الأحد 29 مارس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
الإنسان عدو ما يجهل

الإنسان عدو ما يجهل

مهما بلغت الشجاعة مبلغها في الإنسان أو علا شأنه، إلا أن جهله بالشيء هو ألد أعدائه.. إذا سألت بعض الأشخاص ممّ يخشون؟! سيأتيك الجواب على الفور واحدًا، ألا وهو الخوف من المجهول أو مما نجهل.



 

"الناس أعداء ما يجهلون".. قالها الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، الذي عرف ببلاغته، المتمثلة في الحكم والعبر والأقوال التي نُسبت إليه. 

 

قمة الشجاعة، أن تفهم أولًا ما تجهله، لماذا نستبق الأمور في الحكم على الشيء بالسلب أو الإيجاب قبل أن نجربه أو نتعامل معه، فإن كان كتابًا نتصفحه، أو نفهمه إذا كان موضوعًا، فقد يكون خيرًا لنا ونحن نبتعد عنه لجهلنا به!

 

يجب ألا نُعادي ما نجهل من مبدأ اختصار الدائرة المحيطة بنا، وإغلاقها حول ذاتنا، وترك ما نجهل بحجة الخوف منه، فقد يكون نافعًا.

 

فالإنسان له خصوم وأنداد، وألد أعداء الإنسان هو الجهل ذاته، لأن "الإنسان عدو ما يجهل".

 

 وعكس الجهل "العلم"، وهو الذي يسهم في رفع قدرة الأفراد على وصف بعض الظواهر الاجتماعية، والطبيعية والتعرف عليها، وإيجاد الحلول اللازمة للقضاء على المشكلات التي تلحق بها؛ لأن العلم يُخرج الفرد من حياة الجهل إلى الانفتاح على المجتمع والعالم كله.

 

العلم يُسهم في قوة المجتمع وتطوره وتقدمه، وهو ما يميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى، النامية، التي تتخلف عن ركب الحضارة، فانتشار العلم، مؤشر لنجاح التنمية في المجتمعات. والذي يرث العلم خير من الذي يرث المال، لأنه فانٍ. ومن المعلوم لدينا أن العلم خير من المال، لأن المال تحرسه، أما العلم فهو يحرسك، والمال تفنيه النفقة والبذخ، والعلم لا يفنى، بل ينمى ويبقى.. العلم يعتبر حاكمًا والمال محكومًا عليه.

 

 لقد مات من خزنوا المال وجعلوه شاغلهم الأوحد، وهم أحياء، أما العلماء فهم باقون ما بقي الدهر، وآثارهم في القلوب موجودة حتى بعد رحيلهم بفترات طويلة.

 

عندما يكون أبناء المجتمع مثقفين، وقادرين على الاعتماد الذاتي على أنفسهم، ينمو اقتصاد الدولة، ويكون لديها مجتمع يكتفي اكتفاء ذاتيًا، وبالتالي يكون مستقلًا اقتصاديًا، وهذا عنصر مهم بالنسبة للدول التي تريد التقدم ولا تتخلف عن ركب الحضارة، فهو نقطة انطلاقة قوية لتكون الدولة معتمدة على نفسها لا على غيرها.

 

وهذا ما تسعى لتحقيقه الدولة الآن؛ لأن العلم يجعل الإنسان متسامحًا مع نفسه ومع الآخرين، فيرتقوا جميعًا، فهو يعزز القيم الأخلاقية لدى الأفراد، وإدراكهم لمدى أهمية العمل لتحسين مستوى الدولة، التي يعيشون فيها، ليستطيعوا الانتفاع من خيراتها ومواردها، وبالتالي تُساهم الاستقلالية المادية، وقدرة الفرد على مشاركة أفكاره في محيطه، الذي يعيش فيه، بأن يصبح المجتمع أكثر تسامحًا ومحبة وتفاهمًا وتقدمًا. فما فائدة القلم والعلم إذًا إن لم يفتح فكرًا، أو يضمد جرحًا، أو يطهر قلبًا، أو يكشف زيفًا، أو يبني صرحًا ينقذ الإنسان من ضلاله وغيه.

 

حقًا الإنسان عدو ما يجهل، وسبب هذا العداء الخوف الشديد مما لا يعرف.. والجهل يعني انعدام أو عدم شيء، والعدم هو أساس كل جهل، ولكن ليس كل ما نجهله هو عدم.