الخميس 27 فبراير 2020
بوابة روز اليوسف | الحرية فى الخطاب الدينى
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الحرية فى الخطاب الدينى

الحرية فى الخطاب الدينى

قضية شائكة هى، ومؤرقة، كثيرة الجدل، وخطيرة، كما أنها أرض شاسعة وخصبة ورخوة تسمح بالتلاعب ودس الأفكار المغرضة لتعطيل التجديد، كما أنها فرصة كبيرة للتحديث والتجديد والفهم لديننا الحنيف.



 

 قضية تجديد الخطاب الدينى هى قضية مستقبل، مستقبل أمة ارتبطت قديمًا ارتباطًا وثيقًا بالدين، فقد توالت الأديان على أرضها المقدسة، وعرفت التوحيد إلى أن دخل الإسلام وكانت حافظًا وحصنًا منيعًا له، كما فعلت من قبل مع اليهودية والمسيحية، الدين فى مصر أساس، علينا أن نناقش قضاياه برفق وبدون تشنج وبدون مزايدة، بعدما عانت الدولة من تيار دينى متشدد وإرهابى، أساء للدين قبل أن يسىء للأمة. وعانت خلال عام من حكم الثيوقراط. ذقنا المر خلال سنوات تواجد الجماعة الإخوانية الإرهابية فى نسيج المجتمع المصرى، استطاعوا فى غفلة من الزمن أن يتوغلوا بين كل طبقات الشعب، القليل استجاب والكثير لم يبال بوجودهم، وبفعل الفوضى المقصودة والمرتبة استطاعت الجماعة الإرهابية أن تصل للحكم فى عام هو الأحلك فى تاريخها الحديث.. جماعة احترفت الكذب والادعاء والانتهازية والجشع والدموية وروح الانفصال عن المجتمع وتكفيره والاستعلاء على كل ما هو ليس من عشيرتهم، يدار الحكم فيما بينهم فى غياب العقل والمنطق، الديكتاتورية الفاشية متجسدة فى اتخاذ القرارات، كرهٌ للدولة ومؤسساتها بتاريخها وجغرافيتها وعاداتها وقيمها وتقاليدها، كانت الجماعة تتاجر باسم الدين وتفترى على الله بانتهازية الحصول على أكبر كم ممكن من المكاسب الشخصية. يكرهون بعضهم البعض. ويعايرون بعضهم البعض، بل ويشككون فى إيمان بعضهم البعض، صنعوا الكهنوت.. وألهوا المرشد..

 

وجعلوا أنفسهم وسطاء ما بين الناس وما بين الله، حتى لفظتهم الأمة فى أعظم وأنبل أيام شهدتها مصر فى ملحمة التخلص منهم نهائيًا. ولولا تدخل الدولة فى الوقت المناسب لسحلهم الشعب فى الشوارع بعدما علق بعضهم على أعمدة النور كرهًا وزهقًا من حكمهم الأسود. تركوا البلاد وقد أساءوا للدين الحنيف.

 

وهو ما يجعلنا نتدبر الأمر من جديد فى قضية تجديد الخطاب الدينى كى لا يتسلل مثل هؤلاء مرة أخرى إلى المجتمع الذى يشهد تغييرًا جذريًا كبيرًا بالتوازى مع بناء الدولة القوية. كما أن عصر العولمة الكاسح الذى يجتاح العالم من حولنا ويخلق المواطن العالمى فى ظل الثورة التكنولوجية التى خلقت الحداثة وجعلتها تحل محل القومية.

 

وهو يجعلنا فى أمس الحاجة لتنقية الدين الحنيف المتسامح من شوائب التشدد والتطرف وتزييف الحقائق ولى المفاهيم بكلمة حق يراد بها باطل. إنها مسئولية كل فرد فى المجتمع للحفاظ على الهوية المصرية الذى يلعب الدين دورًا رئيسيًا فى تكوينها. والدين الصحيح هو من أهم أعمدة بناء الإنسان المصرى الذى نحن بصدد إعادة بنائه بشكل عصرى حديث يتوافق مع التغيرات العالمية العنيفة والقاسية من حولنا. مسئولية كل فرد أن يحكم عقله فيما يتعرض له يوميًا من فتاوى وأحكام لا نعرف لها مصدرًا إلا أنها قيلت من رجل طالت لحيته والتوى لسانه لزوم الإقناع بفكره - لزوم « الشغل» - وبعد البحث والقراءة لكثير من العلماء يمكننا أن نصل إلى بداية الخيط فى قضية تجديد الخطاب الدينى وهى «الحرية»، فالإطار العقلى للإسلام هو الحرية فى الحوار، فلا حرية بأى معنى بغير الحوار والعقلانية والنص القرآنى هو التجسيد الأوفى لحرية العقل فى الإسلام، فالتوحيد هو القيمة المطلقة فى الإسلام. والتشريع هو القيمة النسبية، لذلك كان الجوهر الإسلامى هو «التوحيد» بينما كان التشريع الإسلامى هو حصيلة «الاجتهاد» فى التأويل والتفسير، والأمر على عكس ذلك تمامًا فى اليهودية مثلًا. حيث يصبح «يهوه» إلهًا لشعب مختار، هنا تصبح الألوهية قيمة نسبية بينما التشريع يصبح هو القيمة المطلقة، ويصبح شكل القبيلة العنصرية وتنظيم علاقتها بالأرض والسماء هو قيمة القيم والمعنى الرئيسى لذلك هو غياب الحرية عن البنية العقلية لليهودى، وحلول عقدة التفوق مكانها.

 

ومن ثم الجيتو الواسع أو الضيق على السواء. وقد جاء العقل المسيحى من هذه الزاوية نقيضًا للعقل اليهودى. إذ خلا فى الأصل من التشريع. غير أنه كما اقترن التوحيد اليهودى بشعب الله المختار. اقترن التوحيد المسيحى بفكرة الفداء عن الخطيئة الأصلية. ومن ثم تجسد الله. وكانت النتيجة الخلو من التشريع. أى الحرية الكاملة والاتجاه نحو الإنسانية كلها قد تحول على طول التاريخ الاجتماعى للمسيحية إلى تشريع مطلق كظل لله على الأرض. وأصبحت الشريعة هى القيمة المطلقة. والتوحيد هو القيمة النسبية عبر الأقانيم الثلاثة الأب والابن والروح القدس، بالطبع لم أقصد هنا مقارنة بين الأديان الثلاثة. فقصدى وعلمى القليل بعيد تمامًا عن ذلك. بل قصدت أن اعتماد العقل الإسلامى للتوحيد كقيمة مطلقة والتشريع كقيمة نسبية كان اعتمادًا مباشرًا للحرية. والنص القرآنى فى ذلك بالغ الصراحة والحسم « إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». فالتوحيد المطلق لله ينعكس على الفور فى نسبية التشريع على الأرض. ومن ثم فالإرادة الإلهية الواحدة تعنى تعدد الإرادات البشرية ومعيار الحكم هو القرآن. المرجع الوحيد للعقل الإسلامى. هكذا يصبح التوحيد الإسلامى. 

• مساواة بين الناس .

• فتح باب الاجتهاد .

وهما المقولتان الأساسيتان اللتان بنى عليهما غياب الكهنوت من الإسلام. وبالتالى المؤسسة الدينية بمختلف مسمياتها. وبغيابهما لم تعد هناك وساطة بين الإنسان والله. ومن ثم أصبحت العلاقة بين البشر وبعضهم البعض حرة من الوصاية. مسئولة أمام الاجتهادات المتساوية فى الشرع. ولكن العقل الإسلامى كما تبلور نهائيًا فى النص القرآنى شىء. والتاريخ الاجتماعى لهذا العقل شىء آخر تمامًا. لذلك يمكننا القول بشكل عام إن الحوار والعقلانية أساسا الحرية فى العقل الإسلامى. كما صيغ فى النص القرآنى. فقد مر الدين الإسلامى بمرحلتين حاسمتين.

 

الأولى هى حقبة الازدهار الرئيسية فى صدر الإسلام. والأخرى هى بداية التدهور لدرجة الانحطاط. كانت مرحلة الازدهار نابعة من التمسك بالحوار والتاريخ والعقلانية. وكان الانحدار ناتجًا من التشدد والتطرف. ومن هنا بدأ التسرب للجماعات الإرهابية للمجتمع. الحوار يطول فى رأى العلماء كما رأينا. لكننا وضعنا حجرًا لبداية البناء قد يكون خاطئًا، وقد يكون صائبًا، لكنه اجتهاد. وهدفنا نهاية الأمر هو بناء تلك الأمة بعيدًا عن المزايدة والتطرف والجهل بالدين والمتاجرة به. فأمامنا مستقبل يبنى ودولة حديثة قوية تضع قواعد أساسها والدين هو أهم أعمدة أساس البناء. علينا أن نتحاور برفق وبهدوء وبعقل مفتوح، وبعلم، وبدون مزايدة.