مائدة مستديرة بمعرض الكتاب تناقش مستقبل أدب الطفل بين التكنولوجيا والتراث
ضمن فعاليات البرنامج الثقافي والفكري المصاحب لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين لعام 2026، استضافت قاعة الندوات المتخصصة «مائدة مستديرة لكتّاب الأطفال»، ناقشت قضايا أدب الطفل في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وضرورة تحقيق التوازن بين مواكبة التطور التكنولوجي والحفاظ على التراث والهوية الثقافية.
شارك في المائدة نخبة من كتّاب أدب الطفل، وهم: الكاتبة نجلاء علام، والكاتب أحمد قرني، والدكتورة إيمان سند، والكاتبة رضا سلام، والكاتب محمد الدش، والدكتور محمد سيد عبدالتواب، والباحث أحمد عبدالعليم، والكاتب محمد عاشور هاشم، والدكتور مصطفى غنايم، والكاتب وليد كمال، إلى جانب عدد من المهتمين بأدب الطفل.
وأدار المائدة الكاتب أحمد طوسون، الذي أكد في كلمته الافتتاحية أن الكتابة للأطفال في مصر والعالم العربي تمتلك تاريخًا ثريًا وتجارب رائدة، ولم تقتصر فقط على أسماء بارزة مثل عبدالتواب يوسف ويعقوب الشاروني، بل شهدت إسهامات مهمة لكتّاب آخرين، من بينهم فاطمة المعدول، إضافة إلى تجارب في الكتابة البوليسية وأدب الألغاز الموجّه للطفل.
وشدد طوسون على أهمية الالتفات إلى الكتابة المتخصصة لليافعين، خاصة في ظل اتساع سوق النشر العربي لروايات هذه الفئة العمرية، مؤكدًا أن أدب الطفل يمر بلحظة «توتر إبداعي» تفرض تساؤلات حادة حول طبيعة ما يُقدَّم للطفل اليوم، ومدى ارتباطه بواقعه المعاصر، وهل يتم الانحياز للتكنولوجيا على حساب الموروث الثقافي، أم يمكن الجمع بينهما عبر كتابة تشتبك مع الواقع دون التخلي عن التراث.
من جانبها، أكدت الكاتبة نجلاء علام، رئيس تحرير مجلة «قطر الندى»، أن كتّاب الأطفال مطالبون دومًا بطرح الأسئلة المصيرية المتعلقة بدورهم ومسئوليتهم تجاه ما يُقدَّم للطفل، مشددة على ضرورة البحث عن ناشر واعٍ قادر على تسويق الأعمال الجادة، سواء عبر النشر الورقي أو الإلكتروني، مع أهمية تقنين المحتوى المقدَّم للأطفال عبر المنصات الرقمية.
وأعربت عن أملها في أن يولي كتّاب الأطفال اهتمامًا أكبر بالمراحل العمرية المختلفة، وأن تكون الكتابات متوافقة مع الخصائص النفسية والفكرية لكل فئة، مع العمل على تسويق القيم الإنسانية الرفيعة من خلال أدوات جذابة ولغة قريبة من الطفل.
كما شددت «علام» على أهمية الاشتباك مع الواقع النفسي والاجتماعي للأطفال، والتحدث إليهم بلغتهم، محذرة من أن بعض الكتّاب يكتبون للطفل دون معرفة حقيقية باهتماماته، الأمر الذي يستدعي مراجعة جادة لما يُقدَّم في مجال أدب الأطفال.
بدوره، أشار الكاتب أحمد قرني إلى أن البحث الجاد عن أفضل ما يُقدَّم للأطفال لا يزال غير كافٍ، رغم أن مصر لعبت دورًا محوريًا في إحداث حراك واسع في أدب الطفل عربيًا، مؤكدًا أن الثورة التكنولوجية تفرض تحديات حقيقية أمام الكاتب، في ظل طفل منغمس في المعرفة الرقمية، ما يستلزم أدوات جديدة للاقتراب منه دون فقدان الجوهر التربوي والثقافي.
وأكدت الدكتورة والكاتبة إيمان سند أهمية تقديم نماذج غير تقليدية في الكتابة للطفل، مشيرة إلى تجربتها في إعادة توظيف الحكايات العالمية داخل السياق المصري، مثل تقديم «سندريلا» برؤية محلية تعكس الهوية المصرية، مع التأكيد على دور التراث في بناء وعي الطفل، شريطة التعامل معه بحرص وبقواعد لغوية مناسبة.
وأضافت أن تلاقي أفكار كتّاب الأطفال مع تطور فكر الطفل أمر ضروري، إلى جانب تعزيز دور الأسرة في التقارب والحوار مع الأبناء، بما يسهم في ترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية.
من جانبه، تحدث الكاتب وليد كمال عن تجربته المستلهمة من الكاتب الكبير يعقوب الشاروني، مؤكدًا أن الشاروني امتلك رصيدًا إبداعيًا مهمًا في أدب الطفل، وكان حريصًا على التواصل المباشر مع الأطفال، وهو ما انعكس في تجارب مسرحية ناجحة نالت إشادة النقاد والصحفيين، مشددًا على أن الكتابة للطفل تحتاج إلى لغة متجددة تواكب تطور العصر.
وأكد الدكتور محمد سيد عبدالتواب أن التراث يمثل منجمًا ثريًا للكتابة للأطفال، مشيرًا إلى أن الخيال هو العنصر الأهم في النصوص الخالدة، وأن تجربته في الكتابة عن مصر الفرعونية كانت نموذجًا على إمكانية تقديم التراث بصورة إبداعية معاصرة.
فيما أوضحت الكاتبة رضا سلام أن تجربتها في الكتابة للطفل انطلقت من الواقع اليومي وتجاربها الشخصية، مؤكدة ضرورة الاطلاع على تجارب الأطفال المختلفة، خاصة في المجتمعات الريفية والبسيطة، مع مواكبة التطورات التكنولوجية وتشجيع اليافعين على القراءة، وتحقيق توازن بين اهتمامات الطفل واليافع.
وأكد الكاتب محمد عاشور هاشم أن كاتب الطفل الحقيقي يكتب من منطلق «الطفل الداخلي» بداخله، موضحًا أن الاهتمامات الإنسانية الكبرى لا تختلف باختلاف الأجيال، مستشهدًا باستمرار تفاعل اليافعين مع أعمال شكسبير، ومشددًا على ضرورة الحفاظ على اللغة العربية الرصينة المبسطة، بما يعزز الهوية الوطنية والجذور الثقافية.
واختتم الباحث والكاتب أحمد عبدالعليم مداخلاته بالتأكيد على أن الكتابة للأطفال تستوجب الالتزام بمجموعة من القواعد التي تضمن ترسيخ القيم الإيجابية، وتقديم محتوى واعٍ يوازن بين المتعة والمعرفة، ويُسهم في بناء شخصية الطفل نفسيًا وثقافيًا.



