كان للصلاة طعم مختلف عن كل مرة. فقد أمتلأت أعماقهم بنور إلهي وأنطرح أي خوف خارج قلوبهم. صلوا كما لم يصلوا من قبل وكأن السماء مفتوحة من فوقهم، وشعروا بتعزيات السماء تغمرهم فامتلأوا بيقين قوى أن الله يجيب الدعاء. كانت الأجواء مختلفة تأخذ العابد لمكان آخر فتمنوا لو تستمر الصلاة لساعات وساعات ينسون فيها همومهم ويطرحون مخاوفهم ويمتلئون بالقوة والمعونة.
وفجأة بدون سابق إنذار، انطلقت أرواحهم - بنفس حالتها- وهي تسبح وتعبد الله لمكان آخر، فقد استيقظنا يوم أحد الشعانين على خبر تفجير كنيستى مارجرجس بطنطا والمرقسية بالأسكندرية، وارتعنا جميعًا من المنظر والدماء التي غطت سعفات النخيل التي كانت في أيديهم. ووراء كل مشهد قصة، أم تموت طفلتها الوحيدة أمام أعينها، كاهن الكنيسة يفقد ابنه الطبيب الذي على وشك التخرج، أب يفقد كل أبنائه، أشلاء ودماء في كل مكان.
وبينما نتألم، وقفنا معًا لنوازر ونشد من عزم بعضنا البعض، بتعزيات مخلصة ودعوات صادقة. ويبقي أن هؤلاء الشهداء علمونا درسًا مهمًا. فهم رغم إختلاف أعمارهم ورغم
أنهم قادمين من بيوت مختلفة إلا أنهم أتفقوا في أمر واحد، لقد عاشوا وطبقوا ما تعلموه. لقد جاهدوا ضد أنفسهم ليباركوا لاعنيهم، ويصلوا لمبغضيهم. وقاوموا غضبهم فنجحوا، ووقفوا ضد الكراهية فانتصروا، لم يغتابوهم ولم يتكلموا علي مبغضيهم بالشر، ولم يشتموا عليهم بل قدموا لهم محبة من كل قلوبهم. هؤلاء قاوموا الشر والكراهية وبذلوا مجهودًا مضاعفًا ليحبوا من يسئ إليهم.
وعاشوا على الأرض بقوانين السماء، لم ينتقموا لأنفسهم، لم يردوا الإساءة، بل سلموا أمورهم لمن يقضي بعدل، الله العزيز المهمين مالك الملك. وتحملوا الظلم ولم يتأخروا في تقديم أي شيء من أجل الوطن، حتى حياتهم قدموها بفرح. هؤلاء لم يخافوا من الذين يقتلون الجسد فبعد ذلك ليس لهم ما يفعلون أكثر، ولكنهم كانوا يخافوا من الذي له السلطان بعد الموت.
ذهب الشهداء للكنيسة لابسين ملابس العيد الجديدة، فخرجوا منها بزفة المنتصرين وهم لابسين كفن الشهداء، واستقبلتهم السماء بسعفات نورانية. بالطبع، هم الآن في مكان أفضل. هناك سيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت بلا سلطان فيما بعد، ولا يكون حزن ولا يكون بكاء ولا صراخ ولا وجع.



