السفر هو تذكرة راحة من الملل والقلق والتوتر، عملية غسيل للقلب والعقل والأعصاب، ترطيب لظروف لا نحتمل ضغوطها، انتقال إلى عالم طازج فيه دهشة وانتباه ومعرفة وفنون وتقاليد وتجارب جديدة، لكن بعضنا قد يعود متألما من رحلته إلى العالم المتقدم إذا أوجعته المسافة الواسعة بيننا وبينهم: قيمًا وسلوكيات، فهى بلاد يتحرك فيه البشر بقواعد منضبطة فى الشارع والعمل والسوبرماركت.. إلخ، ويسأل: لماذا هم على هذه الدرجة من الانضباط والمسؤولية ونحن نتحرك على الكيف والمزاج كأن القواعد الضابطة للسلوكيات قيود سخيفة يجب أن نكسرها أو على الأقل نخلعها حين نحب؟
قطعًا هم بشر مثلنا، وإذا كانوا قد تمكنوا من صناعة نقلة حضارية هائلة فى بلادهم، إنتاجا واستهلاكا وسلوكيات عامة، فنحن أيضا يمكن أن نفعلها أو على الأقل نضيق الهوة بين أحوالنا وأحوالهم، فكل البشر «ولاد تسعة» كما تقول أمثالنا، أى لا يولد إنسان متقدم وإنسان أقل تقدما، فالمجتمع بثقافته ونظام إدارة أنشطة مواطنيه هو الذى يصنع الفارق!
وشىء طبيعى للغاية أن تتقدم مجتمعات على مجتمعات، وإلا تساوى الذين يعملون بجدية والذين يعملون براحتهم، بين الذين يحددون أهدافًا رائعة يسعون إليها ويضعون خططا شاملة يجتهدون فى تنفيذها، وبين الذين يعيشون يوما بيوم أو شهرا بشهر أو عاما بعام حسب التساهيل والظروف والدعاء.
لماذا هذه المقدمة؟
لى صديق عاد من غربته الأوروبية قبل ثلاث سنوات، عمل مستشارًا علميًا لسنوات فى مؤسسة أمريكية لها فرع فى مدينة فرانكفورت الألمانية، كان الولد والبنت قد اقتربا من سن المراهقة، وخاف عليهما من «أفكار شاذة» لا تقبله أخلاقه ولا دينه، وصارت عادية هناك.
بعد سنة من عودته، كان قد استهلك فيها حنينه وأشواقه، بدا غاضبا من حجم الهوة التى تفصل بين المجتمع هناك والمجتمع هنا، من أول عبور الشارع إلى مستوى التعليم فى مدارس أجنبية ذات مصروفات باهظة.
قلت له: لا تفسد حياتك بالمقارنة بين بلاد سارت فى طريق التطور والنمو المستدام منذ أربعة قرون على الأقل، وبلد لم يتعرف على العصر الحديث إلا مع الحملة الفرنسية، ولم يضع قدمه الأولى فيه إلا فى القرن العشرين، ولم يكمل «مشروعا حضاريا» واحدا إلى نهايته لأسباب كثيرة، توقف عن المقارنة حتى تستطيع أن تمضى بحياتك، وصدقنى.. بلادنا فيها أشياء كثيرة جميلة، بالرغم من المشكلات التى تحيط بنا!
سخر منى قائلاً: من لا يدرك موقعه بدقة لا يستطيع أن يتقدم بطريقة صحيحة إلى الأمام، معرفة حالك مقارنة بالآخرين المتقدمين هى مفتاح البحث والعثور على طريق كالذى ساروا فيه والوسائل التى يمكن تتبعها، ليس المطلوب أن نقلدهم حرفيا فى كل خطواتهم، الزمن تغير والأساليب تطورت والأدوات اختلفت، وكل مجتمع له تاريخ وتراث وتقاليد خاصة، لكن الفلسفة الحاكمة لأفكار التطور والنهضة الحضارية الكبيرة لم يصبها التغيير، فقط تعدلت التفاصيل، هكذا سارت دول جنوب شرق آسيا فى طريق التطور فى الستينيات من القرن العشرين، ثم تلتها الصين فى الثمانينيات وتخلصت من فقرها المدقع وصارت تناطح أمريكا الآن!
لم يكن نوع النظام السياسى فاصلا فى التطور، بقدر ما كانت الفلسفة فى التنمية البشرية والاقتصادية، التى حولها الإنسان إلى واقع.
قلت: كلامك صحيح، لكن لا تغرق فى تفاصيل الحياة اليومية هنا وهناك، فالتفاصيل مثل خيوط العنكبوت إذا دخلت فى شباكها ابتلعت عقلك تمامًا!
دار مثل هذا الحوار بيننا كثيرا.
قبل أيام جاءنى مهموما كأنه فى مأزق، وقال: قررت أن أعود إلى عملى القديم، الأولاد كبروا وتجاوزوا المرحلة التى يمكن أن تؤثر فيهم الأفكار الشاذة، والولد الكبير على وشك أن يدخل الجامعة وأود أن يحصل على شهادته من هناك.
قلت: التعليم دافع رائع يستحق الغربة.
قال: ليس وحده السبب، لم أعد أحتمل سلوكيات وتصرفات الناس، تحس أن فكرة الآخر وحقوقه غائبة عند أغلبهم، زائد استغلال وسرقة علنية فى التعاملات التجارية، تخيل لم أعد أخرج إلا نادرا حتى أتجنب الصدام الحتمى مع تصرفات الآخرين، تمشى فى الشارع الرصيف مشغول، تسوق عربيتك بنظام يغلى دمك من فلتان الآخرين، تركب تاكسيا، العداد لا يعمل، والسائق يريد ضعف القيمة، تشرب فنجان قهوة تدفع كثيرا فى «بُن ردىء»، وإذا شربته فى كافيه سياحى تدفع خمسة أو ستة أضعاف، تركن «العربية» فى شارع عمومى يطلع لك منادٍ من تحت الأرض «عاوز» 20 جنيهًا!
قاطعته: إياك أن تتحدث عن مائة جنيه أو مائتين، فحالك مستور والحمد لله!
رد بحدة: المسألة ليست فلوسا أدفعها فى سلع وخدمات أحصل عليها وتساوى قيمتها، لكن فى سرقة علنية، أن تدفع أضعاف ما تساوى الخدمة أو السلعة، ولا يمنعها أحد!
تخيل أخذت ابنتى فى الصيف وجلسنا فى كافيه شيك على كورنيش الإسكندرية، واحد كابتشينو وشاى وعصير فريش وقطعتين جاتوه بـ600 جنيه!
ضحكت: ياه زعلان وانت دافع أقل من 15 دولارا.. هذه أسعار عالمية!
قال جادا: وهل تقبضون بالأسعار العالمية؟!
أكملت ضحكى: يا سيدى كنت أقعد فى كافيه بلدى وأدفع مائة وعشرين جنيها فقط، وهذه أسعار محلية!
ثم سألني: فاكر «السماك» اللى أكلنا عنده من سنة؟
ضحكت: هل تعايرني؟.. مؤكد لن أتذكره، لا هو ترامب ولا زوج هيفاء وهبى، ولا مطرب مهرجانات!
رد متجهما: من فضلك خذ الأمر بجدية، يومها دفعنا تقريبا 400 جنيه، من يومين أخذت الأولاد للغداء عنده، دفعت ألفين وخمسمائة جنيه، تخيل طبق الشوربة لوحده بـ 220 جنيها، هذه أسعار عبثية فى مجتمع تحيط به البحار شمالا وشرقا، ويجرى فيه أطول أنهار الدنيا، وبه 12 بحيرة طبيعية وأكبر بحيرة صناعية فى العالم، ويجب أن تكون أسعار السمك معقولة!
قلت: لا تنسَ أن إيجارات المحلات ارتفعت وأجور العمال وكذلك أسعار الكهرباء والمياه والغاز.
رد: هذا يحدث فى كل شىء، مع السباك والنجار والميكانيكى والكهربائى والفكهانى.. إلخ، كل واحد يريد أضعاف قيمة الخدمة أو الجهد الذى يبذله، ويعتبرها شطارة وذكاء ورزقا حلالا، وكل ما أسأل أى حد فيهم، يقول لك: والله «كارمين» حضرتك، هذا أقل سعر ممكن تلاقيه!
أنا تعبت من سلوكيات الشارع وثقافة السرقة الحلال المنتشرة فى السلع والخدمات، وأقسم لك المسألة ليست فلوسا، وإنما عدم قدرة على تحمل هذا الخلل دون رادع اجتماعى أو قانونى!
قلت له: الحياة ليست معتمة إلى هذه الدرجة، قطعا هناك مشكلات لكنك تبالغ كثيرا بسبب المقارنة مع المجتمع الألمانى، ألمانيا فى غاية الانضباط، مثلا هناك لائحة تنظم كل الأعمال الفنية والمهنية تقريبا، الوقت الذى يستغرقه أى عمل، والثمن الواجب دفعه، نحن لم نعتد على ذلك، وعلينا أن نحسن من شروط العيش فى بلدنا، لا أن نهجرها!
قال: ليست ألمانيا فقط، بحكم عملى زرت أكثر من 20 دولة، وعشت فترة فى أمريكا وكوريا الجنوبية، لا مثيل لما نفعله فى بعضنا البعض، يبدو أن فيروسا ساكن فى الثقافة، كل واحد عاوز أكثر من حقه، عموما أنا راجع ألمانيا!
قلت: ما تسافر أسبوعين ثلاثة تريح أعصابك وأفكارك!
نظر إلى شزرًا: لن أتكلم معك كلاما جادا مرة أخرى!
غادر ولا أعرف هل هو جاد فى العودة إلى الغربة فى الصيف القادم أم لا؟
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



