د. إيمان ضاهر تكتب: الصحافة هي اليد الثانية للتاريخ
تقول مذكراتي الليلية إنك ملكة أيتها الصحافة، وتقول مذكراتي الصباحية إنك ملكي، وإن قوة الصحفي لا تعتمد على حقه في طرح السؤال بل في مطالبة القارئ بالإجابة عنه. فمن هم العمالقة الذين يطرحون هذا السؤال؟ إعلاميون يقفون بشكل مستقيم ويتنفسون الحرية ويكافحون لأجل الكلمة وتنوعها لتكون علاجا رائعا لملل الفرد وتسليط الضوء على سلاح الحقيقة ووضعه في يد الشعب، ألا يفرك الصحفي الحكيم الملح في الجرح القلم والميكروفون والكاميرا؟ والجواب هو عندما تم الاخبار يعني أنك تتحد معها. فالصحافة التي لا تتلامس مع الكلام تجف "مثل النبات بدون ماء".
وفقا للموسوعة الكبرى للقرن التاسع عشر التي كتبها الشهير الموسوعي لاروس، حيث حدد هوية الصحفي الحقيقي: "كل من يعرف كيف يدير قلما يريد المشاركة في العمل العظيم مساهما بجهوده، علمه، ادبه، أنواره، هواه، وأيضا روحه، أليست هذه العملية التي من آفاقها أسست الصحافة نفسها كمهنة احترافية عملاقة في بنودها ولها شريعتها ومثلها الخاصة؟ إنها حرية الكلمة المكتوبة دون التلاعب بها، الشاهدة على التاريخ كما هو حرفيا، محكمة الملاذ الوحيد للكشف عن الحقيقة.
في لقاء الصحافة والإعلام يتجلى لي بوضوح بأن الثقافة باتت تخصص صحفي أدبي ينبع منها مسألة المفاهيم الإنسانية، وأليست الصحيفة اليوم رقمية أو ورقية ضمير الأمة في معترك التنمية التي تعيشها منذ سنوات أم الدنيا، مصر ، مربض الحضارة الصحفية دون منازع، فأرشيفات الصحافة المصرية تجسد ميراثا إنسانيا مشرفا لثراء معرفي ووثائق تاريخية يستحيل ان تمحيها الذاكرة البشرية.
أليست ساحة الشرف، للصحافة المصرية؟ عرفت مصر الصحافة العسكرية منذ أكثر من خمسة آلاف عام أي قبل أن يطرق الآخرون هذا الطريق الخالد من صفحات التاريخ. فكيف زخرفت أول صحيفة مصرية؟ أقدم صحيفة عسكرية طرزت على الحجر من وجهين وأشرف علي تحريرها "بتاح" المعلم والحكيم وقد تم توزيعها على قادة الجيش وعدد من الحكام وبلغ مجموع نسخها مئة نسخة تقريباً. "الثقافة الصحافية هي التي تحول يوم العمل إلى يوم حياة" أجمل ما سمعته من باحث صحفي قدير ، ولكن أي حياة؟ وأي نشاط؟ إنه نشاط التعامل مع الحقائق الثقافية داخل ذ الصحيفة والذي يمثله اهل القلم الرفيع في صحافة وإعلام مصر حيث المعرفة المستوعبة والتكوينية تمنح مكانا مرموقا للأدب والفنون والسياسة، من يقرأون ويحضرون العروض السياسية والاقتصادية والفكرية ليبذلوا جهودا في بلورةالقضايا المتشعبة والمختلفة بمقالات ومقابلات تتميز بالحكم الجمالي وتعزيز الرؤية الإعلامية واتساع الحدس النقدي البناء وصقل الذوق الكتابي اللغوي مضمونا وأسلوبا وتنوع الاهتمامات، وأليس هذا قاموس الفلسفة الاعلاميةالثقافية في الامم المتحضرة؟ الثقافة كأسلوب حياة هي سمة لجميع الفئات الاجتماعية. الثقافة التقريرية هي تلك التي تنجح في أن تجعل من نفسها “نظرية أسطورة، أيديولوجية، فلسفة لتقول وتجسد في كل ما يهدف اليه ممارسو الثقافة من خلال الادعاء بأنها علامة على هويتهم، على عكس الآخرين”. إن الثقافة باعتبارها مجموعة من الأعمال القيمة تتوافق مع حقائق ذات قيمة فنية واجتماعية وهنا لابد لنا من الاعتراف. إذا قبلنا هذه الفروقات، بأن وسائل الإعلام هي قنوات تواصل ثقافية على المستويات المتميزة. إنهم يشاركون في دليل النمط الثقافي لأن الممارسات الثقافية "مليئة" بالممارسات الإعلامية العديدة اليوم إنهم يساهمون في الثقافة التصريحية ولديهم قدرة على جذب انتباهنا وتحريكنا من خلال ترسيخ الحاضر المباشر الذي يبتعد عن الافق الضيق لقد تحول الاعلام المرئي إلى أداة جاذبة لمستهلكي المجتمع الكبير بروح ابداعية واستثنائية. وألم يحول الإعلام الثقافي الى مصدر جديد للالهام للمستهلك مبتكرا بما فيه الكفاية لجذب المجتمع الجماهيري؟ إنه ينتج يوميًا تحديثات للتمثيلات الطارئة والرئيسية التي تهيمن وتتنافس عليها كل صحف العالم. وأخيرا، فإنه يعمل على تسليط الضوء على معظم الأحداث فنية أو سياسية، اقتصادية أو اجتماعية. لذا، كيف يمكننا أن نصيغ مفهوم المجال الثقافي، المقتبس من عمالقة الاعلام بهذا التصنيف؟ ومن الواضح تمامًا أن الإنتاج الإعلامي اليومي يتعلق مباشرة بالممارسات الثقافية بالمعنى الواسع اليوم. وأكبر مثال على هذا الاعلام الثقافي المبدع والذي يضاهي أشهر البرامج العالمية بل يتعداها فكرا وتطورا "برنامج المساء مع قصواء الخلالي"، يرمز إلى رقي ثقافة الاعلام وبأنها السلاح الأنسب لتوصيل هذا الفكر المتميز بالترشيد والاحتراف للمجتمع الجماهيري. أليست هذه الصحافة الاعلامية الأدبية الداعمة بجراتها وقدرتها ومهاراتها الهائلة التي يبحث عنها المجتمع، الصحافة التنويرية التي تلعب دورا مهما في سعيها إلى حماية الشرعية وحامية لها من براثن الإرهاب والتطرف الذي يهدد أرض الأمة الحبيبة وكيان الجمهورية الجديدة حارسة مدرسة الديمقراطية. أليست السلطة الرابعة لممارسة الحرية والعين التي تراقب الأمة وهي مفتوحة دوما ودائما باعظم التكنولوجيا الرقمية التي تطور الصحافة الثقافية؟ لدينا الكثير من اسماء بطولية سطرت بروعة اقلامها انتاجا غزيرا وكنوزا لا حدود لها وأذكر بفخر واعتزاز أيقونة الصحافة المصرية "روز اليوسف" ومقولتها الخالدة؛ "كلنا سنموت ولكن هناك فرقل بين شخص يموت وينتهي، وشخص مثلي يموت ولكن يظل حيا بسيرته وتاريخه.."، كلمات أم الصحافة المصرية والعربية، تاريخ مذهل وما زال يذهل لسيدة عظيمة، مقاتلة غيرت وجه الحياة الصحافية وما زالت حتى اليوم روز اليوسف من الصحافة المتألقة بطاقمها الرائع تحكي لنا قصة بطولية بالفعل لأنه كل يوم مع هذه الصحيفة يكتب عالم جديد. وهل يوجد شأن أغلى من "مدرسة الهواء الطلق"، مقولة راحل كبير من كتابها؟ وانتقل إلى "الأهرام" ذاكرة أمة عظيمة وتاريخ وطن، "ديوان الحياة المعاصرة كما وصفها عميد الأدب العربي الراحل طه حسين"، ومع مرور الزمن زادت اصالتها سياسيا وثقافيا واجتماعيا.. الأهرام مهد التحول والتطور لصحافة واعية وموضوعية لكتاب لايغمسون قلمهم في المحبرة إنما في الحياة. ولن أنسى "الجمهورية" التي شقت طريقها وما زالت للجمهور واضحة "لا تخبط فيها ولا التواء ولا مجاملة ولا تحامل" إنما سلطان واحد الصدق يتألق بالوعي وضوء الحق وتلك كلمات بطل السلام عبر العصور الرئيس الراحل أنور السادات. أما "اليوم السابع" فالكون كله موجود في هذه الصحيفة ومقالات كتابها والتي هي مكافأة لصحافتها التي تنقل لنا أخلاق المجتمع وقضاياه بالقواعد المهنية الأصيلة لصناعة الصحافة بمصداقية وعمق في التحليل. وانتهي ولكن لا نهاية لصحافة مصر الموهوبة والغنية بأسماء لا تعد ولا تحصى، لأن "أخبار اليوم" جديرة وعريقة بمكانتها المؤسسة لمقالات وإصدارات لأعرق الكتاب.
وأخيرا، كل هؤلاء الكتاب الصحفيين من أقرأ مقالاتهم كل صبيحة، حيث يختبئ في كلماتهم ريش جميل وأرواح عظيمة تتحدى الصواعق لتكون الصحوة الدائمة للأمة، لأن هذه الأرواح كالخيول العربية الأصيلة المفعمة بالحيوية والمحصنة بكيفية القفز فوق الأوهام والمصاعب لتنشد في دفء حروفها الامال والاحلام المجتمعية. أقول لكم رأيا أن حجر الزاوية في ديمقراطية الجمهورية الجديدة وعلى رأسها قائد عظيم يهدف لحريتها ويهتفألا تتآكل وأن يعمل بها دوما بأهداف موضوعية ودقيقة ومثمرة وبنائة بعيدة عن كل الأكاذيب والمعلومات التي تضلل، لأنها هذه الصحافة العملاقة سلاح مطلق للشعب المصري والعربي، وأليست وتبقى ضميرا واعيا، ضمير المجتمع ومرآته، وانعكاس فكر الأمة في قوة الكلمات والشاهدة على التاريخ القديم والحديث في مدرسة الحضارة، ديمقراطية الجمهورية الجديدة.



