أيام قليلة ويحل علينا شهر رمضان ببركاته وخيراته وتيمناته، ويحلو الحكي، والتغني بذاكرة البهجة في رحابه وينتعش فن الحكي ويزدهر في شهر الصوم، هذا العام يمتعنا الفنان المثقف والأديب والشاعر الممثل خالد الصاوي يوميا قبل الإفطار بحكايات إنسانية وفنية من تجاربه الشخصية معتمدا على ثقافته والحكي والسرد بأسلوبه وصوته المميز وقدرته على رواية القصص بشكل مشوق وإنساني في برنامجه "حكاوي الصاوي" على البرنامج الإذاعي "نجوم FM" الذي بدأ الترويج له من خلال حسابه الرسمي على فيسبوك، بنشر البوستر الدعائي.
علاقة «الصاوي» بالحكي بدأت في سن مبكرة جدًا، حين كانت الحواديت هي وسيلته الأولى للمتعة والهروب من «الشقاوة» على حد تعبيره، إذ كان ينتقل بين عوالم سردية متعددة وهو طفل؛ من خلال الجلوس مع جدته القادمة من المنيا، التى كانت تأخذه إلى حكايات الصعيد، ثم مع «الدادة أم عبده» القادمة من الإسكندرية، فتفتح له عوالم مختلفة، بخلاف قصص والدته في حي الظاهر.
أدمن القراءة بتأثير بالغ من والده، الذي كان محبًا وشغوفًا بالقراءة، ويمتلك مكتبة كبيرة داخل المنزل، ما أتاح للصاوي الاحتكاك المبكر بالكتب، فبدأ يقرأ في سن صغيرة أشعار بيرم التونسي والمتنبي، ثم اتسعت قراءاته لاحقًا لتشمل محمود درويش ونزار قباني، وهو ما شكل وجدانه اللغوي والفكري، ورسخ لديه حب الكتابة، خاصة الشعر، الذي كتبه لاحقًا بالفصحى والعامية.
في اختياري لخالد الصاوي ضمن "فنانون ضمير عصرهم" تأملت حكايته منذ صباه، ليذكرني بصباي وإدماني للقراءة بتوجيه من أستاذي في اللغة العربية الأديب محمد خليفة التونسي، أحد مريدي العقاد وتلميذه، عندما توجهت لشراء أحد الكتب التي أسهمت صدرت ضمن سلسلة مشروع الألف كتاب خلال الثورة الثقافية التي أحدثها ثروت عكاشة وزير الثقافة في حينها عبر مشروع نشر أرسي دعائم التنوير، الكتاب نص مسرحي مترجم للأديب والفيلسوف جان بول سارتر، ويحمل عنوان "المومس الفاضلة"، عدت لبيتي منتشياً ومفتخرا مشاركا فرحتي بالكتاب مع أبي الذي رأيت في عينيه غضبا وانزعاجا أخفاه بهدوء نفسي وتفكير منطقي، شعرت أني ارتكبت إثما أجهله وبدل من معاقبتي تركني اقرأ الكتاب وأفهم معني عنوانه الذي يتناول الشخصية الإنسانية من ناحية الأخلاق.
موقف مماثل تذكرته لما حدث للصاوي، ففي طفولته لفت نظره بوسترات فيلم يحمل اسم «كباريه»، وكان كلما سأل أسرته عن معنى الكلمة، قيل له إنها «مكان ممنوع»، وهو ما زاد من فضوله بدلًا من أن يردعه.
انفجر هذا الفضول في الصف الرابع الابتدائي، حين كتب قصة قصيرة بعنوان «كباريه»، جعل نفسه بطلًا لها، إلى جانب صديقته ومدرسته، ومجموعة من المجرمين داخل الكباريه، دون أن يكون مدركًا للمعنى الحقيقي للكلمة، ففوجئت مدرسته و إدارة المدرسة بما كتبه، وقررت فصله أسبوعًا كاملاً.
خالد الصاوي واحد من الفنانين الذين احترفوا وأحبوا التمثيل وعشقوا الأدب والكتابة ومن أبرزهم في الوطن العربي عبد الوارث عسر فقد كان ممثلا قديرا، وشاعرا وكاتب سيناريو وحوار، وسليمان نجيب، ونجيب الريحاني كاتبا ومؤلفا مسرحيا، إلى جانب محمد صبحي، محيي إسماعيل وأحمد حلمي، وصلاح عبدالله الزجال والشاعر، وفي السينما العالمية الممثل بيلي وايلدر الذي يعد أعظم كُتٌاب السيناريو، ومات ديمون الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو كتبه لفيلم Good Will Hunting وتوم هانكس أصدر مجموعات قصصية، الممثلة ناتالي بورتمان كتبت وأخرجت أفلاماً وألفت كتب للأطفال، وجين هاكمان، إيثان هوك وودي آلن. ينضم لهم الصاوي الذي يمتلك مسيرة فنية حافلة بالإبداع تجمع بين التمثيل والإخراج والكتابة بين 100 عمل مسرحي وسينمائي وتليفزيوني في أدوار كالعلامات تبقى في الذاكرة، إلى جانب مشاركته في فيلم فرنسي بعنوان "مونيير إرهايم" في دور مهاجر تركي وحصيلة من ١١ كتابا تنوعت بين الشعر والمسرح والقصة.
كان الفن لخالد الصاوي طوق النجاة الذي أنقذه من الجنون والانتحار والإدمان "والضياع فخياله الواسع وتجسيده للشخصيات المركبة كان مخرجا من قلقه الداخلي وعدم تناغمه مع الدنيا، كما صرح في مقابلات، وأنه كان ملحدا قبل أن يعود للإيمان بالله ويطلب منه السماح.
وبين اعترافات واستعراض الخبرات، ضمن فعاليات معرض القاهرة للكتاب الذي أغلق أبوابه منذ ايام وفي جلسة حوارية بعنوان "خارج القالب، كيف يصنع الممثل الكاتب شخصياته؟" استعرض الصاوي خبراته في التمثيل والكتابة، عقب حصوله على جائزة التميز بالمعرض، وذلك عن ندوته التي أقيمت ضمن مبادرة "استراحة معرفة" المنظمة من قبل مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة. كشف فيها عن جانب إنساني عميق يتعلق بتوقيت هذه الجائزة والتكريم الذي جاء في مرحلة حرجة من حياته يسعى فيها لتغيير حياته وتجديد علاقته بالحياة والعمل بعد فترة عاش فيها مع الاكتئاب.. كان الصاوي سعيداً بحصوله على جائزة أفضل كاتب ممثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
إن خالد الصاوي الممثل، المؤلف، المخرج والشاعر موهبة استثنائية وقدرة فائقة على تقمص الشخصيات المركبة، ومن أبرز نجوم جيله، أدهشني كما أدهش الجميع في دور "حاتم رشيد" الصحفي الشاذ جنسيا في "عمارة يعقوبيان"، بعد أن رفض الجميع الدور، وكان أكثر إدهاشا بشخصية "بلعوم" في فيلم كباريه، وعندما تقرأ أشعاره العامية يفاجئك بالعمق الفلسفيّ والرومانسية الشجية، والتأملات الوجدانية، ونضجه العاطفي مثل "هديت شوية المسألة.. ولا عادي حبك مشكلة.. ولا عاد لي رغبة أفهمك.. ولا أخنقك بالأسئلة".
في الأيام المقبلة ومع حلول الشهر الكريم سنعيش مع حكاوي الصاوي قبل الإفطار، ومع ثلاثة مسلسلات يشارك فيها في سهرات رمضان.



