الأحد 29 مارس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
تراتيل السلام (1)

تراتيل السلام (1)

لم تشهد قضية فى التاريخ هذا الكم من المزايدات كالتى شهدتها القضية الفلسطينية. ولم يشهد شعب عَبْر التاريخ كل هذه المهانة والمتاجرة بحقوقه وبدم أبنائه كما حدث مع الشعب الفلسطينى. ولم تدفع دولة عَبْر التاريخ من دماء شبابها ومواردها من أجل دولة أخرى كما فعلت مصر مع الدولة الفلسطينية. لقد انكشف وتعرَّى الجميع. كُشفت الأفكار وكُشفت المواقف وكُشفت القدرات. وقد حان الوقت للوقفة مع النفس واسترجاع ما جرَى. ويعرف كل طرَفٌ حجمَه ودورَه.



 

 

فى مصر كان هناك تيار سياسى يرى المستقبل وكاشف لحقيقة الأمْر وقت إعلان فكرة دولة إسرائيل. بدأه أهم رئيس وزراء فى تاريخ مصر وهو إسماعيل صدقى، أبو الصناعة المصرية الحديثة. كان يضم التيار كلّا من طه حسين وأحمد لطفى السيد واليسار المصرى وغيرهم. كانوا يرون أن إقامة دولة يهودية قرار غربى لا رجعة فيه. فقد قرّر الغرب التخلص نهائيًّا من أحد أسباب الحروب الأوروبية، وهم اليهود المتحكمون فى سوق المال الغربى. وكانت الفكرة إقامة وطن للشّتات وأرض للميعاد. ومع بعض الدعاية وبعض ألاعيب السياسة صنعوا وَهْمَ ضرورة إقامة دولة يهودية فى فلسطين. اليهود أنفسُهم كانوا وراء اللعبة السياسية. كان أفضحها اتفاق «بن جوريون» مع «هتلر» عند توليه حُكم ألمانيا بترحيل اليهود الألمان إلى فلسطين.

 

 

الاتفاق كان قذرًا لحد لا يُصدَّق لن ندخل فى تفاصيله الآن. لكن الرأسمالية الغربية كانت قد قررت وكان يجب التنفيذ. التيار المصرى المؤيد حينذاك كان لا يرى أىَّ ضرر من إقامة دولة لليهود على الحدود المصرية.

 

 

فمن وجهة نظرهم أن الدولة الجديدة ما هى إلا امتداد للحضارة الغربية التى تنتمى إليها مصر. ليس هناك خطرٌ أيديولوجى أو اجتماعى أو ثقافى يُهدد الكيانَ المصرى أو الهُوية المصرية. بل كانوا يرون أن الخطرَ الحقيقى يكمُن فى تمدُّد الرجعية المَلكية الوهّابية على الهُوية المصرية- وهو ما قد تم- ولولا ضعف الملك فاروق وبحثه عن مجد شخصى يعيد هيبته ومكانته بعد مهانة حادث الرابع من فبراير ما دخلت مصر حرب 48. أعلن «بن جوريون» قيام دولة إسرائيل فى خطاب أمام الكنيست ألقاه فى الرابع عشر من مايو من عام 1948م. وكان أول من اعترف بالدولة الاتحاد السوفيتى ثم الولايات المتحدة الأمريكية ثم باقى دول أوروبا. ومن وقتها بدأت سلسلة المزايدات على القضية الفلسطينية.

 

 

وتوارَى التيار المصرى الذى كان يرى الحقيقة وما وراءها. ودخلت مصر فى الدوّامة الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطينى. أمّا القيادات الفلسطينية فأكثرها وليس كلها تاجَرَ بالقضية وقبضَ الثمَن أموالًا طائلة تكدست فى خزائن حساباتهم الشخصية فى البنوك الأوروبية والأمريكية. أموال خليجية وليبية وعراقية. وكلها دول ليست من دول المواجهة وليست على خط النار. بل هناك أنظمة حُكم عربية كانت تستغل القضية الفلسطينية بالمزايدة من أجل الحفاظ على وجودها واستقرارها فى الحُكم. بل الحقيقة التى يعرفها الجميع ويتغاضون عنها أن حجم المساعدات الأوروبية للشعب الفلسطينى فاقت بكثير المساعدات العربية كلها. وكان على مصر أن تتخذ الخطوة الأولى الأهَم والأخطر فى تاريخ المنطقة بتوجُّه الرئيس «أنور السادات» إلى الكنيست لينشد تراتيل السلام الحتمى بعد انتصار هو الأول وربما الأخير على القوى الغربية المساندة لإسرائيل. اتخذت مصر قرارَها بعد تقدير موقف للأحداث والوضع الراهن وقتها. كان تقديرُ مصر أن خيار الحرب لم يعد متاحًا، وعندما طلب «السادات» وقف إطلاق النار فى الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر كانت أسلحة حلف الأطلنطى الحديثة قد وصلت من أمريكا إلى أرض المعركة فى سيناء.

 

 

وهى أسلحة لم تتعامل معها القوات المصرية من قبل، وكانت قد حدثت الثغرة وحُوصر الجيش الثالث وفشل الإسرائيليون فى احتلال السويس. وكان ذلك أشجع قرار للسادات عندما واجَه الواقعَ وقال إنه لن يستطيع أن يحارب أمريكا. وقد اعترف «نيكسون» بتدخُّل أسلحة الأطلنطى. صحيح أن مصر ضحّت بمائة ألف شهيد خلال الحروب مع إسرائيل وخسرت دخلها القومى لسنوات وانهارت مرافقها الداخلية لكن البلاد كانت ستستمر فى وضع خطير عسكريّا؛ لأن كيان مصر أصبح مرتبطًا بسلامة السد العالى. ولا يوجد بلد فى العالم يرتبط كيانه كله بسلامة خزان واحد. وهذا ما لاحظه خبراء الزلازل العالميون. فى أمريكا ينهار خزان كل أربع سنوات ولكن أمريكا لا تغرق، والحال فى مصر مختلف إذا ضُرب السد العالى غرقت مصر. وكان «عبدالناصر» من قبل قلقًا أشد القلق كلما تحدّث عن الدفاع عن السد العالى، وعندما طلب «عبدالناصر» من الروس أن يتحملوا كاملًا مهمة الدفاع الجوى عن مصر لم يكن يبيع سيادة مصر واستقلالها ولكنه كان يريد حمايتها من الانهيار الكامل إذا ضُرب السد العالى.

 

 

وهكذا اتجه «عبدالناصر» إلى مبادرات السلام وفق سياسة «روجرز» التى رفضها «السادات» فى المكتب السياسى للاتحاد الاشتراكى عندما كان «عبدالناصر» فى موسكو وأعلن قبوله المبادرة؛ لأن الاعتماد على الروس أصبح صفرًا. وكانت امتيازات إسرائيل فى تدعيم جيشها كبيرة ولا يمكن أن نجاريها، ويكفى أن نعرف أن الطيارين الإسرائيليين يتدربون فى أمريكا وفرنسا مجانًا وتكلفة الطيار الواحد تساوى مبالغ طائلة، واحتفاظ مصر بالتفوق الاستراتيجى مهمة بالغة الصعوبة وتستغرق سنوات. وهو سباق غير متكافئ مرهق لمصر كل الإرهاق. كما أن مصر لا تستطيع الاعتماد على مواردها فقط فى تدعيم الجيش، وعندما قدَّم العربُ معونة مالية لمصر قبل فتح قناة السويس وقبل معركة أكتوبر كان الشرط العربى أن بنكًا أمريكيًّا يقدم قرضًا لمصر قيمته 60 مليون جنيه بضمان السعودية. ورفضت السعودية أن يكون قرضها لمصر بضمان البنك المركزى المصرى. وعندما طلبت مصر زيادة المعونة من الكويت أعلنت الكويت فى نشرات رسمية أن احتياطى البترول ينضب فيها أو هو فى طريقه إلى ذلك. كان ذلك فى أواخر الستينيات، ثم ثبت أن العكس، هو الصحيح، وزاد الاحتياطى وأصبح بالملايين.

 

 

وكان السؤال المُلح فى ذهن «السادات»: هل أتصرف وحدى أو أضع مصر تحت وصاية الدول العربية ولا حل لديهم للقضية لا صُلح ولا حرب وكلهم بعيدون عن الاكتواء بآثارها باستثناء سوريا، ولا تستطيع مصر أن تتخلى عن سوريا ولا تستطيع أيضًا أن تدخل حربًا جديدة؟. والتقدير الصحيح للوضع العربى مع مصر أن الدول العربية لا تقبل على مساعدة مصر إذا قويت فإن ليبيا والسعودية تشعران بأن مصر مُهدِّدة لهما. وقوة مصر ضد الأمانى السورية، أمّا العراق فيرى فى مصر محورًا يتصدى له باستمرار. وكان مفروضًا إذن أن تبقى مصر مثل الرجُل المريض الذى لا يموت.

 

 

لا حرب ولا سلم. صعوبات داخلية. مواردنا لا نستطيع تنميتها لأنها تحت سيطرة إسرائيل. فإذا كان أمام مصر أن تصل بالسلام إلى نتائج التحرير من دون مخاطر حرب أخرى فهل تضع مصر هذا القرار تحت سيطرة الدول العربية؟ الجواب الطبيعى بالنفى. إن قرار مصر فى حدود سيادتها ولسنا فى اتحاد فيدرالى مع الدول العربية يلزمنا بذلك. كما أن ميثاق الدول العربية لا ينص على ذلك. وقد وضح بعد ذلك أن سوريا رفضت قرار مصر.

 

 

سافر «السادات» إلى سوريا وأمضى مع «الأسد» ساعات طويلة حتى الفجر وفشل فى إقناعه، فهل ستوافق السعودية بعد أن رفضت سوريا؟ وبالنسبة لباقى الدول العربية فالوضع ليس أكثر من مزايدات على القضية. لم يفكر «السادات» فى صُلح منفرد. وكان الهدف الأساسى سلامًا شاملًا ودائمًا وعادلًا. ولا قيود على علاقة مصر بإسرائيل. العلاقات وفقًا لمصالح مصر. ولا يوجد أى تفضيل لإسرائيل. وهذا ما حدث بعد ذلك وما هو مستمر حتى الآن. فكرة الأمن للبلدَيْن لا يمكن أن يحققها إلّا قوات دولية. وفى عهد «عبدالناصر» كانت هناك قوات دولية فى شرم الشيخ وسمح «عبدالناصر» للبضائع الإسرائيلية أن تمُرَّ فى قناة السويس على بواخر لا تحمل عَلم إسرائيل، كما أن السفن الإسرائيلية كانت تمُرُّ من شرم الشيخ. وهكذا قرر «السادات» أن يتخذ الطريقَ الذى يتفق مع مصالح مصر.