الجمعة 20 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كوارث آبي أحمد، رئيس وزراء إثيوبيا، لم تعد استثناءً بل أصبحت قاعدة؛ نصحو كل يوم على تصريحات مثيرة ومخادعة عن القرن الإفريقي.

 

وآخرها ما قاله الأحد الماضي في قمة الاتحاد الإفريقي التي عقدت في أديس أبابا، بأن أمن القرن الإفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ بحري، وأن انفصال إريتريا عام 1993 كان خطأً تاريخياً يجب تصحيحه.

 

ويبدو أن رئيس الوزراء الإثيوبي يريد افتعال مشاكل جديدة مع الدول المطلة على البحر الأحمر، وبالأخص مصر، ليكون لديه ورقة مساومة بشأن السد الإثيوبي ومنح إثيوبيا منفذاً بحرياً باعتبارها دولة حبيسة.

إضافة إلى ذلك، يسعى آبي أحمد إلى إشغال شعبه بقضايا جانبية بعيداً عن أزماته الاقتصادية، وكأن هذا الشعب كُتب عليه أن يعيش الحرمان والحروب الأهلية والتضخم والبطالة، خصوصاً أن ما كان يدعيه آبي أحمد من أن السد الإثيوبي سينهي كثيراً من مشاكل الإثيوبيين لم يتحقق، وكانت الصدمة الكبرى أن وعوده انهارت ولم تُثمر شيئاً. وفي كل كارثة داخلية يواجهها، ينهار أمامها وتنهار معه هيبة الدولة الإثيوبية، فلا يجد أمامه سوى الهروب عبر تصريحات مستفزة، مثل قوله إن استقرار القرن الإفريقي لن يتحقق إلا بوجود منفذ لإثيوبيا على البحر الأحمر.

 

هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، فجاء الرد القوي والرصين من وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، مؤكداً أن إدارة البحر الأحمر شأن يخص الدول المطلة عليه فقط.

وفي وقت سابق، عززت مصر تعاونها العسكري مع جمهورية الصومال، وأدانت ما قامت به إثيوبيا من انتهاك للقوانين الدولية عبر توقيع مذكرة تفاهم مع ما يُسمى "صوماليلاند" لاستئجار عدد من الكيلومترات المطلة على ساحل خليج عدن في ميناء بربرة لمدة 50 عاماً لإنشاء قاعدة بحرية إثيوبية، مقابل اعترافها باستقلال الإقليم.

 

هذا المسار الجديد الذي يريد آبي أحمد فرضه على دول القرن الإفريقي يطرح سؤالاً مهماً: لماذا يطالب بمنفذ بحري في هذا التوقيت بالذات؟ الخبراء ربطوا مطالبة إثيوبيا بالتحرك الأمريكي وتطورات مجلس السلام الذي يرأسه ترامب، وأيضاً بإعادة الرئيس الأمريكي طرح وساطة بين مصر وإثيوبيا الشهر الماضي بشأن السد الإثيوبي وأزمة تقاسم مياه النيل، وهي وساطة رحبت بها مصر والسودان بينما التزمت إثيوبيا الصمت. وفي ظل سنوات من تعثر المفاوضات واكتمال بناء السد، لم تنجح أي جولة من المفاوضات في تقريب وجهات النظر بين دولتي المصب وإثيوبيا.

 

والأخطر، أن هذه التصريحات تأتي في ظل تنافس كبير في القرن الإفريقي، بخلاف ما يُشاع عن مبادرة أمريكية أو بالونة اختبار تمنح إثيوبيا منفذاً بحرياً يُقتطع من إحدى دول البحر الأحمر مقابل زيادة حصة دولتي المصب من مياه النيل، وأن تحصل الأراضي المحتلة على جزء من هذه الزيادة ضمن خطة مجلس السلام.

 

ويتردد أيضاً أنه في حال قبول هذا الطرح ستقوم الولايات المتحدة بتمويل مشروع قناة جونكلي بجنوب السودان.

 

من هنا.. لا تأتي تصريحات آبي أحمد من فراغ، بل تعكس ما يُطرح من جانب واشنطن على الدول المطلة على البحر الأحمر ضمن خطة مجلس السلام العالمي الذي يرأسه ترامب، في محاولة لإرضاء جميع الأطراف، مع الإشارة إلى أن الاستفادة ستعود على غزة والأراضي المحتلة من خلال المياه، حتى يكتمل الطرح الترامبي الخاص بخطة السلام. ومع ذلك، يشكك عدد من الخبراء في هذه المعلومات ومدى التوافق عليها وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع، في ظل التخبط الإثيوبي في الاتفاقيات التي يبرمها ثم يتراجع عنها.

 

الأهم من كل ذلك هو نهج السياسة المصرية، الذي عمّق علاقاته مع كل دول القرن الإفريقي: الصومال، السودان، جيبوتي، وإريتريا.

هذا النهج يتميز بالمصارحة والشفافية واحترام القوانين الدولية، بخلاف الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم التراجع عما يتم الاتفاق عليه. وهو ما أدى إلى احترام كامل من جانب الدول الإفريقية للرئيس السيسي ونهج الاعتدال واحترام المصالح المشتركة.

وعلى مدى السنوات الماضية، أثمر هذا النهج عن عودة العلاقات المصرية–الإفريقية، ولم يتوقف عند دول حوض النيل والقرن الإفريقي، بل امتد إلى شمال، وسط، وغرب إفريقيا، بما يعكس إدراك القاهرة لأبعاد أمنها القومي الذي لا ينفصل عن استقرار القارة الإفريقية.

 

ما يجري اليوم ليس أزمات منفصلة، بل صدام مشاريع كبرى يُعاد فيها ترسيم النفوذ: مشروع أمريكي–إسرائيلي يريد شرق أوسط مروَّضاً بالقوة، ومشروع صيني يسابق الزمن في التكنولوجيا مستغلاً كل التناقضات والعقوبات للحصول على الموارد الطبيعية بأرخص الأسعار.

وسط هذه المشروعات الكبرى والتنافس العنيف، تقف مصر شامخة بنهج الاعتدال، بحثاً عن مصالحها التي لا تنفصل عن مصالح القارة الإفريقية والشرق الأوسط.

تم نسخ الرابط