سيرة المفكر الإسلامي أحمد أمين وإسهاماته الفكرية في ندوة بمعرض الكتاب
شهدت قاعة المؤتمرات، ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، انعقاد الجلسة الثالثة من مؤتمر المفكر الإسلامي أحمد أمين، التي خُصصت لمناقشة سيرته الذاتية المبهرة، برئاسة الدكتور ايمن فؤاد وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والمتخصصين.
في كلمته الافتتاحية، رحّب الدكتور أيمن فؤاد بالحضور، مؤكدًا أن سيرة أحمد أمين تعد واحدة من أكثر السير الفكرية إلهامًا في تاريخ الثقافة العربية الحديثة، إذ جمعت بين عمق المعرفة، ونزاهة العقل، وصدق الالتزام بقضايا النهضة والتنوير.
من جانبه، تناول الدكتور محمد فهيم بيومي سيرة أحمد أمين في عيون معاصريه، موضحًا أنه يُعد أحد أبرز أعلام الفكر والثقافة في مصر والعالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين وُلد ونشأ في بيئة أزهرية محافظة، حيث كان والده من علماء الأزهر، ما ترك أثرًا واضحًا في تكوينه الفكري المبكر.
وأضاف أن أحمد أمين عُرف بهدوئه وتواضعه ونزعته التأملية، وكان شديد الانضباط في حياته الشخصية، ميّالًا إلى العزلة والعمل الذهني بعيدًا عن الصخب السياسي، وهو ما انعكس على أسلوبه الرصين المتزن في الكتابة والفكر.
على الصعيد العلمي، تلقى أحمد أمين تعليمه في الأزهر الشريف، ثم التحق بمدرسة القضاء الشرعي، التي مثلت نقطة تحول مهمة في مسيرته الفكرية، إذ جمع بين الثقافة الدينية التقليدية والمعارف الحديثة عمل في سلك القضاء، ثم اتجه إلى التدريس والعمل الأكاديمي، وتدرّج في مناصب علمية بارزة، أبرزها عمادة كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة لاحقًا)، كما كان له دور مؤثر في حركة الترجمة والتأليف من خلال مشاركته في تأسيس لجنة التأليف والترجمة والنشر.
أما مشروعه الفكري، فتميّز بالنزعة الإصلاحية التنويرية، حيث سعى إلى قراءة التراث الإسلامي قراءة عقلانية نقدية، بعيدًا عن الجمود أو القطيعة.
يُعد مشروعه الموسوعي «فجر الإسلام» و«ضحى الإسلام» و«ظهر الإسلام» من أهم ما كُتب في دراسة الفكر الإسلامي وتطوره التاريخي، كما أسس مجلة «الثقافة» التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الثقافي الحديث، وقد ظل أحمد أمين مؤمنًا بأن النهضة الحقيقية تبدأ من إصلاح العقل وبناء الوعي، جامعًا في فكره بين احترام التراث والانفتاح على معطيات العصر.
من جانبه، تحدث الدكتور أحمد الشربيني، عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة، عن إدارة أحمد أمين للكلية في عام 1932، موضحًا أن الوضع لم يكن سهلاً على الإطلاق، إذ كانت الكلية تضم عددًا كبيرًا من الأساتذة الإنجليز والفرنسيين، إضافة إلى أساتذة مصريين درسوا في جامعات أجنبية، باستثناء قسم اللغة العربية.
وأوضح أن أمين كان حريصًا على التعامل بحكمة وعقلانية مع التباين الكبير في الآراء بين الأساتذة، واستخدام اللغتين العربية والإنجليزية والفرنسية حسب الضرورة، ما جعل إدارة الكلية في تلك الفترة أمرًا بالغ التعقيد في ظل الأوضاع السياسية المرتبكة.
وأضاف الشربيني أن أحمد أمين أثناء فترة عمادته ضم العديد من المدارس العليا لكلية الآداب، مثل الدكتور مراد وهبة من قسم اللغات الشرقية، الذي حصل على عدة دكتوراه من ألمانيا، واستقطب أساتذة من لندن مثل الدكتور يعقوب بكر، وحرص على التواصل مع المدرسين المصريين والأجانب على حد سواء، متخذًا قراراته بالعدل والحكمة.
ورغم هذه الجهود، استقال أمين بعد عامين لتفرغه للعلم، واستمر في تقديم خدماته كمستشار لوزارة المعارف، وعاد إلى التدريس والكتابة، محتفظًا بمبادئه العلمية بعيدًا عن المناصب الاحتفالية.
وتحدث الدكتور أحمد زكريا، عن السيرة الذاتية لأحمد أمين، مؤكّدًا أن حياته كانت خصبة وغير عادية، إذ قضى عمره عالمًا وكاتبًا.
وأضاف أن السيرة الذاتية تُعد من أهم مصادر التاريخ المعاصر، لأنها تُظهر العصر الذي عاشه الإنسان عبر كتاباته الذاتية، وهي تربط حياته الشخصية بمجتمعها وعاداته وتقاليده، كما فعل أحمد أمين في سيرته، حيث كتب عن الطبقة الوسطى وأسلوب الحياة الثقافية والاجتماعية في زمنه، موضحًا أنه رائد من رواد الفكر الذين جمعوا بين الوضوح الأدبي والرصانة الفكرية.
وعاش أحمد أمين حياة شخصية هادئة، تتسم بالانضباط والبساطة، بعيدًا عن الأضواء والصراعات السياسية، مكرسًا نفسه للعلم والكتابة والعمل الفكري. وأنجب ولدين، كان أبرزهم الدكتور جلال أمين، المفكر الاقتصادي المعروف، الذي تأثر كثيرًا ببيئة والده الثقافية الصارمة والمنفتحة في آن واحد، وعبّر عن جوانب إنسانية وفكرية من شخصية والده، أما الابن الآخر فهو الدكتور حسين أمين، أستاذ الإعلام والصحفي المعروف، وأحد رواد الدراسات الإعلامية في مصر، وله إسهامات أكاديمية ومهنية مهمة.
وخلال فترة عمادته لكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، لعب أحمد أمين دورًا محوريًا في ترسيخ تقاليد البحث العلمي والحرية الأكاديمية، وتطوير المناهج وربط الدراسات الإنسانية بالواقع الثقافي والاجتماعي، ودعم حركة الترجمة والانفتاح على المدارس الفكرية الحديثة، مع الحفاظ على الهوية الثقافية العربية، تاركًا أثرًا واضحًا في أجيال من الطلاب والباحثين الذين تتلمذوا على يديه أو تأثروا بمشروعه العلمي.



