rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كيف أصبحت «مسلسلات رمضان» منصة لإنتاج السرديات السياسية والاجتماعية؟

 

ربما لن أميل للمثل الغربى «لا تحكم على الكتاب من غلافه»، عند النظر لصناعة المحتوى الدرامى فى شهر رمضان، وإنما سأكون أقرب للمثل العربى «الكتاب يُعرف من عنوانه»، وعنوان الكتاب هنا تلك الوجبة الدرامية المدروسة بعناية لتقدم على مائدة الشاشات فى رمضان للمشاهد المصرى والعربى، بهدف تقديم أثر إيجابى مجتمعيًا ووطنيًا وشعبيًا.
 


فليس هدفى هنا - الحديث عن موسم دراما رمضان - من منظور فنى، أو الانسياق وراء أشكال التفاعل من إشادات أو حتى ملاحظات وانتقادات على أداء بعض النجوم والفنانين المشاركين فى وجبة المسلسلات المختلفة، فهذه طبيعة المنافسة الدرامية فى رمضان، التى لا تخلو من بورصة الترشيحات للأفضل، وتقديرات وتقييمات الصعود والهبوط لمختلف عناصر منظومة صناعة المحتوى الدرامى والفنى.


بينما هذه مناسبة، للتوقف أمام قوة الصناعة نفسها، صناعة الدراما وتأثيراتها المجتمعية والسياسية، ذلك أن موسم الدراما الرمضانية بحجم كونه ساحة للتبارى الفنى بين عناصر الصناعة، إلا أنه أصبح أيضًا ساحة سياسية وثقافية تتجلى فيها القضايا والتحديات والأفكار المجتمعية والقومية.
 


وبالتالى نحن نتحدث عن نقطة تحول فى مفهوم الصناعة، يتجاوز المنظور الضيق كفرصة للإنتاج التجارى، إلى إنتاج مسلسلات أصبحت إحدى أدوات صياغة الوعى الجمعى، وإنتاج السرديات السياسية والاجتماعية، والتوثيق الأمين للواقع المعاصر الذى نعيشه بتحدياته وقضاياه، وهو ما يجعلها جزءًا من معركة «القوة الناعمة» التى تخوضها الدول فى مواجهة خصومها.
 


وهذا النوع من الدراما لا يكتفى بالترفيه، بل يقدّم شهادة إنسانية ويعيد تشكيل الوعى خدمة للقضايا الوطنية، لذلك أصبح الكثير من المسلسلات الرمضانية بمثابة «منابر سياسية غير مباشرة»، تطرح وتوثق وتناقش قضايا الأمن والهوية الوطنية والتحديات المجتمعية فى قوالب فنية جاذبة للجمهور.
 


والنماذج هنا عديدة، منها على سبيل الاستشهاد، سلسلة مسلسلات «الاختيار» التى كشفت ووثقت كثيرًا من التحديات التى عاصرتها الدولة المصرية قبل وبعد ثورة 30 يونيو، وصولًا لمسلسل «رأس الأفعى»، الذى يوثق كثيرًا من جرائم تنظيم الإخوان الإرهابى بحق الشعب المصرى خلال السنوات الأخيرة.


قوة التأثير الناعم

وربما نقطة الانطلاق فى هذا التحول، أن الدولة المصرية، تدرك قوة التأثير الدرامى، وأن الدراما جزء من قوتها الناعمة، لذلك تدعمها باعتبارها وسيلة للتأثير الثقافى والمجتمعى، والواقع أن بوصلة الإنتاج الدرامى والبرامجى فى رمضان، مازالت تتجه نحو الشاشات المصرية، على مستوى الأفكار والمحتوى والتمثيل والإخراج.
 


إذن نحن نتحدث عن قوة، لديها ميراث من التأثير الناعم، فى الوعى المجتمعى، تسعى الدولة للحفاظ عليه وتطويره وتحديثه، وأحد أهم أدوات الدولة المصرية فى ذلك، الإنتاج الدرامى الذى تقدمه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، هذا العام وخلال السنوات الماضية.
وربما هذا المعنى تحدث عنه رئيس الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، طارق نور، خلال احتفالية إطلاق خريطة الشركة لدراما رمضان هذا العام، فى بداية شهر فبراير بالعاصمة الإدارية، حينما أشار إلى أن «مصر تمتلك أغلى وأقوى قوة ناعمة، وقدرتها على التأثير فى الوعى العام لا تزال مستمرة رغم التحولات الكبيرة التى تشهدها صناعة الإنتاج الرقمى».
 


والتأثير الذى تحدث عنه طارق نور، ممتد، ذلك أنه استشهد مثلا بأن «القوى الناعمة هى التى جعلت فيلمًا مثل (أريد حلًا)، يغير القانون، وفيلمًا مثل (كلمة شرف)، يصدر قانونًا، وفيلمًا آخر مثل (جعلونى مجرما) يلغى قانونًا، ومسلسل مثل (تحت الوصاية) يثير حوارًا مجتمعيًا عن قيود الوصية على الأبناء القُصر»، والأمر لا يختلف مع نماذج أخرى مثل «برنامج دولة التلاوة، الذى سجل نحو 2 مليار مشاهدة»، أو «انتشار ترنيمة حفل المومياوات على الهواتف المحمولة».
 


ويبقى الأثر للدراما، رغم التطور المتلاحق فى الإنتاج الرقمى، ذلك أن قوة التأثير تنطلق فى الأساس من صُناع الدراما أنفسهم، بداية من الأفكار والمحتوى ثم المعالجة والإخراج والأداء الفنى للنجوم، وكلها عناصر يظل تأثيرها حاضرًا، رغم تعدد وتنوع منصات التواصل مع المشاهد.

 

دراما المتحدة تتسع للجميع

 

نقطة التوقف الثانية، تتعلق بالمتغير الذى أحدثته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى صناعة الدراما ومحتواها، فبعد أن كانت شركات الإنتاج تتنافس على تقديم أعمال تجارية، بمفاهيم محدودة، كالاعتماد على دراما النجم الأوحد، أو تصدير نماذج وصور سلبية للمجتمع المصرى، منها «البلطجة»، أصبحنا أمام فلسفة إنتاجية قائمة على أسس وطنية ومجتمعية، غايتها صياغة الوعى العام للمجتمع.
 


والواقع أن المنافسة الدرامية فى رمضان، لها أحكامها التى لا تعترف بالمُسَلمات الفنية المعتادة فى صناعة الدراما، ذلك أن ميزان الحكم دائمًا فى عين المشاهد والجمهور، فالمعادلة تتلخص دائمًا فى مدى تقدير مشاهدك وتقديم ما يحترم فكره ويناسب اهتماماته ورغباته وتنوعه، هذه هى القاعدة أو الفلسفة أو المرجعية التى يمكن أن ننظر بها للأعمال الدرامية المتنافسة فى السباق الرمضانى هذا العام، والتى يشكل قوامها الأساسى ما تقدمه «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» من أعمال، ذلك أنها اعتبرت أن الهدف الأساسى أمامها هو «المشاهد» دون انحياز.
 


ومن هذا التقدير كانت وجبتها الدرامية مليئة بالتنوع، بمجموعة من المسلسلات تقارب 22 مسلسلًا، متعددة الألوان الدرامية ما بين الاجتماعى والأمنى والقومى والكوميدى والشعبى والإثارة، وبالتالى سجلت حضورًا لمختلف اهتمامات وميول المشاهد المصرى والعربى على الشاشات المصرية.
 


والقضية هنا أبعد من فكرة تنوع الألوان الدرامية، لكنها فلسفة للشركة المتحدة قائمة على أن «الشاشة للجميع»، أو أن الشاشة تتسع للجميع على مستوى المشاهدة والمحتوى وعلى مستوى الصناعة، فلا يمكن أن نغفل أو ننكر هذا الكم من المشاركة الواسعة من النجوم والفنانين والصُناع من مخرجين وكتاب ومنتجين وغيرهم، والأهم التوظيف الفنى لهم بأدوار مختلفة ومتناسقة فى المشاريع الدرامية المقدمة، وتلك ميزة يجب التمعن والتوقف أمامها كثيرًا، مع مميزات أخرى تجسدها طفرة الإنتاج الدرامى.
 


وأهم ما فى التعدد وتنوع المشاركة من صُناع الدراما هذا العام، هو دحض واحدة من آفات إفساد صناعة الدراما فى سنوات قريبة وهى فكرة «الاحتكار»، التى كانت قائمة على حصر بطولة الأعمال والمشاركة فيها على أسماء محددة، لكن الفارق حاليًا فى تغيير «القاعدة» القائمة عليها صناعة الدراما، فالبطل هو العمل نفسه، ومعيار المشاركة هو الموهبة ومدى القدرة على الإضافة للعمل والخط الدرامى.
 


البعد الآخر، يتعلق بالظرف العام والإقليمى، الذى نشاهد فيه موسم دراما رمضان هذا العام، كفترة صعبة مليئة بالتحديات والاضطرابات الإقليمية، وهو واقع ربما لم تغفله الدراما، بتقديم أعمال تتجاوز رسائلها وأهدافها حدود المعالجة الفنية، للتحدث عن معانٍ سياسية ووطنية، وجب تسجيلها بإحدى أهم أدوات القوى الناعمة وهى الدراما، ونتحدث هنا، عن نموذج مسلسل «صحاب الأرض»، الذى يوثق لمأساة عدوان الاحتلال الإسرائيلى الأخير على قطاع غزة، وأيضًا مسلسل «رأس الأفعى»، الذى يوثق جرائم جديدة لتنظيم الإخوان الإرهابى بحق الدولة المصرية.

 

أداة للتضامن العربى

نقطة التوقف الثالثة، تتعلق بتوظيف الفن والدراما  لخدمة القضايا السياسية والقومية، خصوصا القضية الفلسطينية، وهنا نتوقف أمام المعانى التى يقدمها مسلسل «صحاب الأرض»، والذى يرصد المعاناة الإنسانية التى عاشها الشعب الفلسطينى تحت الحصار، فى ظل الحرب على قطاع غزة فى أعقاب السابع من أكتوبر 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.
 


والواقع أن هذه ليست المرة الأولى التى يتم فيها تقديم عمل درامى داعم للقضية الفلسطينية، فقد سبق ذلك، مسلسل «مليحة»، الذى قدمته الشركة المتحدة أيضًا فى موسم دراما رمضان 2024، وكان يوثق معاناة أسرة فلسطينية، أرادت العودة إلى غزة، وسط عدوان الاحتلال الإسرائيلى عليها.
 


وأهمية مثل هذه الأعمال، أنها توثق للحظة فارقة فى تاريخ المنطقة، خصوصًا النهج العدائى لدولة الاحتلال الإسرائيلى فى غزة والمنطقة، وفى المقابل التحركات المصرية لإحباط كل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وقوة التوثيق الدرامى هنا تنطلق من كون الفن وسيلة باقية الأثر والتأثير، ومن خلالها يمكن مواجهة محاولات دولة الاحتلال الإسرائيلى لتحريف المحتوى الإعلامى المنشور عن جرائمها ضد الإنسانية فى قطاع غزة، للحد الذى دفع رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لإبرام اتفاق العام الماضى مع شركة «جوجل»، للترويج للرواية الإسرائيلية فى غزة، مقابل 45 مليون دولار!
 


والشاهد هنا أن القاهرة، سبق أن قدمت أعمالًا درامية وثقت لأحداث عديدة فى الصراع العربى الإسرائيلى، ونذكر منها مسلسل «رأفت الهجان»، الذى «لا يزال تأثيره باقيًا ومستمرًا ولا يمكن تحريفه»، ونهم المتابعة له حاضرة حتى مع الأجيال الجديدة.
 


من هذا المنطلق، لم أفاجأ بردود الفعل الإسرائيلية، وحالة الاستنفار لدى الإعلام العبرى تجاه مسلسل «صحاب الأرض»، للحد الذى وصفت فيه القناة 12 الإسرائيلية، إنتاج المسلسل، وبثه على الشاشات المصرية، باعتباره «خطوة سياسية مدروسة».
 


والواقع، هو قرار جرىء من الدولة المصرية، أن توظف الفن والدراما وقواها الناعمة، فى أدوات المواجهة مع «العدو»، إلى جانب التحركات السياسية والدبلوماسية، فالهدف هنا، توعية المشاهد المصرى والعربى، بجرائم هذا العدو المستمرة.
 


البعد الآخر، أن مثل هذه الأعمال، دائمًا ما تكون فرصة لمشاركات فنية من نجوم عرب، فمسلسل «صحاب الأرض»، يشارك فيه عدد كبير من الفنانين الفلسطينيين والأردنيين وأيضًا من لبنان، والمعنى هنا أن قاعدة المشاركة فى الصناعة تتسع إلى الفنانين من دول عربية، بما يعزز من دور الفن كرسالة للوحدة والتضامن العربى.

أداة لكشف جرائم الإخوان


والهدف لا يختلف كثيرًا فى الأعمال التى تعالج وتؤرخ للواقع السياسى المصرى، خصوصا مرحلة المواجهة التى خاضتها الدولة المصرية ومؤسساتها، مع تنظيم الإخوان الإرهابى، وهنا لا نتحدث فقط عن مسلسل «رأس الأفعى»، وإنما عن سلسلة من الأعمال التى كشفت كثيرًا من كواليس ما حدث فى ثورة 30 يونيو 2013، وكيف رفض هذا التنظيم الانحياز لمصلحة الدولة ومؤسساتها للحفاظ عليها.
 


ونذكر هنا، مسلسل «الاختيار3»، خصوصا نسخة «القرار»، التى عرضت فى رمضان 2022، ورصدت كواليس ما حدث قبل وأثناء الثورة، ثم عمليات الإرهاب التى استهدفت بها الجماعة الشعب المصرى، ومؤسسات دولته، وهى أعمال دائمًا ما تواجه بحملات من لجان التنظيم، بالنظر إلى أدوارها فى كشف عورات الجماعة أمام الرأى العام.
 


وفى نسخة هذا العام، نتحدث عن عمل درامى، يروى كثيرًا من ممارسات هذا التنظيم، ضد الدولة المصرية ما بعد ثورة يونيو، خصوصا أكاذيبه التى كان يبثها عبر منصات التواصل الاجتماعى، والعمليات الإرهابية التى كان ينفذها الجناح المسلح للجماعة، والأزمات التى كان يصدرها للشارع المصرى، مثل محاولات تعطيل عمل المؤسسات، وإحداث أزمة فى العملات الأجنبية.
 


والمعنى هنا، ليس توظيفًا سياسيًا للدراما، ولكن هو استثمار لقوة وتأثير الدراما فى المواجهة مع هذا التنظيم، بالنظر إلى البعد الفكرى والدينى والسياسى، فى دحض كل أفكار وأساليب جماعات الإسلام السياسى، والتى تستدعى مواجهة شاملة توظف وسائل القوى الناعمة، كالإعلام والفن، إلى جانب المسارات الأمنية والسياسية والدينية والثقافية.

 

احترام عقل المشاهد


نقطة التوقف الأخرى، تتعلق بمجموعة من المميزات والمكاسب التى حققتها طفرة الإنتاج الدرامى، خصوصا المقدمة من الشركة المتحدة فى السنوات الأخيرة، والتى يمكن حصرها فى النقاط التالية:
 


 البعد الأول، ما يتعلق بالعدالة فى الإنتاج والصناعة، من خلال إتاحة المجال لشركات الإنتاج المختلفة للمشاركة، إلى جانب إتاحة المجال لمشاركة أوسع من نجوم الفن، والمخرجين، ومنح فرص أكبر من الوجوه الشابة لتتقدم الصفوف فى الإنتاج الفنى.
 


 البعد الثانى، يتعلق بمواجهة الاحتكار فى الأعمال الفنية، التى كانت قائمة على حصر بطولة الأعمال والمشاركة فيها على أسماء محددة من النجوم، ولكن المختلف حاليًا هو تقديم جيل جديد من الوجوه الشابة، للمشاهد، للحد الذى أعطت فيه الشركة المتحدة البطولة لبعض نجوم الشباب، مثل عصام عمر فى «عين سحرية»، أو إسهام الفنان أحمد غزى، فى مسلسل «رأس الأفعى»، إلى جانب النجم أمير كرارة.
 


 البعد الثالث، يتعلق بالتطور فى محتوى وجمال الصورة المقدمة، فى الأعمال الدرامية، فالمشاهد المقدمة تتبنى مسألة تصدير صورة حسنة للواقع المصرى، على عكس ما كان يقدم سابقًا من مشاهد العشوائيات والقبح فى الشارع المصرى، إضافة إلى ما تقدمه كثير من الأعمال، بتضمين مشاهد مصورة تعكس طفرة التنمية فى قطاعات مختلفة بالدولة.
 


والخلاصة، أننا نتحدث عن إنتاج درامى هادف، يوازن بين الترفيه والإثارة، والرسالة الهادفة، من خلال أعمال جريئة، تناقش قضايا مجتمعية وواقعية، بدلًا من التكرار المقلد أو الأعمال التجارية، فبات من المؤكد أن كل عمل درامى يتم إنتاجه، يناقش فكرة أو رسالة أو غاية تحترم المشاهد، ويساهم فى نفس الوقت، فى صياغة سرديات المجتمع المصرى سياسيًا ومجتمعيًا.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط