الإثنين 02 مارس 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الأوقاف تنشر خطبة الجمعة القادمة بعنوان "آيات الله في بدر"

بوابة روز اليوسف

آيات الله في بدر.. تحت هذا العنوان نشرت وزارة الأوقاف عبر منصتها الرقمية تعميم خطبة الجمعة القادمة في مساجد مصر .

 

ومن هذا المنطلق تنشر روزاليوسف نص الخطبة : 

 

الهدف: استلهام روح التأييد الإلهي وتعميقه في الوجدان، وبث روح اليقين إذا ألمت بنا الأزمات

 

آيات الله في بدر

الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا خير أمة، وأصلي وأسلم على سيد الوجود وسيد كل موجود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فإن من أعظم الأيام في تاريخ الإسلام يومًا سماه الله تعالى في كتابه يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، وهو يوم أظهر الله فيه دينه، وأعلى فيه كلمته، إنه يوم بدر.

يظلّ يوم بدر علامة مضيئة في تاريخ الأمة، لا لأنه كان أول مواجهة كبرى فحسب، بل لأنه كان ميدانًا تجلّت فيه آيات الله ونصره لعباده المؤمنين، ففي تلك اللحظات الفارقة، خرج المسلمون بعدد قليل وعدّة متواضعة، لكنهم خرجوا بقلوب معلّقة بالله، فكان التأييد الإلهي هو الفارق الحقيقي في المعركة.

إن أعظم آيات بدر لم تكن في سقوط جيشٍ أمام آخر، بل في تحوّل الخوف إلى طمأنينة، والقلّة إلى قوة، والضعف إلى ثبات، هناك تعلّم الصحابة أن النصر يولد أولًا في القلب؛ فإذا امتلأ القلب يقينًا بالله، هان كل عدوّ، وصغرت كل عقبة، وهكذا صارت بدر درسًا خالدًا بأن الأزمات مهما اشتدت، فإن وراءها لطفًا إلهيًا خفيًا.

وحين نمرّ اليوم بأزمات شخصية أو جماعية، نستحضر روح بدر لا لننتظر معجزة خارقة، بل لنجدد معاني الثقة بالله والعمل بالأسباب، فالتأييد الإلهي لا ينفصل عن الصدق والإخلاص والصبر، وإذا كان الله قد نصر قلة مستضعفة لأنها صدَقت معه، فإن أبواب معيته مفتوحة لكل من صدق التوجّه وأحسن الاعتماد عليه.

إن استلهام آيات بدر يعني أن نغرس في وجداننا يقينًا لا يتزعزع: أن الشدة لا تعني الهزيمة، وأن ضيق الواقع لا يلغي سعة القدرة الإلهية، فكما أشرق فجر النصر في بدر بعد لحظات الترقب والخوف، فإن فجر الفرج قادر أن يشرق في حياتنا، متى ثبتنا على الحق، وأحسنا الظن بربنا، واستمددنا من بدر روح الثبات واليقين.

يوم بدر انتصار على النفس قبل العدو الخارجي:

إن قول الصائم إذا شاتمه أحد أو سابّه: "إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ" ليس مجرد إخبار، بل هو إعلان انتصار على شيطان الغضب، وتذكيرٌ للنفس بقدسية الحالة التي تعيشها، فمن ملك لسانه عند الاستفزاز وهو جائع، فهو لمن سواه أملك.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌لَيْسَ ‌الشَّدِيدُ ‌بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [متفق عليه].

وقال سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري: "إذا صُمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء". [لطائف المعارف لابن رجب].

قال سفيان الثوري: "مَا عَالَجْتُ شَيْئاً أَشدَّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسِي، مَرَّةً عَلَيَّ وَمَرَّةً لِي". [سير أعلام النبلاء].

وقال الحسن البصري: "ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك". [إحياء علوم الدين].

وقال يحيى بن معاذ الرازي: "جاهد نفسك بأسياف الرياضة، والرياضة على أربع أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات". [إحياء علوم الدين].

إن من أولى معالم الانتصار التي ترسخت في نفوس المسلمين آنذاك، هو الانتصار على شهوات النفس وحب الدنيا من مال وولد، وتوجيه الطاقات نحو الطاعة والالتفاف حول القيادة، رغبة في بناء كيان الأمة وحماية أوطانها.

ويتجلى هذا المعلم في قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا عليَّ أيها الناس ..." والنبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول وهو بصدد شحذ الهمم والنفوس لملاقاة الأعداء، فقال له سيدنا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه: قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ نَلْقَى عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللهِ".

إنها مقالة صدق تعكس الحب الحقيقي للقيادة الراشدة، والولاء الحقيقي للوطن، وفي سبيل هذا تبذل الأنفس والأموال، وهذا ما تمثل في مواقف الصحابة من الرعيل الأول، فلا تلكأ ولا تردد، ولا انهزام.

إظهار الافتقار والانكسار هو باب النصر والمدد والعطاء:

من المعالم الجلية ما نلمحه في قوله تعالى: {إِذْ ‌تَسْتَغِيثُونَ ‌رَبَّكُمْ} [الأنفال: ٩] فالآية تقرر طلب الغوث والمدد من الله تعالى، بالافتقار والخضوع بين يديه، فلم تكن بدرٌ يومَ عَتادٍ وعدد، ولا ميدانَ عُدَّةٍ واستعدادٍ فحسب، بل كانت قبل ذلك كله ساحةَ افتقارٍ صادقٍ إلى الله، وتجردٍ كاملٍ من حول النفس وقوتها.

لقد خرجوا لا يملكون إلا يقينًا يُحرِّك الأكفَّ نحو السماء، وقلوبًا تطرق أبواب الرجاء، فكان دعاؤهم عنوان عبوديتهم، وكانت دموعهم شهادة صدقهم، وجعَلَ النبي صلى الله عليه وسلم يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: ٩]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ. [رواه مسلم].

ولما أظهر الصحابة عجزهم وأتوا باب الله تعالى بالانكسار ومظهرين الذل والافتقار لله جل وعلا كان العطاء حليفهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣]، وذلتهم: "ما كان بهم من ضعف الحال، وقلة السلاح والمال والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وما كان معهم إلا فرس واحد، وَقِلَّتُهم: أنهم كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف مقاتل ومعهم مئة فرس، ومعهم السلاح والقوة". [الكشاف عن حقائق التنزيل].

وختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: تنبيه لهم إلى وجوب تفويض أمورهم إلى خالقهم، وإلى أن القلة المؤمنة التقية الصابرة كثيرًا ما تنتصر على الكثرة الظالمة.

كانت الاستغاثة في بدر حالًا يُعاش؛ كانت إعلانًا عمليًا بأن النصر لا يُستمد من كثرةٍ ولا من عتاد، وإنما يُستمد من ربِّ العباد، فجاء الجواب الإلهي سريعًا حاسمًا: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ}، ليعلم المؤمنون أن من طرق باب الله بصدقٍ فُتح له، ومن ألقى بين يديه قلبًا منكسرًا رفعه وأعزه.

وهكذا تقرر الآية أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان: أن الافتقار إلى الله عِزٌّ، وأن الخضوع بين يديه رفعة، وأن العبد إذا تبرأ من قوته أوى إلى قوةٍ لا تُغلب، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: ٦٢]، فالمضطر أقرب إلى الإجابة، لأن اضطراره يُصفّي قلبه من علائق الاعتماد على غير الله.

فطوبى لقلبٍ عرف معنى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، وعاشها في شدته ورخائه؛ إذ بها تُصنع الانتصارات، وبها تُكتب الكرامات، وبها يتحقق وعد الله: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} [الأنفال: ١٠].

 التدخل الإلهي يتجلى في معركة بدر:

قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ». [صحيح مسلم]

وأخبر أبونعيم الأصبهاني، عن قيس بن جبير، قال: "... فَمَا أَيَّدَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا قَبْلَهُ بِالْمَلَائِكَةِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَقَاتَلَتْ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كِفَاحًا كَقِتَالِ النَّاسِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سُأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: ١٢]".

وقد سئل الإمام تقي الدين السبكي: "ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل عليه السلام قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟

فأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها سبحانه في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع" [فتح الباري شرح صحيح البخاري].

فإذا ما تعلق المسلم بالله تعالى في رخائه وشدته، ودعا الله مخبتًا معترفًا فلا شك أن الله تعالى سينظر إليه بعين الرحمة، ويوليه العناية والتكريم، ويُرضي عنه ملائكته وخلقه، فسبحانه لا يرد من عليه توكل ولا يخيب من به استعان، لا سيما في هذا الشهر الكريم، شهر الإجابة، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦].

وكان سيدنا عمر رضي اللَّه يقول: "إني لا أحمل هَمَّ الإجابة، ولكن أحمل هَمَّ الدعاء، فإن ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه". [رواه أبو الشيخ في "العظمة"].

عوامل الطمأنينة في بدر:

- {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ}[الأنفال: ١١].

آيةٌ تختصر سرًّا عظيمًا من أسرار بدر؛ سرَّ الطمأنينة التي تُنزَّل من السماء حين تضيق الأرض، ويشتد الكرب، وتتزلزل القلوب.

ففي ليلةٍ ينتظر فيها القومُ مواجهةً غير متكافئة، وعدوًّا يفوقهم عددًا وعدّة، لم يُنزِل الله عليهم سيوفًا من نور، بل أنزل عليهم نعاسًا! نعاسًا يغشى الأجفان، ويغمر القلوب، ويبدد القلق، إنه نعاس ليس عن غفلة، بل عن سكينة؛ وليس عن ضعف، بل عن ثقة، ولذلك وصفه الله بأنه {أَمَنَةً مِنْه}، أي أمانًا ربانيًا يسكبه في القلوب، قال الإمام الماتريدي: "وقوله عز وجل: {إِذْ ‌يُغَشِّيكُمُ ‌النُّعَاسَ ‌أَمَنَةً ‌مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنه الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما منَّ عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم، والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ}". [تأويلات أهل السنة]

- {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}[الأنفال: ١١].

قال الطبري: "عن ابن عباس .. وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين مُحْدِثين، حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المسلمون، وملئوا الأسقية، وسقوا الرِّكاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رَملة، فبعث الله عليها المطر، فضربها حتى اشتدَّت، وثبتت عليها الأقدام". [جامع البيان]

- تقليل العدو في الأعين، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [الأنفال: ٤٤].

قال الزمخشري: "وإنما قللهم في أعينهم تصديقاً لرؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدّوا ويثبتوا، قال ابن مسعود رضى الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً" [الكشاف].

إرساء مبدأ الشورى:

بالرغم من كون بدر معركة تتلاقى فيها السيوف إلا أنها كانت ميدانًا للقيم، ومن أعظم ما تجلّى فيها قيمةُ الشورى؛ إذ وقف النبي صلى الله عليه وسلم، المؤيَّد بالوحي، يستنطق آراء أصحابه، ويستخرج ما في عقولهم وقلوبهم من نور البصيرة، لم يفعل ذلك حاجةً إلى رأيٍ يغنيه عن الوحي، بل تربيةً لأمةٍ ستقود العالم، وتعليمًا لها أن الاستبداد بالرأي بذرةُ هزيمة، وأن الشورى روحُ النصر.

استشارهم في الخروج، وفي مواجهة العدو، وفي اختيار الموقع، وحتى في شأن الأسرى بعد المعركة، وهكذا تحوّل الجيش من صفوفٍ منفّذة للأوامر إلى جماعةٍ تشارك في حمل الأمانة، فنشأت الثقة بين القيادة والقاعدة، وصار كلُّ رجلٍ يشعر أن له سهمًا في القرار كما له سهم في الجهاد؛ فكانت الطاعة عن اقتناع، والثبات عن يقين.

ولما أشار الحباب بن المنذر بتغيير موضع النزول ليكون أقرب إلى آبار الماء، لم يتردد القائد في الاستجابة؛ في مشهدٍ يعلن أن الكفاءة تُحترم، وأن الخبرة تُقدَّم، وأن الحق يُقبل ممن جاء به، هنا يتجلّى الأدب النبوي في أرقى معانيه: لا حرج في مراجعة الرأي، ولا غضاضة في الرجوع إلى الأَولى، ما دام المقصد إعلاء كلمة الله، قال ابن هشام: "أَنَّ الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلًا أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ، وَلَا نَتَأَخَّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: ‌بَلْ ‌هُوَ ‌الرَّأْيُ ‌وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنَّاسِ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ، فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمَّ نُقَاتِلُ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبُ وَلَا يَشْرَبُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ، فَسَارَ حَتَّى إذَا أَتَى أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ نَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْقُلُبِ فَغُوِّرَتْ، وَبَنَى حَوْضًا عَلَى الْقَلِيبِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ، فَمُلِئَ مَاءً، ثُمَّ قَذَفُوا فِيهِ الْآنِيَةَ". [سيرة ابن هشام].

ثم جاءت كلمات سعد بن معاذ والمقداد بن عمرو رضي الله عنهما، كلماتٍ تقطر إيمانًا ويقينًا: إعلانُ ولاءٍ مطلقٍ لله ورسوله، واستعدادٍ لتجاوز حدود الممكن في سبيل الحق، لم تكن تلك العبارات حماسةً عابرة، بل كانت تعبيرًا عن فهمٍ عميق أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم التزامٌ عقدي قبل أن يكون واجبًا عسكريًا، وأن القيادة إذا صدقت مع ربها صدق معها أتباعها.

قال ابن هشام: " ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ} [المائدة: ٢٤]، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ،... قَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْن مَعَك، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ". [سيرة ابن هشام]

وهكذا أثبتت بدر أن القيادة في الإسلام ليست تسلطًا، بل أمانة؛ وليست فرض رأي، بل صناعة وعي؛ وليست تعاليًا على الجند، بل إشراكًا لهم في حمل الرسالة، ومن هنا كان النصر ثمرة قلوبٍ تشاورت، وتآلفت، واجتمعت على كلمةٍ سواء.

أخلاقيات القتال: منظومة القيم في التعامل مع الأسرى:

كانت بدر، فضلا عن الانتصار العسكري، انتصارًا أخلاقيًا باهرًا تجلى في التعامل مع الأسرى والغنائم، فبينما كان العالم القديم لا يعرف سوى القتل والتمثيل، سن الإسلام قوانين تحفظ كرامة الإنسان حتى وهو عدو مكسور.

الوصية بالأسرى: أوصى النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «استوصوا بالأسرى خيرًا»، فكان الصحابة يؤثرونهم بالخبز ويأكلون هم التمر، في صورة من الإيثار لا نظير لها، قال الواقدي: "فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ: كُنْت مَعَ رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَزَاهُمْ اللهُ خَيْرًا، كُنّا إذَا تَعَشّيْنَا أَوْ تَغَدّيْنَا آثَرُونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ، وَالْخُبْزُ مَعَهُمْ قَلِيلٌ وَالتّمْرُ زَادُهُمْ، حَتّى إنّ الرّجُلَ لَتَقَعُ فِي يَدِهِ الْكِسْرَةُ فَيَدْفَعُهَا إلَيّ، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ: وَكَانُوا يَحْمِلُونَنَا وَيَمْشُونَ" [المغازي].

قال الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة: "لعل أبلغ ما يدل على أن الحرب النبوية التى دافع بها صلى الله تعالى عليه وسلم عن المؤمنين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، هى حرب لتعليم الناس أن الخلق الكريم يلازمها، وأن الفضيلة تظلها في كل أدوارها، هو معاملة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم للأسرى، لقد كان رفيقا بالأسرى لا يهدر آدميتهم، ولا يعرف تاريخ الإنسانية محاربا كان رفيقا بأسراه كمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد كان صلى الله تعالى عليه وسلم يوصى بالأسرى، ولما أسر من أسر في غزوة بدر، نزلوا في بيوت الأنصار، وكأنهم في ضيافة لا في أسر، وذلك لقول النبى صلى الله تعالى عليه وسلم: «استوصوا بالأسرى خيرا» ولماذا كان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم يوصي بالأسرى، ويبالغ في الإيصاء بهم؟ والجواب عن ذلك: أنهم يؤسرون ونيران الحرب مستعرة، وربما كان بعضهم من قتل الكثير من جيش المسلمين فيكون الاعتداء عليه متوقعا وغليظا لشدة الغيظ، وانبعاث الرغبة في الانتقام، كما فعل الأوربيون والأمريكان فيمن سموهم مجرمي الحرب، فالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يضرب الأمثال السامية في تلك الحرب النبوية، منع إيذاء الأسرى وأمر بإكرامهم منعا لتلك الروح الانتقامية الغليظة.

وقد أخذ المسلمون في أسرى بدر بتلك الوصية الكريمة، حتى إن الذين قد نزلوا في ديارهم كانوا يؤثرونهم على أنفسهم وأولادهم بالطعام". [خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم]

الفداء التعليمي: جعل النبي فداء من لا يملك مالاً من الأسرى تعليم عشرة من أبناء الأنصار الكتابة، وهو ما يعكس قدسية العلم في الإسلام حتى في ذروة الصراع، ففي مسند الإمام أحمد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ ‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌لَهُمْ ‌فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ.

قال الدكتور محمد أبو شهبة: "وقبول النبي صلى الله عليه وسلم تعليم القراءة والكتابة بدل الفداء في هذا الوقت الذي كانوا فيه بأشد الحاجة إلى المال: يرينا سموّ الإسلام في نظرته إلى العلم والمعرفة وإزالة الأمية، وليس هذا بعجيب من دين كان أول ما نزل من كتابه الكريم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: ١- ٥]، واستفاضت فيه نصوص القرآن والسنة في الترغيب في العلم وبيان منزلة العلماء، وبهذا العمل الجليل يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أول من وضع حجر الأساس في إزالة الأمية وإشاعة القراءة والكتابة، وأن السبق في هذا للإسلام". [السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة].

رفض التمثيل والتعذيب: منع النبي صلى الله عليه وسلم نزع ثنايا سهيل بن عمرو رغم خطره ضد الإسلام، مؤكداً أن الأخلاق لا تتجزأ ولا تخضع لردود الأفعال، ففي السيرة لابن هشام "أَنَّ ‌عُمَرَ ‌بْنَ ‌الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ ‌سُهَيْلِ ‌بْنِ ‌عَمْرٍو، وَيَدْلَعُ لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا أُمَثِّلُ بِهِ فَيُمَثِّلُ اللَّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا»، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «إنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ».

تربية النفوس بفقه الغنائم:

لم يكن أعظم ما في غزوة بدر سقوطُ صناديد الكفر فحسب، بل كان تهذيبُ النفوس بعد النصر؛ لأن أخطر ما يواجه الأمة بعد الغلبة ليس العدو الخارجي، بل فتنة الدنيا حين تلوح بريقًا في الأيدي والعيون.

ولما وقع شيءٌ من الاختلاف حول الغنائم، نزلت سورة الأنفال تعالج القلوب قبل أن تعالج القسمة، فقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [الأنفال: ١]، فجاء الجواب قاطعًا حاسمًا، ينزع الملكية من الأفراد، ويرد الأمر إلى الله ورسوله؛ ليعلم المجاهدون أن المعركة لم تكن تجارة، وأن السيوف لم تُسَلَّ طلبًا للغنيمة، بل ابتغاء مرضاة الله.

الخطبة الثانية

التحذير من تقديم المساعدات للمحتاجين بشكل غير لائق

تُعدّ مساعدة المحتاجين من أعظم القيم الإنسانية والشرعية، فهي تعبير عن الرحمة والتكافل الاجتماعي.

لكن مما يؤسف له انتشار سلوكيات سلبية أحيانًا في تقديم المساعدات، مثل التقديم بشكل مذل أو جارح لكرامة المستفيد، أو توزيعها بطرق غير منظمة تؤدي إلى استغلال الحاجة أو إهدار الموارد، ومن هنا نشير إلى عدة أمور:

الرحمة لا تنزع إلا من شقي:

عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَادق المَصدُوق أَبا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحمَةُ إِلا مِن شَقِي». [الأدب المفرد للبخاري].

قال الشيخ أبو زهرة: "ولقد أدرك هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه بهدي النبى صلى الله تعالى عليه وسلم واتخاذه له قدوة، فكان لا يولي إلا من يشعر منه بأنه يكون فى ولايته شفيقا رحيمًا إلا إذا وجب حد، فإنه لا شفقة، والرحمة بالكافة تقتضى إقامته.

ولقد دخل على عمر رضى الله عنه رجل، وكان عمر قد اعتزم أن يوليه ولاية، فرأى عمر يقبل بعض ولده، فقال الرجل أو تقبل ولدك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، وأنت ألا تقبل ولدك؟ قال: لا، فقال الفاروق: وأنا لا أوليك، من لم يرحم ولده لا يرحم رعيته" [خاتم النبيين].

معاملة المسلم تعلوها الرحمة مع كل المخلوقات:

وفي الحديث عن سيدنا مُعَاوِيَة بْن قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ، وَأَنَا أَرْحَمُهَا - أَوْ قَالَ: إِنِّي أَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا - فَقَالَ: «وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا، رَحِمَكَ اللَّهُ». [مسند أحمد].

وعَنْ سيدنا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَطافَتْ بِهِمْ فَلَمْ تَجِدْ مَكَانًا، فَفَطِنَ لَهَا رَجُلٌ فَقَامَ وَجَلَسَتْ، فَقَضَتْ حَاجَتَهَا ثُمَّ قَامَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ: «أَتَعْرِفُهَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «أَفَرَحِمْتَهَا! رَحِمَكَ اللهُ» ثَلَاثًا. [الطبراني في الكبير بسند حسن].

فانظر لأجل أن الرجل رحم المرأة عندما قدمت لحاجة استوجب له أن يدعو له صلى الله عليه وسلم بالرحمة ثلاثًا، فما بالنا في المدارس والمستشفيات وطرق المواصلات، والمصالح العامة والخاصة لا نراعي شعور الخلق!!!

من كان في حاجة الناس كان الله في حاجته:

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ شَيْئًا، فَفَتَحَ بَابَهُ لِذِي الْحَاجَةِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْفَقْرِ، يَفْتَحُ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِحَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ، وَفَقْرِهِ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الْحَاجَةِ، وَالْفَاقَةِ، وَالْفَقْرِ، أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ حَاجَتِهِ، وَفَاقَتِهِ، وَفَقْرِهِ». [رواه معمر بن راشد].

وفي «مسند أحمد» عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

أمر الإسلام ولاة الأمر والمصالح بالصبر على الناس والإحسان إليهم:

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُتَوَشِّحًا بِهَا عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، قَالَ: «فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ»، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ تَكْثُرُونَ، وَيَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ». [رواه ابن الجعد في مسنده].

دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رفق بالناس:

فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ: كَيْفَ وَجَدْتُمْ ابْنَ خَدِيجٍ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: وَجَدْنَاهُ خَيْرَ أَمِيرٍ: مَا مَاتَ لِرَجُلٍ مِنَّا عَبْدٌ إِلَّا أَعْطَاهُ عَبْدًا، وَلَا فَرَسٌ إِلَّا أَعْطَاهُ فَرَسًا، وَلَا بَعِيرٌ إِلَّا أَعْطَاهُ بَعِيرًا، فَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ، وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». [صحيح مسلم].

إجراءات عملية لمواجهة قضية تقديم المساعدات للمحتاجين بشكل غير لائق:

  • تصحيح النية قبل العطاء، واستحضار أن الصدقة عبادة بينك وبين الله، لا وسيلة للمدح أو الظهور.
  • حفظ الخصوصية والكرامة، لا تُصوّر المحتاج، ولا تنشر قصته إلا بإذنه الصريح ولضرورة حقيقية.
  • قدّم المساعدة في مكانٍ يحفظ ماء وجهه، بعيدًا عن أنظار الناس.
  • تجنب الأسئلة المحرجة أو التحقيق المبالغ فيه في ظروفه.
  • استخدم كلماتٍ تُشعره بالاحترام: “هذا حقك”، “أسأل الله أن يوسع عليك”، بدل عبارات المنّة أو الاستعلاء.
  • ابتسم في وجهه، فالبِشر صدقة قبل أن يكون المال صدقة.
  • احرص على الصدقة السرية قدر المستطاع؛ فهي أبعد عن الرياء وأحفظ للكرامة.
تم نسخ الرابط