منذ النجاح الكبير الذي حققه مسلسل "بالطو" للمؤلف أحمد عاطف فياض، والذي أسهم في سطوع نجم عصام عمر؛ التفت الجمهور إلى عمر وربحت الكوميديا كاتبًا مهمومًا بأوضاع اجتماعية مثيرة للشفقة؛ استطاع عاطف من عمل وحيد لفت الأنظار إليه وإلى وجه جديد؛ كان "بالطو" في تركيبته الفنية حالة كوميدية استثنائية صنع طريقًا لأصحابه في عالم الفن.
يأتي عام 2025 ليفاجئنا عاطف بهم جديد في "كارثة طبيعية".. المسلسل الذي أثار ضجة قبل عرضه وبعد عرضه؛ حتى إنه كان سببًا في أن تصدر وزارة الصحة قرارًا مؤخرًا بصرف لبن مدعم لحالات التوائم المتعددة؛ ومن خلاله أيضًا منح مخرجه ومؤلفه الفرصة لسطوع نجم جهاد حسام الدين، وعودة كمال أبو رية؛ وبالتالي نحن أمام مؤلف يمتلك صناعة توليفة كوميدية تفتح الطريق أمام أبطال العمل وصناعه لإبراز مواهبهم، ثم إنه نجح نجاحًا كبيرًا في ترك أثر إيجابي حقيقي بالمجتمع، وكان سببًا مباشرًا في استجابة الحكومة لحل معضلة وأزمة اقتصادية طاحنة، قد تواجهها أسرة تورط أهلها في حالة ولادة توائم متعددة.
هذا الأثر الممتد الذي صنعه عمل مثل "كارثة طبيعية" يرفع من قدر الكوميديا وينزع عنها ما وصمت به باطلاً من سطحية وسوء تقدير التصق بمن يمارسها فترة من الزمن؛ واجه هذا الفن ظلمًا نظرة دونية متعالية خاصة من بعض الذين لا يرون عمقًا في السخرية والضحك. نظرة قاصرة يمحوها هذا العمل الفني من الأساس؛ بذكاء شديد ونعومة قدم عاطف والمخرج حسام حامد، معاناة الطبقة الوسطى المطحونة اقتصاديًا من خلال أب وأم يقعان في ورطة حمل نادرة الحدوث، بعد أن تكتشف الزوجة حملها في خمسة توائم ثم وقت الولادة تتفاقم الأزمة لتكتشف أن عددهم سبعة أطفال!
محمد وشروق موظفان يحاولان تدبير حياتهما اقتصاديًا، يعيشان حياة مستقرة هادئة؛ لكن تأتي المفاجأة لتكسر هذا الهدوء في مشهد ذكي موح لخص فيه المخرج والمؤلف هذه المعاناة الاقتصادية داخل "السوبر ماركت" حيث يتفجر الصراع بينهما حول قرار الزوجة بالإنجاب دون علم زوجها، بعد أن وجد اختبار الحمل بين المشتريات أثناء قيامهما بدفع الحساب؛ "السوبر ماركت" في هذا المكان تحديدًا تقع ورطة البطل المكان الذي يجسد متطلبات الحياة الاستهلاكية اليومية والكفاح الدائم من أجل توفير أبسط الاحتياجات الإنسانية الطعام والشراب، ومدى الاستعداد المادي وانتظار الراتب الشهري لضرورة تدبير هذه المتطلبات لزوجين ثم ماذا لو لم يظلا اثنين؟!
اختيار ذكي مدروس لبدء وإطلاق صافرة الصراع الدرامي، رسم خريطة بناء الكوميديا للعمل بالكامل فمن هنا تكمن الأزمة. كيف سيتم توفير متطلبات الحياة والمنزل ولم تنتعش حياتنا الاقتصادية بعد، ثم بدأت تتصاعد المواقف ويتدفق معها الضحك بصورة متتالية؛ لم يكن مجرد ضحك عابر على الإطلاق؛ وهذا ما نجح فيه صناع "الكارثة" بكتابة شديدة الذكاء والحساسية وأداء جماعي لأبطال العمل كلا منهم لديه شخصيته وأسلوبه في الكوميديا وصناعة الضحك، بدءًا من البطل محمد سلام وجهاد حسام الدين وحمزة العيلي ونهاية بالفنان الكبير كمال أبو رية، الذي اختزل خبرة السنين في هذا العمل ليجدد به حيويته الفنية ويستعيد مكانته؛ لكنك هنا لن تضحك ضحكًا مطمئنًا هانئًا بينما تمكن هؤلاء من توريط المشاهد تمامًا في تلك الأزمة؛ وكأنه أحد أفراد العائلة، وبالتالي خرج الضحك ممزوجًا بمشاعر شفقة وخوف وتوجس من الإنجاب والمسئولية. ماذا لو وقع أحدنا في هذه الورطة؟ فلم ينجح المسلسل فقط في ترك أثر عملي على الأرض باستجابة وزارة وتأثر مسئولين بحالة إنسانية قد تماثلها حالات مشابهة في الواقع؛ بينما نجح وبشدة في توريط المشاهد شعوريًا سواء بالتعاطف مع الأبطال، خاصة عندما ذهب الرجل لبيع كليته أو بالتفكير في منظومة الأسرة ومسئولية الإنجاب.
دون أن يعلو صوت صناعه برسائل تعليمية وحكم مدرسية مباشرة؛ غذى "كارثة طبيعية" مشاهديه على المستوى الفكري والشعوري ليثبت أن العمل الفني صاحب الصنعة الجيدة هو الأشد والأبقى أثرا في نفس المتلقي؛ لمس أزمات إنسانية حقيقية يعيشها المواطن في حياته العادية واهتم بإبراز وتناول هموم الطبقة الوسطى التي تراجع الاهتمام بها بصورة ملحوظة في الدراما لفترة من الزمن؛ عدد أشكال معاناة متفرقة للأعباء الاقتصادية التي أصبحت تسقط كاهل الآباء تمثلت الأزمة الأبرز في شروق ومحمد لكنها أيضا طالت الأب الذي كان يزور ابنته حتى يستطيع استكمال وجبات يومه بعد أن أنفق كل ما يملك ومعاشه أصبح لا يكفيه وكذلك صديقه شوقي الذي يعمل في أكثر من مهنة لسد احتياجات أسرته الصغيرة.
بجانب تعدد أنماط المعاناة الاقتصادية اتخذ العمل الدرامي من هذه الكارثة الطبيعية أو الأزمة الكبرى التي تعرض لها الزوجان اختبارا وامتحانا لقوة العلاقة بينهما؛ تخطا الاثنان أزماتهما معا وكلما عصفت بهما الرياح واشتدت الأزمة واستحكمت حلقاتها ازدادت العلاقة متانة واتحادا ليتجاوزا هذه العقبات؛ ليشير في النهاية إلى قوة الحب ورسوخه واستمرار الرغبة في الحياة والاحتفاء والاحتفال بها مهما كانت التحديات؛ وفي مشهد النهاية بعد وصولهما إلى شدة القنوط واليأس يخرجان معا ضاحكين مسرورين في حالة من الرضا والسخرية واللامبالاة بعد إقالة وزير التضامن من منصبه لحظة امضاءه على قرار كاد ينقذهما من الكارثة لكن يبدو أن القدر ادخر لهما شيئا آخر ربما جاء بقراءة أحمد مكي لأحد سيناريوهات الزوج الذي كان يسعى طوال الوقت لإنتاج أحد أعماله المكتوبة دون جدوى.
في النهاية هذا عمل فني يحتفي ويحتفل بالمعافرة مع الحياة والكفاح فيها، كما يقول الناقد والكاتب الكبير محمد عناني في كتابه "فن الكوميديا".. " الكوميديا كما قال ناقد كبير "احتفال بالحياة" أي احتفال بقدرة الإنسان على الاستمرار، ومن ثم فهي احتفال بالإنسان نفسه وقدرته على تخطي الصراعات وطاقته على العطاء الذي من شأنه أن يحدث التوفيق في النهاية التي عادة ما توصف بأنها سعيدة"!



