قاهرة الدنيا، صانعة التاريخ، مدينة تتنفس الأصالة، تفتح ذراعيها للمستقبل، احتضنت الحضارات عبر العصور، بعض أحيائها مستوطنات لفنانين ومبدعين ولدوا ونشأوا فيها بمناطق تميزت بالتنوع الثقافي، منها حي السيدة زينب في قلب القاهرة، حاملا في طياته تاريخًا غنيًا يمتد من العصر المملوكي إلى يومنا هذا.
حيث عراقة المكان وحميمة الروح الروحية يطل مسجد السيدة زينب على الميدان والحي بأكمله، أنجب الحي واستقطب نخبة من الشخصيات المؤثرة في الفن والأدب والرياضة منهم، يحيى حقي: الكاتب الكبير، وُلد في درب الميضة خلف المسجد، ونور الشريف: الفنان الشهير، ابن الحي، والموسيقار العبقري سيد مكاوي، وُلد في حي الناصرية المجاور، أما الزعيم عادل إمام فقد عاش في السيدة زينب، والفنان نبيل الحلفاوي، وُلد وترعرع في الحي.
وفي أحد أعرق شوارع حي السيدة زينب، شارع خيرت الذي كان يضم وزارات التعليم العالي، والتربية والتعليم، والإنتاج الحربي، ويحمل اسم أحد أعمدة فنون الخط العربي عبدالله خيرت جد الموسيقار عمر خيرت، الخطاط الذي جاء من أواسط آسيا إلى الحجاز ثم إلى مصر واستقر فيها، وقد كافأه الخديو توفيق بعد أن صمم بالخط اسم الخديو الأزرار الذهبية لملابس الضباط، بقطعة أرض في "بركة الفيل" أكبر متنزهات القاهرة في حينها، وسميت المنطقة والشارع فيما بعد باسمه، وفي البيت الكبير ولد الابن محمود خيرت، والذي أصبح بعدها مؤسس البناء الثقافي والفني لعائلة خيرت، وأحد أعمدة نهضة مصر، إذ كان موسيقياً، رساماً، نحاتاً، شاعراً، روائياً، مترجماً ومثقفاً، كان أيضاً محاميا وسكرتيرا لمجلس الشيوخ، هوى الموسيقى، وأصبح موسوعة فيها، صادق كبار الفنانين في بيته، الصالون الدائم للفن يحضره أئمة الفنانين في عصره، فجمع سيد درويش، بديع خيري، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، المثال محمود مختار، مصطفى لطفي المنفلوطي فى الأدب والتقى فيه لأول مرة في شبابهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكدويتو غنوا فيه أوبريت العشرة الطيبة، لقد كافح محمود خيرت حتى تخرج في كلية الحقوق، وتزوج من اليونانية المسيحية ماريا ليونيد، رغم رفض عائلتيهما آنذاك، لكن حبهما انتصر وأنجبا كل من الموسيقار المبدع عمر خيرت، وإخوته أبو بكر وعثمان وعلي.
وعن جده كشف عمر خيرت في ندوة عن أن جدّه محمود خيرت كان صاحب أول رواية متكاملة في التاريخ العربي الحديث، وحملت عنوان "الفتى الريفي"، وسبقت رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل، بأربعة عشر عاماً، وله كتاب مشهور في شرح قصيدة الشاعر الأعرابي الأموي بن الجهم، سمّاه على طريقة السجع المميزة لكتب ذلك الزمان "تنوير الفهم في شرح وتشطير قصيدة ابن الجهم"، وكان كذلك عضواً نشطاً في حزب الوفد، محبّاً حقيقيّاً لسعد زغلول، وله قصائد في رثائه ضمها كتاب "دموع الشعراء على سعد"، وكان قبل رحيل زغلول بسنوات أحد قيادات ثورة العام 1919.
كان عمه المهندس والموسيقار أبو بكر خيرت مؤسس الكونسرفتوار وأسهم في تطوير آلة القانون. آمن الأب والعم بالفن وأنه أعظم مُربٍ للذوق والوجدان، فأحضر أساتذة لأولاده ليتعلموا الموسيقى الشرقية والغربية في سن مبكرة على آلتيَ الكمان والبيانو، حتى كون الأبناء الأربعة "أوركسترا خيرت" وعرضوا أعمالهم أمام الملك فؤاد. عزف عمر خيرت على البيانو مبكراً، فأدرك أبوه أنه سيصبح ولعاً بالموسيقى، وفي سن الحادية عشر عاما أتقن العزف الأكاديمي فالتحق بمعهد الكونسرفتوار، كان عمه أبو بكر خيرت مثله الأعلى، وتمنى أن يكون مثله يوماً، فقد كان عازفا كبيرا في حفلات الأوبرا ومؤلفا للعديد من الأعمال السيمفونية الممزوجة بالتراث الشرقي والموسيقى العالمية.
أول مره شاهدت فيها المبدع عمر خيرت في الستينيات مع صديقي وزميل الدراسة وجدي فرنسيس، كلاعب درامز، عندما كونا مع عزت أبو عوف فرقة les petites Chats وعملا حفلات كثيرة في الإسكندرية والبلاد العربية، ونجحا نجاحاً هائلاً حتى انضم إليهما عمر خورشيد وذاع صيتهم، وبعد أربع سنوات من النجاح، انفصل عن الفرقة وعاد لشغفه القديم، البيانو، واقتربت منه أكثر عندما تشاركنا عضوية لجنة التحكيم في مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون لعدة سنوات ومعنا الملحن المعروف حلمي بكر وآخرون، وقتها كان يعيش زهوة الشعور بالنجاح وفرحة النجاح وهو في بداياته بعد عرض مسلسل "ضمير أبلة حكمت" الذي وضع موسيقاه التصويرية، وبعد أن عبر الموسيقار عبد الوهاب عن إعجابه بموسيقى المسلسل قائلاً: "ربنا يخليك لمصر"، الذي اعتبره شهادة ووساما على صدره، وتلقى دعماً هائلاً عظيماً من الموسيقار عبد الوهاب بنفسه.
رحلة حياة عمر خيرت كان فيها الكثير من الصعاب والتحديات التي كان من الممكن أن تحيد به عن ذلك العالم الذي أمتعنا من خلاله.. ولكن إرادة الله ومثابرة الفنان بداخله.. ورث بالجينات عشق الموسيقى، امتلكته آلة البيانو، وشغف بها، استسلم للإلهام فألّف
الألحان، وأسعد الناس بنغماته، فتسللت لأرواحهم بيسر، ليسمع العالم صوت موسيقاه المصرية الممزوجة بالكلاسيكية والشعبية الشرقية وترانيم الصوفية، بثراء وعمق، فجنى المكانة في القلوب.
من سنوات اختير شخصية العام الثقافية لجائزة الشيخ زايد، وحصل أيضا على جائزة الدورة الثانية والثلاثين منه، وقدمها مركز أبو ظبي للغة العربية، بعد سبعين عاماّ من العمل والجهد وثق سيرته الذاتية في كتابه "المتمرد" الذي صدر عن دار نهضة مصر، فقد تمرد فنيا منذ بدأ حياته في التأليف الموسيقي متأثرا بالتراث الموسيقي لعائلته، بدأها متمرداً على بعض الأنماط الكلاسيكية، وساعيا لإيقاعات تلائم نبض الحياة في الستينيات والسبعينيات، ثائراً على الروتين، وعلى الواقع، تعلم من كل ما أعجب بهم أثناء دراسته، وساعدته التناقضات والاختلافات من كلاسيك في البيانو وموزار وبيتهوفن إلى الحديث من الموسيقى في الفيس بريسلي والبيتلز، في دمج الكلاسيكيات مع الشرقي والبوب.
أول من عرّفت الجمهور به وبموسيقاه الفنانة فاتن حمامة، من خلال إعداده لموسيقى فيلم "ليلة القبض على فاطمة" الشهير، أعاد توزيع موسيقى أغاني عبد الوهاب، ألف قصيد سيمفوني عن ملحمة حرب أكتوبر "بانوراما العبور" تعبيراّ عن انتصارنا، لعبت موسيقاه دورا في العمل السياسي بدأ من أول عمل وضع موسيقاه، إلى "إعدام ميت"، "السفارة في العمارة" و"الجزيرة"، وتعتبر موسيقى "غوايش" من أبرز أعماله، وشكلت تحدياً فنياً نظراً لأنه قدّم فيها مقاماً شرقياً مع أوركسترا.
تعاون مع المخرج يوسف شاهين فالتقيا في فيلم "اليوم السادس"، ثم فيلم "سكوت هنصور"، كاشفاً، لأول مرّة عن أن شاهين لحّن أغنية "قبل ما" في الفيلم.
وتبقى موسيقاه تتردد بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي لتكتشفها الأجيال الجديدة، وتمتلئ حفلاته بجمهور يمثل أكثر من جيل وأكثر من ذوق.









