محور «القاهرة- أنقرة» لإبعاد شبح الحرب عن المنطقة
كانت الأجواء داخل قصر الاتحادية الرئاسى، عقب محادثات القمّة التى جمعت الرئيس عبدالفتاح السيسي، ونظيره التركى رجب طيب أردوغان، تشير إلى نتائج استثنائية تدشن لمَرحلة جديدة من التعاون والتنسيق الإقليمى بين القاهرة وأنقرة، وتعكس مدَى التحول فى مسار العلاقات بين البلدين فى الفترة الأخيرة.
كان من اللافت حالة الزخم الإيجابى التى كانت حاضرة فى مقر انعقاد تلك القمّة، ما بين حضور رفيع المستوى من وفدىّ البلدَين، والتفاعلات بينهم، واتفاقيات تعاون جديدة فى مجالات عديدة، وقبل كل ذلك، تنسيق وتطابُق فى المواقف تجاه عدد من قضايا وأزمات المنطقة، وكلها مسارات تُعبر عن المستوى الرفيع للتعاون الاستراتيجى بين القاهرة وأنقرة.
إذن نحن نتحدث عن مَرحلة جديدة من العلاقات «المصرية- التركية»، والقائمة على مجموعة من المحدّدات والمبادئ، وعلى رأسها احترام السيادة الوطنية ومصالح كل دولة، لكن ما رأيته داخل قاعة البهو الرئاسى، أثناء حضورى مع الوفد الإعلامى المصرى والتركى ذلك الانتصار للإرادة المصرية، ولسياستها الشريفة والثابتة التى لا تتغير، على منطق الصراع والمزايدة، فقد أظهر البيان المشترك بين القاهرة وأنقرة تطابق الموقف التركى مع الرؤية المصرية لهندسة حلول أزمات المنطقة، وفق مقاربات تتبنّى الحلول السياسية والحفاظ على مؤسّسات الدول.
والواقع أن لقاء القمّة «المصرية- التركية»، الأربعاء الماضى، لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا؛ وإنما موعدٌ لقمّة تتجاوز أهدافها ونتائجها حدود التعاون الثنائى بين القاهرة وأنقرة، لتمتد إلى سلسلة من الأزمات الإقليمية، التى لا يغيب عنها الحضور المصرى والتركى، لذلك كانت حالة الترقب لمواقف البلدين تجاه ما يحدث فى مناطق الصراع الإقليمى؛ خصوصًا فى غزة والسودان وليبيا وسوريا والقرن الإفريقى، من مواضع الاهتمام الأساسية.
من هذا المنطلق كانت هناك العديد من التساؤلات حول تأثيرات محور «القاهرة-أنقرة»، والتنسيق «المصرى- العربى والإسلامى»، بشأن قضايا الإقليم، وكيف يمكن لهذا المحور إنهاء الحالة الصراعية فى عدة جبهات وإبعاد شبح الحرب عن المنطقة؟، وإلى أى مدى يمكن أن يساهم هذا التفاهم فى تسوية سلمية وهندسة حلول سياسية لمناطق التوتر والنزاع؟، والمكاسب التى ستعود على الطرفين، فى ظل التحولات الجيوسياسية فى المنطقة؟
ربما قدمت مخرجات قمّة الرئيسَيْن السيسي وأردوغان، والبيان المشترك الصادر عن البلدَينْ، إجابات على تأثيرات التقارب «المصرى- التركى» إقليميًا، لكن لا يمكن تجاهل فى نفس الوقت؛ التحولات الإيجابية فى مسار هذا التقارب ثنائيًا، للحد الذى دفع الرئيس التركى لزيارة القاهرة ثلاث مرات خلال أقل من عامين.

قمة عمرها مائة عام
على الصعيد الثنائى، استوقفتنى رسائل التقدير التى تحدّث بها الرئيس التركى لمصر وللرئيس السيسي، فى كلمته بالمؤتمر الصحفى، وهى معانٍ تعكس واقع العلاقات الحالية، بعد مَرحلة من التوتر امتدت لنحو اثنى عشر عامًا، غير أن مناسبة القمّة جاءت بعد احتفال البلدَيْن العام الماضى، بمئوية العلاقات الدبلوماسية؛ حيث يتقاطع جزءٌ من تاريخ تركيا مع تاريخ مصر.
والإشارة هنا إلى جذور العلاقات، مسألة ضرورية، ذلك أنها تعكس أواصر راسخة منذ عقود، قائمة على مبادئ السلام والتعايش المشترك، وهى المبادئ التى أعطت نقطة انطلاق جديدة للتعاون الثنائى، الذى توّج بتدشين مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، فى سبتمبر 2024، بأول اجتماع له فى أنقرة، وصولاً لاجتماعه الثانى فى القاهرة الأسبوع الماضى.
كان لافتًا حديث الأرقام الذى تحدّث به الرئيسان السيسي وأردوغان، عن مكاسب التعاون الاستراتيجى بعد تدشين هذا المجلس المشترك؛ حيث أشار الرئيس السيسي إلى أن التبادل التجارى بين البلدَين بلغ نحو 9 مليارات دولار، بما يجعل مصر الشريك التجارى الأول لتركيا فى قارة إفريقيا، كما أن أنقرة تحتل مكانة متقدمة فى الدول الأكثر استقبالاً للصادرات المصرية، وأشار فى نفس الوقت إلى اتفاق الجانبين على ضرورة العمل لرفع حجم التبادل التجارى إلى 15 مليار دولار.
بينما توقف الرئيس التركى، أمام التطور فى الزيارات المتبادلة بين القاهرة وأنقرة، على مدار 16 شهرًا، منذ تدشين مجلس التعاون الاستراتيجى؛ إذ قام أردوغان بزيارتين للقاهرة، إضافة إلى لقاء وزيرىّ خارجية البلدين قرابة سبع مرات، ومع احتساب باقى زيارات ولقاءات الوزراء وكبار المسئولين، يبلغ عدد الزيارات المتبادلة ما يقرب من 50 زيارة.
وإذا كنا نتحدّث عن مسار التطور فى العلاقات الثنائية على مدار 16 شهرًا؛ فإن مخرجات الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى، تعكس انطلاقة مختلفة بين الجانبين، وهو ما أظهره البيان المشترك الصادر عن اجتماع المجلس، والذى تضمّن 40 بندًا، إلى جانب اتفاقيات التعاون التى جرى التوقيع عليها بعد لقاء القمّة؛ حيث شهد الرئيسان التوقيع على 7 اتفاقيات تعاون مشتركة فى مجالات مختلفة.

وتتصدر تلك الاتفاقيات، «الاتفاقية العسكرية الإطارية بين مصر وتركيا»، والتى وقّع عليها وزيرا الدفاع فى البلدين، إلى جانب مذكرات تفاهم فى مجال الاستثمار والتجارة، وهيئة الدواء، وفى مجال الحَجْر النباتى والخدمات البيطرية، والتضامن الاجتماعى والرعاية، وفى قطاع الشباب والرياضة.
وإلى جانب تلك الاتفاقيات النوعية، تحدّث الرئيس التركى عن سعى بلاده لتأسيس نموذج اقتصادى مع مصر، يكمل فيها كل منهما الآخر؛ ليكونا أكثر قوة فى مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية، إضافة إلى الرغبة فى تطوير مشاريع مشتركة فى قطاعىّ الطاقة والنقل، اللذين يحملان أهمية كبيرة من حيث أمن الطاقة الإقليمى، وتعزيز التبادل السياحى الذى شهد تطورًا إيجابيًا باستقبال البلدين أكثر من 500 ألف سائح خلال العام الماضى.
مقاربة الدولة الوطنية
نقطة التوقف الأساسية، كانت فى تقارب المواقف «المصرية- التركية»، تجاه صراعات الإقليم، وهو ما أشار إليه الرئيس السيسي، فى كلمته بأنّ المباحثات عكست تقاربًا واضحًا فى الرؤى، إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية، إلى جانب التنسيق المشترك تجاه ما تشهده المنطقة من أزمات متسارعة واضطرابات غير مسبوقة.
وهنا أعاد الرئيس السيسي، التأكيد على المبدأ المصرى الراسخ والثابت لهندسة حلول أزمات الإقليم، حينما أشار إلى أن أمن الإقليم واستقراره مسئولية جماعية، تتطلب تنسيقًا أوثق، وتعاونًا أعمق بين دول المنطقة؛ للتوصل إلى حلول سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمات، حلول قائمة على دعم «المؤسّسات الوطنية» باعتبارها عماد الأمن والاستقرار وضمانة لمسارات التنمية بعيدًا عن التدخل فى الشئون الداخلية للدول.
هذه المعانى تلخص مواقف مصر الشريفة، لمعالجة أزمات دول الجوار المباشر وغير المباشر فى المنطقة، خصوصًا فى المنطقة العربية وشمال إفريقيا، والقائمة على مفهوم «الدولة الوطنية» ودعم مؤسّساتها، وهى مقاربة تراها مصر السبيل الناجز والآمن، للحد من توترات المنطقة، وهى فى نفس الوقت نقيض ظواهر منتشرة فى عديد من البِلدان تهدد وجودها، مثل «الميليشيا»، والكيانات الموازية المسلحة.
هذا هو المبدأ المصرى الراسخ لتسوية أزمات المنطقة، الذى تطرحه على مدار أكثر من عقد بغاية أساسية، وهى استعادة مفهوم وأركان «الدولة الوطنية»، وتعزيز قدرات جيوشها الوطنية، وحكوماتها المركزية، للحد من نشاط تنظيمات وجماعات لا ترى سبيلاً للوجود، سوى بالقضاء على هذا المفهوم، وهدم أى ملامح لمؤسّسات الدولة، والشواهد من حولنا عديدة، كما هو الحال فى السودان وليبيا وفى اليمن والصومال وغيرها.
من هذا المنطلق نستطيع أن نقرأ أهمية وضرورية محور «القاهرة- أنقرة»، من أجل خفض التصعيد فى المنطقة، ودفع الحلول الدبلوماسية وإبعاد شبح الحرب، سواء فيما يتعلق بالملف النووى الإيرانى، أو فيما يتعلق بالمنطقة بشكل عام، والمعنى من التوافق التركى مع هذه الرؤية، هو فى حد ذاته انتصارٌ لإرادة مصرية راسخة وثابتة على مدى أكثر من عشر سنوات.
هندسة حلول لأزمات الإقليم
نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بالحلول التى تقدمها مصر وتركيا لمناطق التوتر والنزاع الإقليمى، وحتمية التنسيق بينهما على وقع التأثير والحضور القائم للقاهرة وأنقرة فى عدد من هذه الجبهات، وبالتالى فإن التفاهمات بين الجانبين ضرورة مُلحة، للحل والتسوية المستدامة، والتوافق خير من التباين فى تلك المواقف لمصلحة الإقليم أولاً، لذلك من المهم التوقف مع أهم محددات الحلول التى قدمتها القمّة «المصرية- التركية»، فى ملفات المنطقة:
أولاً: السلام فى غزة
فى ملف غزة، تشارك أنقرة، فى الجهود المصرية الحثيثة لوقف إطلاق النار وترسيخ السلام فى القطاع، بالتعاون مع باقى الشركاء الدوليين؛ قطر والولايات المتحدة؛ حيث وقّعت الدول الأربعة على خطة شرم الشيخ للسلام فى القطاع، ومن هذا المنطلق تتشارك البلدان، فى ضرورة تنفيذ الاتفاق بمراحله المختلفة، بما يشمل إيصال المساعدات الإنسانية ومنع التصعيد.
والموقف هنا لا يتقيد بخطة وقف إطلاق النار فقط؛ وإنما ينطلق من خارطة طريق مصرية، معتمدة عربيًا وإسلاميًا، قائمة فى الأساس على مجموعة من الثوابت، أهمها تحقيق حل الدولتين بإقامة الدولة الفلسطينية، وحشد الجهود الدولية لدعم التعافى المبكر وإعادة الإعمار، مع رفض أى محاولات للالتفاف على تنفيذ خطة الرئيس ترامب للسلام أو تعطيلها، إلى جانب ضرورة وقف جميع الممارسات الأحادية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، بما فى ذلك التوسعات الاستيطانية فى الضفة الغربية.
ثانيًا: التسوية السلمية فى ليبيا
وفى الأزمة الليبية، التى كانت واحدة من ملفات التباين بين القاهرة وأنقرة، أظهرت مخرجات القمّة «المصرية- التركية»؛ تنسيقًا لتحقيق الاستقرار فى الساحة الليبية؛ خصوصًا بعد الاغتيالات التى تشهدها الساحة الليبية لرموز سياسية، كان آخرها اغتيال سيف القذافى.. وهنا أشار الرئيس السيسي فى كلمته إلى توافق البلدين على دعم المسار الأممى للتسوية جنبًا إلى جنب مع الحل «الليبى- الليبى»، واحترام دور المؤسّسات الوطنية.
وعلى هذا الأساس جرَى التأكيد على خارطة حل لإنهاء الانقسام فى السلطة التنفيذية، بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، مع ضرورة خروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، بما يحفظ وحدتها وسيادتها.

ثالثا: إنهاء الصراع فى السودان
لا يختلف الموقف «المصرى- التركى» كثيرًا فيما يتعلق بالأوضاع فى السودان، فكلا البلدين داعمٌ للمؤسّسات الوطنية السودانية، وفى مقدمتها الجيش الوطنى السودانى، فى مواجهة ميليشيا الدعم السريع.. من هذا المنطلق، أكدت قمة الرئيسين السيسي وأردوغان، على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية، تفضى إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق مسار سياسى شامل، مع الحفاظ على مؤسّسات الدولة الوطنية؛ دعمًا لاستعادة الاستقرار والسلام.
وصاغ البيان المشترك بين القاهرة وأنقرة مجموعة من المحدّدات للتسوية فى السودان، تشمل ضرورة الحل السلمى للصراع، يعقبها حوار وطنى شامل، وعملية سياسية سودانية جامعة ومملوكة للسودانيين وتُقاد من قبلهم، كما أكد على الرفض القاطع لإقامة أى هياكل حكم موازية فى السودان.
ويمكن التعويل على التنسيق «المصرى- التركى» ومعه السعودى للتسوية فى السودان؛ خصوصًا فى ظل تقارب الدول الثلاثة مع السلطة الشرعية فى السودان، والتى أظهرتها زيارات رئيس مجلس السيادة السودانى الفريق عبدالفتاح البرهان لعواصم الدول الثلاثة خلال الفترة الأخيرة.
رابعًا: دعم أمن القرن الإفريقى والبحر الأحمر
تحظى تركيا بتواجد ملحوظ فى منطقة حيوية واستراتيجية للدولة المصرية، وهى منطقة القرن الإفريقى وجنوب البحر الأحمر، بفضل تعاونها الملحوظ مع دول تلك المنطقة، ومن هذا المنطلق، يأتى التنسيق بين القاهرة وأنقرة فى هذه المنطقة ضرورة مُلحة لضمان الأمن الإقليمى وحماية المصالح المصرية.
من هذا المنطلق، تتوافق القاهرة وأنقرة فيما يتعلق بدعم سيادة ووحدة وسلامة الأراضى الصومالية، ورفض أى إجراءات تقوض ذلك أو تقسيمه؛ خصوصًا التحركات الأخيرة المتعلقة بالاعتراف الإسرائيلى بإقليم أرض الصومال الانفصالى.
وعلى هذا الأساس، أكد البيان المشترك بين البلدين، على أهمية تأمين البحر الأحمر، واستعادة المستويات الطبيعية للملاحة البحرية الدولية العابرة له، مع إدانة أى محاولات للسعى إلى وجود عسكرى على سواحله بما يخلف القانون الدولى والأعراف الدولية.
وفى نفس الوقت أكد البلدان على الأهمية الحيوية لنهر النيل لمصر، فى ضوء ندرة المياه بها، واتفقا على تعزيز التعاون الفنى فى استدامة استخدام المياه.
خامسًا: دعم وحدة واستقرار سوريا
فيما يتعلق بالوضع فى سوريا، تتوافق القاهرة وأنقرة، على ضرورة الحفاظ على وحدة وسيادة سوريا، ودعم الاستقرار الداخلى، إلى جانب ضرورة تعزيز قدرات مؤسّسات الدولة السورية وإطلاق عملية سياسية شاملة وجامعة ومملوكة للسوريين بمشاركة جميع المكونات، مع التأكيد على أهمية إعادة الإعمار، ومكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره بما يضمن عدم تحول الأراضى السورية إلى مصدر تهديد لأمن واستقرار الدول المجاورة والمنطقة.
وكان من اللافت فى هذا الملف، حديث الرئيس التركى، عن أن بلاده تدعم التحول السياسى فى سوريا، إلاّ أنها تتفق مع القاهرة فى مبدأها القائم على ضرورة حماية وحدة واستقرار الأراضى السورية.. والمعنى هنا أن التوافق «المصرى- التركى» فى هذا الملف، يفوق التباينات المتعلقة بالتغيير القائم هناك.
سادسًا: مواجهة الإرهاب فى منطقة الساحل
من ملفات التوافق «المصرى- التركى»، ضرورة مواجهة الإرهاب فى منطقة الساحل؛ حيث يرى البلدان ضرورة تعزيز قدرات دول الساحل فى مواجهة الجماعات الإرهابية، بالتنسيق مع الحكومات المعنية، مع التأكيد على أن استقرار منطقة الساحل يتطلب انخراط جميع أصحاب المصلحة، التأكيد على أهمية تسريع عملية إعادة عضوية دول الساحل الثلاث فى الاتحاد الإفريقى.
والخلاصة؛ أنّ قمّة الرئيس السيسي مع نظيره التركى أردوغان، تتجاوز نتائجها ومكاسبها حدود التعاون الثنائى، لتمتد إلى تحقيق أثر إيجابى عابر للحدود؛ خصوصًا لدعم الاستقرار والأمن الإقليمى، وإبعاد شبح الحرب عن المنطقة مرة أخرى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



