الجمعة 5 يونيو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
يا عيني على الحرم

يا عيني على الحرم

أطيل النظر إلى صور الحرم المهجور، والطواف المبعود.



 

إلى الرحاب التي كنت أراها ممتلئة بالذاكرين لربنا المعبود.

 

أطيل النظر وأناجي الحجر.

 

يا أول بيت وضع للبشر

 

هل تسأل عن الطائفين والعابدين والركع السجود؟ ربما.

 

هل تنتظر أن يهديهم الله لما يكونون به جديرين بزيارتك والاستمتاع برحابك الطاهرة؟ ربما.

 

أم تنتظر أن يبدل الله خيرا منهم؟ ربما.

 

يا بيت الله الحرام، كيف الحال بعد أن صارت الصلاة في البيوت والرحال.

 

هل تفتقد الذاكرين الخاشعين الراكعين الساجدين.

 

ولم لا، ألم يقل الحبيب صلى الله عليه وسلم عن جبل "أحد": "أحد جبل نحبه ويحبنا". فالجبل بتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يحب.

 

وألم يقل الله سبحانه في سورة الكهف عن جدار أنه "يريد" أن ينقض، في قوله تعالى "فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ".

 

ببلاغة فضيلة الشيخ الشعراوي في خواطره عن هذه الآية ذكر أن هناك من يقولون إن الإرادة لا تكون إلا للمفكر العاقل، فإن جاءت لغير العاقل فهي بمعنى: قَرُب. أي: جدارًا قارب أنْ ينهار، لما نرى فيه من علامات كالتصدُّع والشُّروخ مثلًا.

ثم علق قائلا إن هذا الفهم يتناسب مع أصحاب التفكير السطحي وضَيِّقي الأفق- هذا بالضبط التعبير الذي استخدمه فضيلته- وأضاف: أما أصحاب الأفق الواسع الذين يعطون للعقل دوره في التفكير والنظر ويُدققون في المسائل فلا مانع لديهم أنْ يكون للجدار إرادة على أساس أن لكل شيء في الكون حياةً تناسبه، ولله تعالى أن يخاطبه ويكون بينهما كلام.

 

واستطرد الشيخ الشعراوي: ألم يقل الحق سبحانه: "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ". (الدخان: 2). فإذا كانت السماء تبكي فقد تعدَّتْ مجرد الكلام، وأصبح لها أحاسيس ومشاعر، ولديها عواطف قد تسمو على عواطف البشر، فقوله: "فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ..". (الدخان: 29) دليل على أنها تبكي على فَقْد الصالحين.

 

وقد سُئِل الإمام علي- رضي الله عنه- عن هذه المسألة فقال: "نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في الأرض فموضع مُصلاَّه، أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله".

 

وهذا دليل انسجام العبد المؤمن مع الكَوْن من حوله، فالكون ساجد لله مُسبِّح لله طائع لله يحب الطائعين ويلعن العاصين ويكرههم؛ لذلك العرب تقول: (نَبَا به المكان) أي: كرهه لأنه غير منسجم معه، فالمكان طائع وهو عاصٍ، والمكان مُسبِّح وهو غافل".

 

هذا هو ما قاله فضيلة الشيخ الشعراوي منذ سنوات طويلة، ما يجعل الكثيرين منا حاليا يتساءلون: هل كرهت بيوت الله بعضًا منا، ثم حزنت لفراق البعض الآخر الصادق المخلص في العبادة.

إنها أفكار تراودني حين تداهمني صور الحرم المهجور.

 

فأشتاق إلى أن يعود عامرا كالبيت المعمور بالملائكة فوقه في السماء.

 

يا بيت الله الحرام إنني لم يسبق لي زيارتك بجسدي، لكن روحي زارتك، وعيني تزور صورك، وقلبي يتعلق بجمالك وجلالك.

 

أشتاق إلى الاستمتاع برؤية المناسك والتراويح منقولة إلينا من رحابك العطرة عبر الفضائيات.

 

أشتاق إلى صوت الأذان المهيب الممدودة كلمة "الله" في مطلعه، والموصولة فيه حي على الفلاح بحي على الصلاة في أوسطه.

 

أشتاق، وأعترف بأن الدمع يحاول ألا يبوح بوجع الشوق.

 

وأعلم أن مثلي مشتاقون، في صمت يحلمون.

 

مشتاقون يا أول بيت وضع للناس.

 

فهل أنت مثلنا... لنا... مشتاق؟